أدباتية: عقدت الإدارة العامة للآداب والنشر والمكتبات بوزارة الثقافة الفلسطينية، بالتعاون مع مكتب الوزارة في محافظة بيت لحم، والمجلس الأعلى للشباب والرياضة، وتجمع العلاقات العامة والإعلام، ندوة أدبية وعلمية تخصصية موسعة حملت عنوان: «تقنيات السرد وجماليات المشهد». وجاءت هذه الفعالية المتميزة سياقاً متصلاً وشراكة فاعلة ضمن سلسلة الندوات الأدبية والفكرية الدورية والمنظمة والموسومة بـ “ملتقى النص؛ دراسات في الشعر والسرد والخطاب”، والتي تهدف إلى تشريح الواقع الإبداعي المعاصر وتسليط الضوء على أبرز التحولات الفنية والجمالية التي تطرأ على الساحة الثقافية والأدبية الفلسطينية والعربية على حد سواء.
استضافت قاعات مؤسسة الرئيس فلاديمير بوتين للثقافة والاقتصاد بمدينة بيت لحم أعمال هذه الندوة الفكرية المعمقة، والتي شهدت حضوراً لافتاً ونوعياً ومميزاً من الأكاديميين والباحثين المتخصصين، ونخبة من الكتاب والروائيين والشعراء، إلى جانب حشد من المهتمين والمتابعين للشأن الأدبي والنقدي العام. وناقش المجتمعون على مدار جلسات الندوة أوراقاً بحثية ومداخلات نقدية ركزت في مجملها على جماليات السرد الروائي، والتحولات البنيوية والأسلوبية في المشهد الأدبي الراهن، مبرزين البعد الإنساني والجمالي والوجداني المعمق الذي ينطوي عليه الخطاب الروائي الفلسطيني والعربي في مواجهة التحديات الراهنة.
استهلت الندوة بكلمة افتتاحية قدمها الأستاذ عباس مجاهد، مدير عام النشر والمكتبات في وزارة الثقافة، حيث أفاض في الحديث عن جماليات التشكيل السردي في الأدب والإنتاج الفكري الذي واكب وتناول النكبة الفلسطينية منذ عام ثمانية وأربعين وحتى يومنا هذا. وبيّن مجاهد خلال عرضه الهام أن السردية الفلسطينية لم تكن يوماً مجرد توثيق أدبي عابر، بل تحولت بمرور العقود إلى مشروع وطني وفكري وثقافي وحضاري متكامل، يستهدف بالدرجة الأولى حفظ الذاكرة الحية ومقاومة كل محاولات المحو والتبديد والنسيان والتغييب الممنهج، مستعرضاً كيف تناول هذا السرد قضايا التهجير القسري، والاقتلاع من الجذور، واللجوء المرير، وتفاصيل حياة المخيم، وصون الهوية الوطنية، وقيم المقاومة، والدور الطليعي للمرأة الفلسطينية، علاوة على معالجة “المكان” ليس كخلفية جامدة للأحداث بل باعتباره بطلاً سردياً حياً يتنفس ويتفاعل مع الشخوص.
أشار مدير عام النشر والمكتبات في السياق ذاته إلى الدور التكاملي الذي لعبته الأجناس الأدبية المتعددة؛ مستعرضاً كيف أسهمت الرواية والقصة القصيرة والسيرة الذاتية وأدب الشهادات الحية، بالإضافة إلى السرد الشفوي المتوارث، في توثيق التجربة الإنسانية والسياسية المعقدة للإنسان الفلسطيني ونقلها بأمانة وموضوعية للأجيال المتعاقبة. وشدد على أن هذه الروافد الفنية المتنوعة استطاعت صياغة أرشيف وجداني غير قابل للاختراق، مما جعل الأدب أحد أهم خطوط الدفاع الثقافية التي تؤكد الحق التاريخي والوجودي للشعب الفلسطيني على أرضه، وتفضح في الوقت ذاته زيف الروايات النقيضة في المحافل الدولية.
أوضح مجاهد في معرض تحليله الفني أن أدب النكبة اتسم بجملة من المقومات الفنية الرصينة والخصائص الأسلوبية المبتكرة، والتي أفرزت تياراً نقدياً موازياً؛ وكان من أبرز هذه المقومات المزج الخلاق بين الواقعية الفجة والرمزية الشفيفة، والاعتماد على تقنيات الاسترجاع الزمني “الفلاش باك”، وتعدد الأصوات السردية “البوليفونية” داخل النص الواحد، إلى جانب توظيف اللغة الشاعرية المكثفة والبعد التوثيقي الصارم. واستطرد مبيناً كيف وظف المبدعون الرموز الوطنية الكبرى وشحنوها بدلالات فنية عميقة، مثل “المفتاح” الذي يرمز للعودة الحتمية، و”شجرة الزيتون” الدالة على التجذر، و”البحر” كأفق للحرية، و”البرتقال” كشاهد على الفردوس المفقود، و”المخيم” كمحطة مؤقتة للجوء والثورة.
