أدباتية – د. طه هنداوي: إذا كان الأدباتي في التراث الشعبي هو ذلك الحكّاء الذي يقف أمام الناس، فيلتقط من حياتهم موضوعًا، ثم يعيد صياغته في حكاية ساخرة أو ناقدة أو تعليمية، فإن شعر سعد الشرقاوي يقدم نموذجًا معاصرًا يمكن أن نقرأه من خلال هذا المفهوم.
فالشاعر هنا لا يكتب القصيدة باعتبارها نصًا مغلقًا موجهًا إلى قارئ يجلس منفردًا أمام كتاب، وإنما يكتبها وكأنها موقف أدائي ينتظر جمهورًا يسمعه ويتفاعل معه، إننا أمام شاعر يمكن أن يقول عن نفسه: «أنا الأديب الأدباتي». وهذه العبارة ليست مجرد تعريف بالذات، وإنما تبدو كأنها إعلان عن هوية فنية؛ فهو يضع نفسه في موقع الأدباتي الذي يحكي للناس، ويعلق على حياتهم، ويضحك معهم، ويعاتبهم، وينبههم، ثم يترك لهم مساحة المشاركة والتعليق، ولعل من أجمل النماذج على شخصية الأدباتي في شعر سعد الشرقاوي، قوله:
«أنا الأديب الأدباتي اتنين في واحد أنا ومراتي وأسرتي هيّا حياتي»
هنا يعود الشاعر إلى نفسه، لكنه لا يقدم نفسه باعتباره شاعرًا بعيدًا عن الناس، بل يقدم نفسه بوصفه رجلًا من الناس.
وهذه سمة أساسية في الأدباتي.
فالحكّاء الشعبي لا يقف فوق جمهوره، وإنما يقف بينهم، يضحك من نفسه كما يضحك من الآخرين، وهذا يجعل رسالته أكثر قبولًا.
تاسعًا: «الرشوة» نموذج الأدباتي الاجتماعي
في قصيدة «الرشوة» يبدأ الشاعر بطريقة تكشف طبيعة الأسلوب منذ اللحظة الأولى:
«يا لهوي على سلبياتنا والرشوة دخلت في حياتنا وساهمنا طبعًا بسكاتنا ودفعنا للكذاب أجرة»
لاحظ استخدام ضمير الجماعة:
«سلبياتنا» – «حياتنا» – «ساهمنا» – «دفعنا»، فالأدباتي لا يقف خارج المشكلة ويقول:«أنتم سيئون»، بل يقول: نحن جميعًا جزء من المشكلة، وهذه نقطة مهمة جدًا في البنية الأخلاقية لهذا الشعر، إنه لا يصنع واعظًا مثاليًا مقابل مجتمع مذنب، وإنما يضع نفسه داخل المجتمع.
عاشرًا: من نقد المرتشي إلى نقد المجتمع فيقول:
«مصالحنا ليه مش مقضية من غير ما ندفع نقدية رفعنا قدر الحرامية والنصابين صبحوا كثرة»
هنا ينتقل النقد من الشخص إلى المنظومة الاجتماعية.
فالظاهرة لا تستمر لأن هناك شخصًا يقبل الرشوة فقط، وإنما لأن هناك شخصًا يدفعها، وشخصًا يسكت عنها، وشخصًا يستفيد منها.
وهذه رؤية تتجاوز النكتة إلى نقد اجتماعي مباشر.
الحادي عشر: الأدباتي والضمير
ثم يأتي التحول الأخلاقي:
«طب يجري إيه لما ضميرنا يحكم علينا وعلى غيرنا والعدل يبقى خطوط سيرنا ونسيبها على رب القدرة»
وهنا نرى البناء التقليدي للقصيدة الأدباتية: عرض المشكلة → السخرية منها → كشف مسؤولية المجتمع → تقديم القيمة البديلة.
والقيمة البديلة هنا هي: الضمير والعدل.
الثاني عشر: «شهادة الزور» وتحديث وظيفة الأدباتي
قصيدة «شهادة الزور» تكشف جانبًا معاصرًا جدًا من هذا الفن، حيث يبدأ الشاعر قائلا:
«في كل جمعة نقول موضوع سلبية تقعد بالأسبوع في تعليقاتنا كلام مسموع كل اللي زارنا ياخد عبرة»
وهنا يبدو واضحًا أن الأدباتي قد انتقل من المقهى والساحة إلى الفضاء الرقمي.
فعبارة: «في تعليقاتنا كلام مسموع، تفتح بابًا لقراءة جديدة، لم يعد جمهور الأدباتي بالضرورة جمهورًا يجلس أمامه في مكان واحد.
لقد أصبح الجمهور موجودًا أيضًا في مواقع التواصل، وهكذا يمكن النظر إلى شعر سعد الشرقاوي باعتباره محاولة لنقل روح الأدباتي الشعبي إلى وسائل الاتصال الحديثة.
الثالث عشر: الأدباتي يعلن موضوع الحلقة
ثم يقول:
«من النهارده يكون الدور على الأديب لو ماضي حضور ح نقول كلام في شهادة الزور وحكمها في يوم الآخرة»
وهنا نجد بناءً يشبه ما يفعله مقدم مجلس شعبي أو حكّاء:
اليوم لدينا موضوع جديد.
وهذه الصيغة تجعل القصيدة جزءًا من سلسلة، وليس نصًا منفردًا، وهذا مهم جدًا لفهم تجربة سعد الشرقاوي؛ فهو لا يقدم نفسه فقط شاعرًا يكتب قصائد منفصلة، بل يبدو كأنه أدباتي معاصر له مجلس دائم مع جمهوره.
الرابع عشر: «ودا رأيي ومجرد فكرة» حيث تأتي العبارة:
«ودا رأيي ومجرد فكرة»
وهذه العبارة الصغيرة لها قيمة كبيرة؛ فالأدباتي الشعبي كثيرًا ما يترك لنفسه مخرجًا من سلطة الواعظ أو صاحب الحقيقة المطلقة.
إنه يقول: أنا أحكي، وأنت فكر.
وهذه العلاقة أكثر مرونة من الخطاب المباشر.
الخامس عشر: اللزمة ودورها في فن سعد الشرقاوي
تتكرر في النصوص اللازمة:
«الله الله يا بدوي جاب اليسرا»
وتبدو هذه اللازمة عنصرًا أساسيًا في البناء الأدائي؛ فلها وظائف متعددة:
تثبيت الإيقاع.
الفصل بين المقاطع.
إشراك الجمهور.
إعطاء النص طابعًا شعبيًا.
خلق علامة مميزة للأدباتي.
إتاحة لحظة تنفس للراوي بين المقاطع.
وبذلك تصبح اللازمة أشبه بما يمكن تسميته توقيع الأدباتي الصوتي.
السادس عشر: لغة سعد الشرقاوي
لغة هذه النصوص ليست لغة شعرية نخبوية، إنها لغة الحياة اليومية:
«ها أوريكم»
«ها جيب»
«ليه»«مش»«بكرة»«يا لهوي»«الحرامية»«النصابين» وغيرها.
وهذه اللغة ليست ضعفًا في الشعر، إذا كنا نقرأ النص داخل جنسه الفني، فالأدباتي يحتاج إلى لغة تُسمع قبل أن تُقرأ، واللغة المسموعة تختلف عن اللغة التي تُكتب للقراءة الصامتة، ولهذا فإن بعض التراكيب التي قد تبدو بسيطة على الورق قد تكتسب قوتها الحقيقية عندما يقولها الشاعر بصوته أمام الجمهور.