الوجود القبلي في مصر.. جذور عميقة تسبق الفتح الإسلامي

أدباتية – خاص: حين تتأمل خريطة الجغرافيا المصرية، ممتدة من تخوم الصف إلى أطراف حلوان حيث تلتقي تخوم الوادي بصمت الصحراء، مرورا برمال سيناء المترامية في الشرق، وصولا إلى تخوم مطروح وصحراء الغرب، وتوغلًا في بعض جيوب الصعيد، تتكشف لك حقيقة ساطعة بأن مصر لم تكن قط كتلة صماء، بل كانت دائما واحة كبرى لتلاقي العروبا والأعراق.
في الوعي الجمعي الضيق، يميل البعض إلى اختزال الهوية المصرية القديمة في وادي النيل والفراعنة وحدهم، متجاهلين أن الرمال التي احتضنت التاريخ القديم قد احتضنت جنبا إلى جنب قبائل وعشائر كانت جزءا لا يتجزأ من نسيج الأرض قبل أن يخط التاريخ الإسلامي فصوله الكبرى بعشرات الأعوام.
إن الوجود العربي والأمازيغي في الوجدان المصري ليس طارئا ولا وافدا، بل هو جذر عميق يسبق الفتح الإسلامي في امتداداته وهجراته الأولى التي استقرت في الصحارى المصرية فصارت أما لرجالها وصاروا حراسا لثغورها، وحين نتأمل أفراح ومناسبات قبائل البدو والأمازيغ، فإننا لا نتحدث عن مشاهد غريبة أو وافدة على المشهد المصري، بل نلامس ركنا أصيلا من أركان التنوع الثقافي والعرقي الذي طالما تميزت به المحروسة، حيث مثلت القبيلة مدرسة في العرف، وقانونا أخلاقيا للشهامة، وحارسا أمينا لتقاليد تكاد تلامس جذور التاريخ السحيق.
في سيناء الغراء، تروي قبائلها حكايات الشرف البدوي والانتماء الخالص لتكون السد المنيع وأهل الأرض حقا، وفي مطروح والغرب تتناغم قبائل الصحراء مع المكون الأمازيغي العريق في سيوة وما حولها لتنسج لوحة فريدة من التنوع المنسجم، بينما تتوزع في عمق الصعيد قبائل الهوارة والجهينة وغيرها تاركة بصمات خالدة في العمارة والعادات والإيقاع الإنساني.
 إن هذا التكوين القبلي والعربي والأمازيغي ليس سوى مرآة صادقة لتنوعنا التاريخي العظيم، ودليل حي على أن الهوية المصرية ولدت منذ الأزل رحبة، تسع الجميع، وتصهرهم في بوتقة الوحدة لتخرج لنا هذا الإنسان المصري الفريد بملامحه العريقة وجذوره الممتدة في عمق الزمان.