السبت، 7 نوفمبر 2026
منصة الثقافة والتراث العربي | مبادرة أبناء مصر للتنمية الثقافية وحفظ التراث
أحدث النوافذ
الرئيسية > دراسات ومقالات

د. سامي حامد يكتب: متى تقول لا؟

أدباتية – د. سامي علي حامد: متى تقول لا؟ .. حين تكون كلمة «لا» هي آخر حصون الإنسان أمام السقوط.

ليست الشجاعة دائمًا في أن تتقدم، ولا الحكمة دائمًا في أن توافق، فهناك لحظات يكون فيها أعظم ما تملكه من قوة أن تقول: لا.

قل لا لكل شرٍّ مهما صغر، فبعض الشرور تبدأ بخطوة تبدو عابرة، ثم تتحول إلى طريق يصعب الرجوع منه. لا تستهِن بخطأ صغير، ولا تبرر انحرافًا بحجة أن الجميع يفعله؛ فالقيم لا تتغير بتغير أعداد المخالفين.

قل لا لكل فكر متدنٍّ يحاول أن يسلبك احترامك لنفسك، أو يزيّن لك الانحراف، أو يجعل من الرذيلة وجهًا آخر للحرية. فليس كل فكر يستحق أن يسكن عقلك، وليس كل رأي يستحق أن تتبناه. احمِ عقلك كما تحمي قلبك، فالأفكار أيضًا قد تكون أبوابًا للنجاة أو نوافذ للسقوط.

قل لا لكل شيطان خاطف، يتسلل إليك في صورة صديق، أو نصيحة، أو رغبة عابرة، أو فرصة مغرية. ذلك الذي لا يطلب منك أن تفقد نفسك دفعة واحدة، بل يدعوك إلى التنازل عن جزء صغير من مبادئك كل مرة، حتى تستيقظ يومًا فلا تعرف أين تركت نفسك، ولا كيف ابتعدت عن حقيقتك.

قل لا لكل طريق يبتعد بك عن الحق، مهما كان قصيرًا، ومهما بدا ممهدًا بالمكاسب. فليست كل الطرق التي تؤدي إلى الوصول جديرة بالسير فيها، وليس كل نجاح يستحق الاحتفال. هناك مكاسب ثمنها الضمير، ومناصب ثمنها الكرامة، وانتصارات لا تترك في النفس إلا مرارة الخسارة.

وقل لا لكل طالب علم سلك طريق الهوى، فصار يبحث عن الحقيقة التي توافق رغباته، لا عن الحقيقة التي تكشف له أخطاءه. فالعلم أمانة، والبحث عن الحقيقة شجاعة، والمعرفة التي تخضع للمصلحة تفقد رسالتها. وما قيمة عقل واسع المعرفة إذا كان ضيقًا أمام الحق؟ وما قيمة شهادة عالية إذا انحنت أمام الهوى؟

وقل لا لكل محبط يحاول أن يطفئ نورك، ولكل من يسخر من حلمك، أو يقلل من جهدك، أو يقنعك بأنك لن تستطيع. لا تجعل عجز الآخرين مقياسًا لقدراتك، ولا تسمح لنظرتهم المحدودة أن ترسم حدود مستقبلك. فبعض الكلمات لا تهدف إلى نصحك، وإنما إلى إبقائك في المكان الذي اعتادوا أن يروك فيه.

قل لا حين تصبح المجاملة خيانة للمبدأ، وحين يتحول الصمت إلى مشاركة في الخطأ، وحين يطلب منك الآخرون أن تتنازل عن الحق حتى لا تختلف معهم. فالإنسان لا يُقاس بعدد من يرضون عنه، بل بقدرته على الاحتفاظ بضميره حين تتعارض الحقيقة مع رغبات الآخرين.

ولكن تذكّر أن كلمة «لا» ليست دعوة إلى القسوة، ولا مبررًا للغرور، ولا رفضًا لكل اختلاف. إنها موقف من الخطأ، لا عداء للإنسان؛ وثبات على المبادئ، لا تعصب للرأي. فمن الحكمة أن تراجع نفسك، ومن القوة أن تعترف بخطئك، ومن النبل أن تقبل الحق حتى لو جاءك ممن تختلف معه.

متى تقول لا؟

تقولها عندما يكون القبول سقوطًا، وعندما تكون المجاملة على حساب الحقيقة، وعندما يكون الطريق مغريًا لكنه بعيد عن ضميرك، وعندما تشعر أن استمرارك في أمر ما سيجعلك تخسر نفسك.

قل لا للشر، ولا للانحطاط، ولا للهوى، ولا لكل يد تمتد لتسحبك بعيدًا عن قيمك. ولا تسمح لأحد أن يقنعك بأن التنازل عن مبادئك هو ثمن النجاح أو طريق القبول بين الناس.

فالحياة لا تحتاج إلى إنسان يقول نعم لكل شيء، بل تحتاج إلى إنسان يعرف متى يوافق، ومتى يرفض، ومتى يقف ثابتًا مهما اشتدت حوله الرياح.

أحيانًا لا تكون كلمة «لا» رفضًا لشيء خارجك، بل إنقاذًا لشيء عظيم بداخلك.

فقلها حين يجب أن تُقال؛ لأن بعض كلمات الرفض لا تغلق الأبواب، بل تفتح للإنسان طريق النجاة.