أدباتية: إن تراجع ظهور المواهب الفائقة والرموز الشاملة هو في أصله ظاهرة عالمية فرضتها طبيعة العصر الرقمي وتفتت الجمهور والتخصص المعرفي الدقيق، بينما زادت حدة هذه الظاهرة وتعمقت آثارها في مصر بسبب مجموعة من الظروف المحلية المرتبطة بواقع التعليم ومنظومة البحث العلمي وتراجع الكيانات الثقافية والضغوط الاقتصادية، ولذلك فإن استعادة الزخم الثقافي وصناعة رموز جديدة لا يتطلب الانتظار السلبي لظهور استثناءات فردية خارقة، بل يتطلب بناء منظومة مؤسسية حديثة تدعم التعليم وتستغل أدوات العصر الرقمي لرعاية وتسويق الكفاءات المصرية المتميزة في مختلف المجالات.
أين ذهب عمالقة الفكر والأدب؟
يثير هذا السؤال شجون الكثيرين في الأوساط الثقافية والفكرية والشعبية على حد سواء، حيث يتساءل المتابعون بقلق ومحبة عن أسباب غياب القامات الفكرية والأدبية الكبرى التي شكلت وجدان الأمة لعقود طويلة، ففي الماضي القريب كانت مصر ولادة تُنجب باستمرار شخصيات ذات ثقل فريد وتأثير واسع يمتد لعالمنا العربي بأسره في مجالات الأدب والعلم والفنون، ونذكر من هؤلاء الرموز الخالدة عميد الأدب العربي طه حسين، وعبقري الفكر عباس محمود العقاد، وأديب نوبل نجيب محفوظ، إضافة إلى قامات علمية وفنية استثنائية مثل أحمد زويل وأم كلثوم، واليوم يشعر قطاع عريض من الجمهور والنخبة بأن ظهور شخصيات بمثل هذا الثقل الشامل والتأثير الممتد أصبح أندر بكثير مما كان عليه الحال في القرن العشرين، والحقيقة التي يجب إدراكها بوعي وعمق هي أن هذه الظاهرة في جوهرها ظاهرة عالمية تمس ثقافات العالم أجمع، لكنها تبدو في مصر أكثر وضوحًا وأشد تأثيرًا لتضافر أسباب وظروف محلية خاصة.
البعد العالمي للظاهرة وتحولات عصر الإنترنت
تؤكد الدراسات الثقافية والاجتماعية الحديثة أن تراجع ظهور “الرمز الشامل” أو “المثقف الكوني” لا يقتصر على مصر أو العالم العربي وحده، فحتى في كبرى عواصم الثقافة والعلم في العالم مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا، أصبح من النادر جدًا ظهور شخصيات فذّة تجمع تأثيرًا ثقافيًا أو فكريًا أو علميًا طاغيًا يمتد لعقود طويلة كما كان يحدث بانتظام في القرن العشرين، ويرجع هذا التحول الجذري في طبيعة التأثير والانتشار إلى عدة عوامل عالمية حاكمة نوجزها فيما يلي:
-
تشتت الجمهور وتفتت الاهتمامات: لقد أدى الانتشار الهائل للإنترنت وهيمنة منصات التواصل الاجتماعي إلى تجزئة الجمهور الواسع إلى مجموعات صغيرة متخصصة، فلم يعد المجتمع بأسره يلتف حول شاشة واحدة أو صحيفة واحدة أو يتابع نفس الكاتب أو الفنان أو العالم، بل أصبح لكل فئة منصاتها ومشاهيرها ومحتواها المفضل، مما منع تشكل الإجماع الشعبي الواسع الذي كان يصنع نجومية الرموز الكبرى في الماضي.
-
التخصص العلمي والمعرفي الشديد: تعقدت العلوم والمعارف الإنسانية في عصرنا الحالي بدرجة فائقة، وأصبح الإنجاز العلمي أو الفكري يعتمد في المقام الأول على تضافر الجهود والفرق البحثية الضخمة والمؤسسات الكبرى أكثر من اعتماده على المجهود الفردي للعالم الأوحد، فالكتلة المعرفية المتراكمة جعلت عصر العالم الموسوعي أو المفكر المحيط بكل الفنون أمرًا بالغ الصعوبة.
