25 سبتمبر، 2026

د. محمود رزق حامد يكتب: شعرية الهزيمة ومقاومة الانكسار في ديوان «فرسان الهزايم» للسعيد قنديل

0
د. محمود رزق حامد - السعيد قنديل - أدباتية

أدباتية: الشعر العامي في مصر شعر فصيح وإن خلا من الإعراب، (وذلك لأن عامية شعرائنا – إن لم تكن عاميتنا المصرية كلها- هي ابنة شرعية للغتنا العربية الفصحى، لا تصل الاختلافات بينهما في الأصوات وبناء الجملة إلى حد التناقض)([1])، كما يبدو الشعر العامي المصري في كثير من تجاربه المهمة، أكثر قدرة على ملامسة اليومي والمهمَّش والإنساني، لأنه يتكئ على لغة الحياة في صورتها المتحركة، ويستمد إيقاعه من نبض الجماعة وذاكرتها الشعبية، غير أن القيمة الشعرية لا تنشأ من مجرد استخدام العامية؛ وإنما من قدرة الشاعر على تحويل اللغة المألوفة إلى بناء فني قادر على إنتاج الدلالة والإيحاء.

و(ما أحوج شعرنا المعاصر إلى الانعتاق قليلاً من توثين النظريات والمناهج، والعكوف على الشعر في ذاته، واستقراء جمالياته، والوقوف على أشكاله اللغوية والمعرفية من خلال أبنيته الداخلية وصوره ومجازاته ورؤاه، فذلك أجدى على الواقع الثقافي العربي من كثير من النظريات التي تُفرض على الشعر فرضا من خارجه، وفي الحقيقة لن نفيد من النظريات النقدية المجردة إلا حال التحامها بجسد الإبداع ودنيوية مجازاته)([2])

ومن هذا المنظور يأتي ديوان «فرسان الهزايم» للشاعر السعيد قنديل بوصفه تجربة تتجاوز البوح الفردي إلى تشكيل رؤية واسعة للإنسان والوطن والتاريخ والهزيمة.

فالعنوان نفسه يقوم على مفارقة لافتة: “فرسان” بما تحمله من معاني البطولة والإقدام، و”الهزايم” بما تحمله من الانكسار والسقوط، ومن ثم فإن الديوان منذ عتبته الأولى يضعنا أمام سؤال جوهري: كيف يكون الإنسان فارسًا في زمن الهزيمة؟!

وهذا السؤال لا يظل خارج النص، وإنما يتوزع داخل قصائد الديوان في صور الوطن الجريح، والشهيد، والثورة المنحرفة عن مسارها، والنيل الحزين، والنخلة المنكسرة، والإنسان الذي يبحث عن معنى وجوده؛ ولذلك لا يمكن اختزال الديوان في كونه شعرًا سياسيًا أو وطنيًا فحسب؛ فهو في جوهره ديوان الإنسان المقهور الذي يحاول أن يستعيد ذاته وذاكرته وحقه في الحلم.

أولًا: عتبات الديوان ودلالة العنوان

1 ـ العنوان: (فرسان الهزايم) العنوان تركيب إضافي شديد الكثافة:  “فرسان الهزايم”

فـ “الفرسان” يحيلون إلى القوة والشجاعة والفعل، بينما تحيل “الهزايم” إلى النتيجة المناقضة تمامًا لفعل الفروسية، وهنا تتولد المفارقة المركزية التي يمكن أن نقرأ الديوان كله في ضوئها.

إن الفارس في الديوان ليس بالضرورة المنتصر في المعركة؛ قد يكون هو الذي خسر المعركة لكنه ظل محتفظًا بقدرته على الحلم والرفض والاحتجاج، ولهذا يتكرر في الديوان حضور الفارس والحصان والخيل والنخلة والنهر والثورة والشهيد؛ وهي كلها رموز تتصل بفكرة المقاومة، وقد آثر القول الشعري قالبَ السرد والحكي، وهو الطريق المألوف المحبوب للإنسان منذ طفولته حتى شيخوخته، ولدى الشعوب بأسرها منذ بدايتها الأولى حتى أوج تحضرها، حيث سحر الحكاية والتخييل وبهجة السرد وفتنته.

