2026-06-21

د. هند محسن حلمي تكتب: حين يَهزم الأبُ الرجلَ.. محمد يسري في «تريفوجا» والوجه الذي انكسر خلف السلطة

أدباتية: بدايةً من: “الممثل العظيم لا يؤدي الشخصية، بل يسمح لها أن تسكنه”، هكذا لخّص رائد التمثيل المنهجي لي ستراسبرغ جوهر الأداء الحقيقي، وهكذا أيضًا بدا محمد يسري في عرض تريفوجا؛ لا كممثل يحفظ دورًا ويؤديه، بل كإنسان وجد نفسه عالقًا داخل مصير شخصية تتآكل ببطء أمام أعيننا. فمنذ لحظة ظهوره الأولى على الخشبة، لم يكن الحضور قائمًا على استعراض الصوت أو استدعاء الانفعال المباشر، بل على تلك التفاصيل الدقيقة التي يصنع منها المسرح الحقيقي سحره؛ نظرة تتأخر نصف ثانية، صمت يمتد أكثر مما ينبغي، حركة جسد تقول ما يعجز الحوار عن قوله. وهنا تحديدًا تتجلى مقولة قسطنطين ستانسلافسكي الشهيرة: “لا تبحث عن المشاعر، بل ابحث عن الحقيقة، فالمشاعر ستأتي وحدها”، لأن محمد يسري بدا منشغلًا بالحقيقة الإنسانية للشخصية أكثر من انشغاله بإبهار الجمهور، فجاء التأثير عميقًا وصادقًا دون أي محاولة مباشرة لاستدرار التعاطف.

كما كان اللافت في أدائه أنه لم يقدم السلطة باعتبارها قناعًا خارجيًا فحسب، بل باعتبارها عبئًا داخليًا أيضًا. ففي مشاهد النفوذ والهيبة بدا واقفًا بثبات حاد، كتفاه مشدودتان، وخطواته محسوبة، ونظراته حاسمة، وكأن الخشبة كلها تدور داخل مجال جاذبيته. لكن المدهش أن هذا البناء الصلب كان يبدأ في التشقق كلما اقترب من ابنته. هناك تحديدًا كان الرجل يهزم المسؤول، وكان الأب يهزم الصورة العامة. فجأة تصبح الحركة أكثر حذرًا، والنظرة أكثر ارتباكًا، والصمت أكثر حضورًا، وكأن الشخصية تخشى الاعتراف بمشاعرها حتى أمام نفسها. وهنا نتذكر ما كتبه أنطونان أرتو في كتابه الشهير “المسرح وقرينه” حين رأى أن الجسد يملك لغة أكثر صدقًا من الكلمات، لأن محمد يسري بالفعل جعل الجسد يتكلم قبل الحوار، ويكشف ما تحاول الشخصية إخفاءه.

ولعل أجمل ما في الأداء أنه لم يقع في فخ الثنائية السهلة بين الخير والشر أو القوة والضعف، بل قدّم إنسانًا ممزقًا بين هويتين تتصارعان بلا توقف؛ رجل اعتاد أن يسيطر على كل شيء، وأب يكتشف أنه عاجز أمام خوفه. في مشاهده مع ابنته تحديدًا سقطت كل الأقنعة السياسية والاجتماعية، وبقي الإنسان وحده. هناك شعرنا أن الشخصية لا تواجه الآخرين بقدر ما تواجه نفسها. وهنا تستدعي الذاكرة قول الفيلسوف سورين كيركغارد: “أشد المعارك قسوة هي تلك التي يخوضها الإنسان ضد نفسه”. وهذا بالضبط ما كان يحدث على الخشبة؛ معركة داخلية صامتة بين القلب والمنصب، بين الواجب والمشاعر، بين الصورة والحقيقة.

لذا لا يمكن قراءة هذا الأداء بمعزل عن روح «تريفوجا» نفسه، لأن العرض في جوهره لا يتحدث عن السياسة بقدر ما يتحدث عن الأقنعة، وعن البشر الذين يضطرون إلى العيش بأكثر من وجه كي يستمروا. ولذلك جاءت شخصية محمد يسري في قلب الفكرة الدرامية، إذ لم يشرح الصراع بالكلمات ولم يحوله إلى خطابات مباشرة، بل جعله مرئيًا في نظرة مرتجفة، أو لحظة تردد، أو خوف يحاول الاختباء خلف هيبة مصطنعة. وهنا تبدو رؤية بيتر بروك شديدة الحضور حين كتب في “المساحة الخالية”: “المسرح يحدث حين يعبر شخص مساحة فارغة ويشاهده شخص آخر”. لكن محمد يسري لم يكتفِ بعبور المساحة، بل ملأها بطاقة إنسانية كثيفة جعلت وجوده نفسه جزءًا من السينوغرافيا النفسية للعرض.

إن أخطر ما يواجه أي ممثل حين يؤدي شخصية مركبة هو أن ينجرف نحو المبالغة، لكن محمد يسري اختار الطريق الأصعب؛ طريق الاقتصاد والتكثيف. لم يكن يصرخ ليعبر عن الألم، ولم يكن يرفع صوته ليؤكد السلطة، بل ترك للتفاصيل أن تقوم بالمهمة. ولذلك كان تأثيره تراكميًا، يتسلل إلى المتفرج ببطء حتى يجد نفسه متورطًا عاطفيًا في مصير الشخصية دون أن يشعر. وهذا يذكرنا بما قاله المخرج الروسي فسيفولود مايرهولد: “الممثل العظيم لا يجذب انتباهك إليه، بل يجذبك إلى عالم الشخصية”. وهي معادلة نادرة استطاع محمد يسري تحقيقها بجدارة.

وفي زمن أصبح فيه الأداء الصاخب طريقًا سريعًا إلى التصفيق، يبدو الصدق التمثيلي عملة نادرة. والصدق هنا هو الكلمة المفتاحية لفهم تجربة محمد يسري في «تريفوجا». لأنه لم يقدم شخصية مكتوبة على الورق، بل إنسانًا من لحم ودم، يحمل تناقضاته وضعفه وخوفه وهشاشته. جعلك تشعر أحيانًا أنك لا تشاهد مشهدًا مسرحيًا، بل تتجسس على لحظة حقيقية من حياة شخص ما. وتلك هي أعلى درجات الفن المسرحي؛ أن تنسى أنك تشاهد تمثيلًا من الأساس.

لهذا أعتقد أن محمد يسري لم يكن مجرد ممثل داخل «تريفوجا»، بل كان أحد أعصاب العرض الأساسية، وأحد أكثر عناصره حياة وصدقًا. قدم شخصية كشفت هشاشة السلطة، وعزلة الإنسان، وخوف الأب الذي يحاول الاحتماء خلف صورة الرجل القوي. ولهذا لم يكن أثره مجرد أداء جيد يمر وينتهي بانتهاء الستار، بل كان من تلك الأداءات النادرة التي تترك في ذاكرة المتفرج ما يشبه الندبة الجميلة؛ أثرًا مؤلمًا ومحببًا في الوقت نفسه، يظل حاضرًا حتى بعد أن تخفت الأضواء ويغادر الجميع المسرح.

About The Author