-
تسارع دورة الأخبار وتدفق المحتوى: يعيش العالم اليوم في سيولة إعلامية غير مسبوقة وتدفق هائل ومستمر للمعلومات على مدار الساعة، وهذا الزخم الكثيف يجعل من الصعب للغاية على أي كاتب أو مبدع أن يحافظ على وهجه وحضوره المتصل في صدارة المشهد لسنوات طويلة، حيث تستهلك دورة الأخبار السريعة اهتمام المتلقي وتدفعه دائمًا للبحث عن الجديد اللحظي.
خصوصية الحالة المصرية والعوامل المحلية المؤثرة
إذا كانت التحولات التكنولوجية والمعرفية قد غيرت شكل الإبداع في العالم بأسره، فإن الظاهرة تتخذ في مصر طابعًا أكثر حدة ووضوحًا، حيث تضافرت تلك التغيرات العالمية مع تحديات وعوائق داخلية أثرت بشكل مباشر على منظومة إنتاج الرموز ورعايتها، ومن أبرز هذه العوامل المحلية:
-
تراجع جودة التعليم والبحث العلمي: شكل التعليم الراقي والبناء المعرفي الرصين في النصف الأول من القرن العشرين الأساس المتين الذي خرجت منه قامات مثل طه حسين والعقاد، بينما أدى تراجع المنظومة التعليمية ومناهج البحث العلمي مقارنة بالفترات السابقة إلى ضعف التأسيس اللغوي والفكري لدى الأجيال الجديدة، مما أثر سلبًا على عمق ورصانة المنتج الإبداعي.
-
ضعف الإنفاق على الثقافة والبحث: يحتاج الإبداع الحقيقي والابتكار العلمي إلى استثمارات مالية مستدامة وبنية تحتية قوية، وقد أدى ضعف الميزانيات الموجهة لدعم المشروعات الثقافية ومراكز البحث العلمي إلى تقليص الفرص المتاحة أمام المواهب الواعدة للتفرغ والتطوير وتوسيع دائرة تأثيرها.
-
تراجع دور المؤسسات الثقافية الحاضنة: كانت مصر تمتلك في الماضي شبكة قوية من المؤسسات الثقافية والصحفية الكبرى والصالونات الأدبية التي كانت تعمل ككشافات للمواهب، حيث كانت تتولى اكتشاف المبدع ورعايته وتسويقه وصناعة نجوميته وتقديمه للجمهور، بينما شهدنا في العقود الأخيرة تراجعًا ملموسًا في الدور الريادي لهذه الكيانات الحاضنة.
-
هجرة العقول والكفاءات المتميزة: أدت التحديات الاقتصادية والمهنية المختلفة إلى هجرة عدد كبير من الكفاءات المتميزة والعقول المبدعة إلى الخارج بحثًا عن بيئات عمل أكثر استقرارًا وتقديرًا والدعم المالي والمعنوي المطلوب، مما أفرغ الساحة المحلية من بعض طاقات التجديد والابتكار.
هل نضبت المواهب المصرية حقًا؟
على الرغم من كل التحديات العالمية والمحلية السابقة، فإن التقييم المنصف والموضوعي يؤكد أن مصر لم تتوقف مطلقًا عن إنجاب الشخصيات المتميزة والعقول المبدعة، فالأرض التي أنجبت عمالقة الأمس ما زالت ولادة بالمواهب الفائقة، لكن طبيعة التميز وخارطة الانتشار قد تغيرت بشكل جوهري، حيث أصبح تأثير الكثير من هؤلاء المبدعين والعلماء اليوم ينصب في مجالات دقيقة وشديدة التخصص، أو يتحقق في كبرى المؤسسات والجامعات خارج الحدود المصرية، وبالتالي فهم لا يحظون بنفس الشهرة العامة الواسعة أو الحضور الجماهيري الطاغي الذي كان يحظى به رموز الماضي الرواد الذين كانوا يخاطبون الوجدان العام مباشرة.