وتبلغ المفارقة ذروتها حين يقول الشاعر:

وبقينا خيــــــــول من حــــلوى

وخشب و حجارة و طـين

يا زمن وحـــــياة والـــــــــــديك

رايحـــــــــــــــــــــــين على فين([3]) ؟

فالخيول هنا فقدت طبيعتها الحية؛ أصبحت مجرد تماثيل أو كائنات عاجزة. إنها صورة مكثفة لتحول البطولة إلى مظهر بلا فعل، وإلى جسد بلا روح، وهكذا يصبح العنوان مفتاحًا تأويليًا للديوان كله.

2 ـ الإهداء بوصفه مفتاحًا تأويليًا

يضع الشاعر تحت عتبة الديوان إهداءً بالغ الدلالة:   (إلى البلاد التي ضيَّعت ساكنيها)([4])

إن الإهداء لا يتجه إلى فرد أو جماعة محددة، وإنما إلى البلاد؛ لكنه لا يقدمها في صورة الوطن الحامي، بل في صورة الوطن الذي كان سبباً في الضياع “ضيّع ساكنيه”، ومن هنا تنشأ علاقة ملتبسة بين الشاعر والوطن:

حب ← عتاب ← ألم ← غضب ← تمسك.

فالشاعر هنا لا يرفض الوطن؛ وإنما يرفض الحالة التي آل إليها الوطن، وهذه نقطة مهمة في قراءة الديوان؛ إذ إن خطاب الشاعر للوطن ليس خطابًا خارجيًا، بل خطاب عتاب مر، خطاب ابنٍ موجوع إلى أمّه.

المبحث الأول : الذات الشاعرة بين الانكسار والمقاومة

تقوم التجربة الشعرية في الديوان على ذات مركزية تتكلم كثيرًا بضمير المتكلم (أنا)، غير أن (الأنا) هنا ليست ذاتًا فردية منعزلة؛ إنها أنا تمثيلية تحمل هموم جماعة كاملة، ففي قصيدة “هز الشجر” يقول السعيد قنديل:

أنا غبت زي مـــا غاب غـــيري

وفـــت جراحـــــــــي ع الأعـــتاب

ورفعت راية العفـــــــو عن ذنبي

ورسمت قلبي في راية الأحباب

عدَّى الزمن على جثتي وسابني

وكأني جيفة في جنَّة الأغراب([5])

من البداية إذن نجد ذاتًا غائبة، ذاتاً مجروحة، لكنها لم تتخلَّ عن الحب، واللافت أن الشاعر لا يقدم ذاته بوصفها بطلًا منتصرًا، وإنما بوصفها ذاتًا مجروحة تحاول البقاء، ويقول:

هز الشجر … ما تخافش على قلبي … دا أنا قلبي طير .. وبقى له ريش وجناح

كان نفسي يبقـــى العمــــر في جنبي … لكــــن الأمـــــاني بتهـــزم المـــــــلاح

وهنا تتحول الهزيمة إلى إمكانية للتحليق.

إن قلب (الطير) ليس قلبًا ضعيفًا بالضرورة -وإن كان-، لأن الريش والجناح يمنحانه قدرة على تجاوز الواقع، ولذلك ربما كان من أجمل مفارقات الديوان أن الشاعر كلما اقترب من الانكسار استدعى صورة من صور الحركة:

الريش  * الجناح  * الطيور  * الخيل  * الريح  * النهر وكأن الحركة الطبيعية تعوضه عن جمود الواقع الإنساني.

