أدباتية – د. طه هنداوي: إذا قرأنا نصوص سعد الشرقاوي باعتبارها شعرًا مكتوبًا فقط، فسوف نفقد جانبًا مهمًا منها، الأفضل أن نتخيلها وهي تُؤدى.
الأدباتي يقف. ينادي الجمهور. يبدأ الحكاية. يغير نبرته. يقول جملة. يسكت لحظة. يترك الجمهور يضحك. ثم يعود إلى اللازمة. ثم يبدأ مقطعًا جديدًا.
بهذا المعنى، فإن النص يتحول إلى مسرح شعبي مصغر.
لا يحتاج إلى ديكور، ولا يحتاج إلى ممثلين متعددين؛ فالأدباتي يستطيع أن يكون: الراوي، والشخصية، والناقد، والساخر، والواعظ، والشاعر،
في الوقت نفسه.
الثامن عشر: سعد الشرقاوي بوصفه «أدباتيًا معاصرًا»
من خلال هذه النماذج يمكن اقتراح قراءة خاصة لتجربة سعد الشرقاوي:
هو شاعر يستخدم أدوات الأدباتي الشعبي، لكنه يوجهها إلى قضايا الإنسان المعاصر، فالموضوعات تغيرت، زمانًا كانت الحكاية تدور حول فارس أو بطل أو سلطان أو عاشق، أما هنا فالبطل قد يكون:
مرشحًا انتخابيًا، أو موظفًا، أو مرتشيًا، أو شاهد زور، أو مواطنًا يستخدم وسائل التواصل، لكن الآلية الفنية بقيت قريبة من روح الأدباتي:
من أبرز ما يميز هذا النوع من الكتابة أن الشاعر لا يواجه المشكلات الاجتماعية بالخطابة الثقيلة، إنه يضحك منها، والضحك هنا ليس هروبًا من المشكلة، بل يمكن أن يكون طريقة لكشفها؛ فالإنسان قد يرفض أن يسمع محاضرة عن فساد الانتخابات، لكنه قد يضحك من مرشح يقول:
«وحسابي مفتوح في سويسرا»
ثم يكتشف أنه ضحك لأنه تعرف على شيء موجود في الواقع، وهذه هي قوة الأدباتي في أن يجعل المتلقي يضحك من الحقيقة قبل أن يواجهها.
العشرون: من الأدباتي القديم إلى «الأدباتي الرقمي»
إذا أردنا تطوير مفهوم فن الأدباتي اليوم، فإن تجربة سعد الشرقاوي تفتح أمامنا بابًا مهمًا، فالأدباتي لم يعد مضطرًا إلى الوقوف في سوق أو مقهى.
يمكن أن تكون «العزبة» الآن جمهورًا رقميًا، ويمكن أن يكون «المجلس» صفحة أو مجموعة، ويمكن أن تكون اللازمة علامة صوتية يعرفها المتابع، ويمكن أن تتحول القصيدة إلى فيديو قصير، وبذلك يصبح السؤال ليس: هل انتهى الأدباتي؟ بل: هل تغير مكان الأدباتي فقط؟
والإجابة التي تقترحها هذه النصوص هي أن روح الأدباتي يمكن أن تبقى حية ما دام هناك شاعر يعرف كيف يحول مشكلات الناس إلى حكاية تُسمع وتُضحك وتفكر.
خاتمة
تكشف أشعار سعد الشرقاوي التي بين أيدينا عن تجربة تستحق أن تُقرأ من زاوية فن الأدباتي.
فالشاعر لا يكتفي بكتابة أبيات موزونة أو مقفاة، وإنما يبني خطابًا شفهيًا يقوم على الحكاية والموقف والشخصية والسخرية والتفاعل واللازمة.
وفي «من أجلكم رشحت نفسي» يصبح الأدباتي سياسيًا ساخرًا، وفي «حق المرأة» يصبح واعظًا اجتماعيًا، وفي «الرشوة» يصبح ناقدًا للضمير الجمعي، وفي «شهادة الزور» يصبح صاحب مجلس أسبوعي يفتح موضوعًا جديدًا مع جمهوره، وهكذا تتعدد الوجوه، بينما تبقى الشخصية الأساسية واحدة:
الأدباتي.
ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن سعد الشرقاوي لا يقول لجمهوره: أنا الشاعر وأنتم المستمعون»، بل يقول، بصورة أو بأخرى:
أنا واحد منكم، وهذه حكايتنا جميعًا، وهنا تحديدًا تكمن روح الأدباتي، فالأدباتي الحقيقي لا يعيش على الورق؛ إنه يعيش عندما تُقال الحكاية، ويضحك الناس، ثم يصمتون لحظة لأنهم اكتشفوا أن الحكاية عنهم.