تاريخ النشر: 29 سبتمبر، 2026 |
القسم: معجم أدباتية
أدباتية – أحمد زكي شحاتة: في قرية مسير التابعة لمركز ومدينة كفر الشيخ ولد الشاعر عبد الرحمن سيد أحمد قريطنة، فألحقه أبواه بكتاب القرية.. وهناك حفرت في وجدانه آيات القرآن الكريم وشفافية العيش البسيط.
ولأن الحياة لا تمضي دائما وفق الأمنيات، يتوقف قطار التعليم عند الصف السادس الابتدائي بسبب العوز وضيق ذات اليد، لكن الأقدار كانت تخبئ له تعليما من نوع آخر، حيث تتلمذ على يد أعمامه ليتعلم فن الحياكة، ومع حركة الإبرة والرتق، تشرب عادة الورد القرآني الصباحي، لتغدو روحه مأهولة بالنور والرقي.
في عام ألف وتسعمئة وتسعة وستين، كانت المحطة المفصلية، حين انتقلت الأسرة إلى منطقة إصلاح شالما التابعة لمركز سيدي سالم، لتظفر بقطعة أرض ضمن مخصصات قانون الإصلاح الزراعي.. وهناك في الخلاء القاسي وسط البرية حيث لا ماء ولا كهرباء ولا مواصلات، صمد الفتى بفضل مهنة الخياطة التي كانت طوق النجاة للجميع.
وفي عزلته داخل الدكان الصغير وعلى أثير “الترانزستور”، أخذ يدندن مع كبار المطربين يمتص الشغف بالكلمة، حتى تشكلت ذائقته ليخط أولى المحاولات الشعرية عام ألف وتسعمئة واثنين وسبعين، ولينهمر بعدها إبداعه مع نصر أكتوبر المجيد عام ثلاثة وسبعين بقصيدة يقول مطلعها: «الله أكبر ونور الفجر هل وبان».
وبدأ يراسل الإذاعات المختلفة، حتى وجهت له دعوة للقاء مباشر في برنامج «اللقاء المفتوح» عبر أثير صوت العرب عام خمسة وسبعين لكن ضيق ذات اليد حال دون سفره للقاهرة.
وتمضي السنوات ويلتحق بالتجنيد الإلزامي في سلاح الحرس الجمهوري عام ستة وسبعين، وفي أوقات الراحة يخلو إلى أوراقه فيكتب قصائد مترعة بحب الوطن والشوق لأسرته، وحين انتهت خدمته العسكرية بعد ثلاث سنوات غرق في المسؤوليات تحت ثقل التزامات الأسرة وتربية الأبناء، إلا أن جمرة الشعر بقيت تحت الرماد لم تنطفئ.
غاب عن الشعر عقودا ليؤدي أمانته التي حملته إياها المسؤولية الاجتماعية، وما إن اطمأن قلبه بوصول صغاره إلى بر الأمان، حتى نفض الغبار عن قصاصاته القديمة، عائدا إلى الشعر دون ندم على ما فات.
شاءت الصدفة أن تجمعه بالقاص أشرف عبد المطلب عقاب، الذي اصطحبه إلى صالون القرضا الثقافي عام ألفين وعشرة، وهناك لقي الشاعر الشاب أحمد زكي شحاتة الذي أرشده إلى نادي الأدب بالمبنى القديم لقصر ثقافة كفر الشيخ، ليخوض بعدها غمار المسابقات بشغف الصبي وإصرار الكهل.
وبعد محاولات لم يكتب لها النجاح، أثمر الصبر في عام ألفين وستة عشر عن ولادة ديوانه الأول “الطريق إلى الهداية»، ثم تتوالى العطاءات الأدبية ليعوض ما فاته.
وكما صاغ أبو الأسود الدؤولي بحور الشعر على طرقات النحاسين، فإن حركة الإبرة في القماش لدى عبد الرحمن قريطنة تمثل مساحة أخرى لنظم القصيدة، فأصدر دواوين “ليلة القدر”، و”بشائر على أرض الميعاد”، و”فضفضة”، و”الصمت”، و”بحبك بلدي”، وصولا إلى عمله قيد الطباعة “مصر في عرسها”، لتظل تجربة الشاعر عبد الرحمن قريطنة شاهدا حيا على أن الإبداع الحقيقي لا يحده عمر، وأن الشاعر الصادق يغزل من عثرات السنين أجمل القصائد.