1 ـ الهزيمة بوصفها حالة وجودية

الهزيمة ليست في الديوان حدثًا سياسيًا محددًا فقط، وإنما تتحول إلى حالة من الوجود العام.

يقول السعيد قنديل: 

 طول عمري عايش في البراري وحيد

زي الأماني الهيش مجنني ..

والــوش طــالـــــــــع مــــن ورا التجـــــاعــــــيد

كل الطيور بتحط وتغني..

وأنا دمع عيني يصب في المواعــــــــــــيد ([6])

وتتكرر مفردات: الوحدة – التجاعيد – الجراح – الخوف – الغياب – الدم – القهر – التوهة، وهي مفردات تشكل في مجملها معجمًا للهزيمة، لكن الديوان (الشاعر) لا يستسلم لهذه الهزيمة، وإنما يحاول تحويلها إلى فعل شعري، وهنا تكمن أهمية الشعر ذاته؛ فالشاعر يهزم الهزيمة بالكلام.

المبحث الثاني: الوطن- من الحبيبة إلى الجرح

الوطن هو البؤرة الدلالية الكبرى في الديوان لذا يظهر في صور متعددة منها:

* مصر  *  القاهرة  * النيل  * النخلة  * الأرض  * الحقول  * الشهيد  * الثورة  * الأم  * القرية

وهذه العناصر ليست منفصلة بالضرورة هنا، وإنما تشكل في مجملها شبكة رمزية واحدة .

1 ـ “هنا القاهرة”: الوطن الجريح

في قصيدة “هنا القاهرة” يتكرر النداء من الشاعر:

هنا القــاهــــــــــــــــــــــــرة …

والبيــوت دمـــــــروها …

وقتلوا الولاد و النساء و الشيوخ ([7])

إن تكرار: “هنا القاهرة” يؤدي وظيفة مزدوجة وهي: التوكيد و الاستغاثة، كأن الشاعر يصر على إثبات حضور القاهرة رغم القتل والدمار.

وتستمر الصورة:    هنا القاهرة …

والوشوش الحزينة … بدت في المدينة.. وعليها المذلة .. ووشم الرضوخ”([8])

هنا يتحول الوجه الإنساني إلى مساحة تحمل تاريخ الهزيمة.

وانظر إلى تعبير (وشم الرضوخ) تجده من أقوى الصور في هذا السياق؛ فالرضوخ لم يعد سلوكًا عابرًا، بل أصبح كأنه علامة محفورة على الجسد، كالوشم على عضد الفارس يعرف به.

2 ـ الوطن بوصفه ذاكرة

في قصيدة  “إلى النهر الوطن” نجد تحولًا واضحًا من الوطن السياسي إلى الوطن الوجداني، إذ يقول الشاعر:

لسَّـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاك وطــــــــــــــــــــــن …

رغم انهــــزام القلب في الزمن الفرات

لسَّاك وطن .. رغم انكسار النفس في النيل والرباط

لسَّاك وطن رغم الجراح المزمنة.. رغم اختلاف الأزمنة … رغم البلاهة والانحطاط([9])

وهذا المقطع يمثل إحدى أهم الرؤى الفكرية في الديوان: الوطن يبقى وطنًا رغم الهزيمة، وهنا ينفصل الوطن عن السلطة والواقع السياسي؛ إذ يصبح الوطن ذاكرة وهوية وانتماء.

المبحث الثالث: النيل والنخلة: الرمزان المركزيان

حين نلتقي لدى كثير من شعرائنا بعنوانات دواوينهم- ومن سيميائية العنوان- نجد النيل متصدرا عنوانات تلك الدواوين مثل: (لك العشق والنيل)لأحمد قرني، و(لا نيل إلا النيل) لحسن طلب، و(مواويل النيل المهاجر)لحسن فتح الباب، كذلك (إلى النهر الوطن) للسعيد قنديل….