استعرضت الكلمة كذلك نتاجات وتجارب عدد من أبرز القامات والأعلام الذين أسسوا وقادوا أدب النكبة وحملوا لواءه عالمياً، وفى مقدمتهم الأديب الشهيد غسان كنفاني، والروائي الساخر إميل حبيبي، والمفكر جبرا إبراهيم جبرا، والكاتبة القديرة سحر خليفة، والأديبة المصرية الراحلة رضوى عاشور، والروائي الشاعر إبراهيم نصر الله. وشرح مجاهد بكثير من التحليل النقدي كيف استطاع هؤلاء الرواد من خلال نصوصهم الخالدة تحويل المعاناة الفلسطينية اليومية واللجوء والمأساة الإنسانية إلى خطاب كوني وإنساني عالمي بامتياز، يزاوج بعبقرية نادرة بين الحقيقة التاريخية الصلبة، والجمال الفني الباذخ، والبعد الوطني الملتزم بقضايا التحرر والعدالة الإنسانية.
قدمت الأديبة والباحثة سناء عطاري ورقة عمل نقدية معمقة ركزت خلالها على تفكيك تقنيات السرد الحديثة وآليات اشتغالها في النص المعاصر، متطرقة بشرح وافٍ إلى مفاهيم التبئير السردي بوصفه أداة لتضييق حقل الرؤية وحصر مجال المعرفة والمعلومات داخل بنية القصة لإثارة تشويق القارئ. وعرجت عطاري على دراسة ظاهرة تعدد الأصوات والرمزية والبنيوية، مفسرة ثنائية الدال والمدلول وتطبيقاتها اللغوية؛ كما ناقشت بإسهاب أفكار الفيلسوف والناقد البنيوي الفرنسي رولان بارت حول آليات إنتاج المعنى ولذة النص وموت المؤلف، بالتوازي مع استعراض أطروحات المفكر الروسي ميخائيل باختين حول “الحوارية” وانفتاح النص على قراءات متعددة، مختتمةً ورقتها بالحديث عن جماليات الوصف السردي والبعد البصري المشهدى وشعرية المكان ودوره كشخصية فاعلة ومؤثرة في مجريات الأحداث الروائية.
أكد الأديب والناقد عطا الشاعر في مداخلته النقديّة التي ركزت على طبيعة الأصوات السردية وبناء المشهد الفني المتكامل، أن السرد الإبداعي يمثل بحق العمود الفقري والركيزة الأساسية لأي نص أدبي متميز ونوعي. ولفت الشاعر إلى أن الأدب الحي والمتجدد والقابل للبقاء في ذاكرة التاريخ هو ذلك الأدب الذي يقوم بالأساس على القدرة الفائقة على الحكي والقص، وصناعة التفاصيل الإنسانية الدقيقة والمدهشة، والتحكم الواعي في الزمن السردي وتوجيهه، ليكون قادراً على جذب القارئ العادي والمتخصص على حد سواء، وإشراكه وجدانياً ونفسياً وعقلياً في عوالم النص وتناقضاته وهواجسه وشخوصه.
تناول الكاتب والباحث نضال الحايك في مساهمته الفكرية تحولات “المكان” في المتخيل السردي العربي والفلسطيني، معتبراً إياه فضاءً فسيحاً للتأمل الفلسفي وأداة طيعة للكشف عن التحولات النفسية والاجتماعية العميقة التي تعتري الإنسان في أوقات الأزمات والمنعطفات التاريخية. وتحدث الحايك بأسلوب أدبي رفيع عن جدلية الذاكرة والمرافئ البعيدة، وأرصفة الغربة، والمتاحف التي توثق الفقد، مستعرضاً مناحي الجمال السردي الكامنة في اللغة، ومزايا السرد البصري والحكائي والتأملي، وما يحمله هذا المزيج من صدق فني وخيال خصب قادر على إعادة صياغة الواقع المعيش وتقديمه للمتلقي برؤية إبداعية مغايرة تلامس شغاف النفس وتثري الوعي.
شدد الكاتب والمفكر وليد الشوملي في مداخلته الاستشرافية على المسؤولية الأخلاقية والوطنية والتاريخية الجسيمة التي تقع على عاتق الروائي والمثقف الفلسطيني في الوقت الراهن، والمتمثلة في ضرورة نقل الرواية والقصة الوطنية من دائرتها المحلية والإقليمية إلى المشهد والمستقر الثقافي العالمي. ودعا الشوملي بقوة إلى تضافر الجهود الرسمية والأهلية، مؤكداً على الأهمية البالغة لدور المؤسسات الحكومية، وفي مقدمتها وزارات الثقافة، والتربية والتعليم، والتعليم العالي، في دعم وإسناد الرواية الفلسطينية، وترجمتها إلى اللغات الحية، وتوسيع حضورها المعرفي والأكاديمي في الجامعات والمحافل الدولية للدفاع عن الرواية التاريخية للأرض والإنسان.
أوصى المشاركون والباحثون في ختام وتوصيات هذه الندوة العلمية بضرورة استمرار وتكثيف هذا الحراك الثقافي والنقدي الفاعل في كافة المحافظات، لما له من أثر في رفد المشهد الإبداعي برؤى معاصرة. وخلص المجتمعون إلى أهمية تعزيز الحضور الدائم للسردية الفلسطينية باعتبارها أداة مركزية لحماية الوعي الجمعي من التشويه، وصون الرواية الوطنية الفلسطينية من محاولات الطمس، وإبراز البعد الإنساني والأخلاقي والقانوني العادل للقضية الفلسطينية في الفضاء الثقافي والإعلامي العالمي كرسالة حرية وسلام وعدالة.
1 أفكار حول “«تقنيات السرد وجماليات المشهد».. محاولة لتشريح الواقع الإبداعي الفلسطيني”