السبت، 7 نوفمبر 2026
منصة الثقافة والتراث العربي | مبادرة أبناء مصر للتنمية الثقافية وحفظ التراث
أحدث النوافذ
الرئيسية > معجم أدباتية

الحالاتي.. محمد قطامش

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: حين تطأ قدماك أرض مدينة بلقاس في محافظة الدقهلية، سل أيا من المارة عن «بيت قطامش».. سيرشدك إلى طريق الحارة الثقافية.. هناك وسط بنايات عادية يقف بيت مختلف، كشاهد على التنوع الثقافي والتراث المصري الأصيل.

 

 

 

 

في ردهات البيت.. تطالع دمى مختلفة، تشكل فيما بينها عالما مغايرا، تتمنى لو عشت فيه.
حين تنتهي جولتك، ستجد رجلا طويل القامة تعلو وجهه ابتسامة دائمة.. يرحب بك ويجيب عن كل ما يعن لك من أسئلة عن تاريخ كل دمية.. كيف تشكلت وفيما تم توظيفها..

 

 

 

محمد قطامش.. رجل أتم في مدارات الزمن نحو خمسة وستين عاما، غير أنك لو سألته عن اللحظة الأولى التي قادته إلى هذا العالم، لابتسم بصمت.. فالحكاية لم تبدأ بقرار حاسم أو تاريخ مدون في السجلات، بل تسربت إلى مسامه رويدا رويدا، كما يتسلل الضوء إلى الكون مع بزوغ الفجر.

 

 

 

 

الدمية لم تكن بالنسبة له اختراعا طارئا.. بل هي امتداد لنزوع فطري يسكنه مذ كان طفلا، ما أهله لامتلاك قدرة سحرية على «أنسنة الجماد»، ليشكل منه عالمه الخاص ويكون شخوصه من خشب وقطن وإسفنج وخيوط رقيقة، فيبث فيها من روح فنه لتحيا داخل الحارة الثقافية بمدينة بلقاس.
داخل بيت قطامش، يجتمع خيال النحات وإبداع الموسيقي مع صرامة المعماري، وبراعة المهندس الذي يبتكر ميكانيزم الحركة وخفاياها، فيتشكل الإيقاع الذي يرسم نبض الشخصية وموسيقاها ليمنح الخشب حق الكلام.

 

 

 

وحين يصعد إلى خشبة المسرح، يدرك قطامش أن الدمية ليست ممثلا عاديا، فلا بد أن تتجاوز حركتها الواقع.. في مبالغة مقصودة ومحسوبة.. لتلفت الأعين نحو هذا الكائن الصغير، وفي العتمة المقابلة للمنصة.. تكتمل المعادلة.. حيث تصدر الحركات من أصابعه واحدة تلو الأخرى، فتصل إلى وجدان الحاضرين آلاف المعاني.. يتلقاها كل مشاهد وفق مخزونه المعرفي وحالته النفسية وعالمه الداخلي، باعتبار المسرح والتشكيل والدمى مرايا عاكسة، نرى من خلالها كل ما نحمل في أرواحنا من مشاعر وذكريات..

 

 

في لحظات الارتجال، قد تلمح الدمية ارتعاشة في عين طفل أو شغفا في صدر متفرج.. فتقود محركها وتجره وراءها نحو الجمهور، كأنها هي التي تبادر بالفعل، قبل أن يلوذا معا بالعودة إلى السياق المرسوم.. دماه تفهم المتلقي وتسمعه، ولهذا يراها قطامش وسيطا استثنائيا يكسر عزلة الأطفال ويحرر نفوسهم من الوحشة.

 

 

 

 

وحين يطل شبح التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في محاولة لمداعبة خيال الأطفال، يبتسم قطامش بيقين لا يتزعزع.. فهو يعلم أن التقنية فن فقير الحواس، يحبس المتلقي في مجرد الرؤية والسمع.. أما مسرح العرائس فطبيعة بكر تنبض بشتى الحواس.. لمس الخامات ورائحة الخشب المنحوت، وعبق الأقمشة، وعرق الفنان النازف مدرارا في كواليس العتمة، وأنفاس الجمهور المختلطة في الصالة الواحدة.. ذلك المزيج من الحرارة والروائح لا تصنعه خوارزميات.. فالتكنولوجيا قد تمنح البشر صورا متحركة، لكن محمد قطامش، بأصابعه الماهرة يمنح الخشب روحا وذاكرة.. في إعجاز فني بديع.

 

 

«الحالاتية».. فرقة أسسها ويقودها قطامش، يتوافد على عروضها الكبار والصغار.. يتهافتون على التقاط الصور مع عرائس متباينة الحجم.. وأطفال يلقون نظرة بأعين الشغف على عرائس «خيال الظل»، محاولين استكشاف طريقة عملها.. يدورون حول العرائس، ويلتقطون معها صور «السيلفي» ويحاولون استكشاف ما وراء الصندوق الخشبي المضيء.

 

 

 

في عروض الحالاتية، تدهشك حالة غريبة من الإبهار البصري تستدعي حنينك لمرحلة الطفولة، تود لو يعود بك الزمن لتلعب مع «الأراجوز»، وتتقمص شخصية «أبو زيد الهلالي»، تبهرك نظرات «شهرزاد»، وتتسلى بحكايات «علي بابا والأربعين حرامي»، وتحاكي «الشاطر حسن» و«السندباد» و«علاء الدين».. وغيرها من الشخصيات الفلكلورية التي عاشت في مخيلة عشرات الأجيال..

 

 

 

 

محمد قطامش، ليس مجرد فنان يعرض إبداعه للتسلية.. لكنه فيلسوف يصنع المعنى ليصوغ حالة من الوعي الشعبي عبر بث الحكم والقيم التربوية والأخلاقية، ليثبت في كل يوم أن الفن الحقيقي لا تحده قيود.. ولا يندثر بمرور الزمن.