وفي الحقيقة تؤدي الطبيعة في هذا الديوان وظيفة تتجاوز الوصف كثيراً، فالنيل ليس مجرد نهر وإنما رمز للجمال والكفاح والنماء والعطاء، والنخلة ليست مجرد شجرة وإنما رمز للشموخ وللحياة وللبقاء؛ إنهما يتحولان إلى شخصيتين شعريتين تشاركان الإنسان فرحه وحزنه، يقول حسن فتح الباب([10]) في قصيدة عنوانها (حديث النخلة إلى النهر):

قالت النخــــــــــــلة للنهــــــــــر ترفــــق

أنا لا أقوى على الشدو معك

أنت تجـــــــــــــــــري أبداً لا تستقر

لمَ لا تهـــــــــــــــدأ حتى أسمـــــــعك؟

1 ـ النيل- يقول السعيد قنديل:

يا نيل بلدنا يا نيل .. يا سيد المواويل .. يا اللي الجوارح بتحيا .. لما تضمك يا نيل([11])

لقد تحول النيل إلى: * أب   * وذاكرة   * وهوية   * ودم   * وصوت   * وموال

ويقول: يا نيل يا أبو النخل وارف .. ع الشط شاهد وعارف .. من فين لفين امتدادك

يا نيل في شرايين ولادك .. في الدم ساكن وعايش .. في القلب والروح يا نيل

وهنا تتجاوز الصورة حدود الاستعارة؛ فالنيل يصبح جزءًا من البنية الجسدية للإنسان، الوطن = النيل = الدم = القلب = الروح، وهذه معادلة مركزية في رؤية الشاعر.

2 ـ النخلة -إذا كان النيل رمزًا للامتداد والحياة والنماء والنمو؛ فإن النخلة تجمع بين: الشموخ والانكسار.

يقول الشاعر:

و النخــــل بيمشط الشعر الدهب بالســــــــــعف

و النهر ساكت .. و مين يفهم عذاب النهر؟([12])

فالطبيعة هنا صامتة، لكنها ليست بلا صوت، والشاعر يمنحها قدرة على الإحساس:

و السعف مال .. و لمس أنين الجذع([13])

إنه تشخيص واضح، ولكنه تشخيص وظيفي؛ إذ يجعل ألم الوطن محسوسًا في جسد الشجرة.

المبحث الرابع: الثورة والشهيد: من الحلم إلى الخيبة

من أهم المحاور في الديوان حضور الثورة، لكن الشاعر لا يقدمها باعتبارها انتصارًا مكتملًا، وإنما بوصفها تجربة مأزومة، ففي قصيدة (اتبسمي) يقول:

والثـــــــــــــــورة قـــامت ثورتين

والسكة صبحت سكتين

سكة شقا وعذاب وشوك علشان نعيش

والتانية سكة مــــــــــوت وتوهة ما تنتهيش([14])

هذا التكرار العددي: ثورتين / سكتين  – ليس مجرد لعب لفظي، وإنما يكشف انقسام التجربة الثورية نفسها.

فالثورة أصابها نوع من التشرزم والتشظي، الثورة هنا أصبحت: * حلمًا  * ثم طريقًا  * ثم طريقين  * ثم توهة.

والعبارة: (والخلق لسه هاموش وريش) تقدم الإنسان في صورة كائن هش، عاجز، لا يملك القدرة على تغيير الواقع.

1 ـ الثورة المسروقة   .. ثم يصل النقد المجتمعي إلى ذروته في مقطع:

المــــدعين قفزوا على الثورة

كانوا أمـــــارة وكلهـــم بررة

وأما استراحـــــــوا فوق كـــــراسيهم

ظهروا الحواة واتملعنوا السحرة([15])

فالصورة هنا مسرحية بامتياز، فالثورة تتحول إلى شجرة، والوصوليون إلى “حواة” يصعدون إليها ليحصلوا على الثمرة.

إنها استعارة سياسية ساخرة، لكنها في الوقت نفسه ذات قيمة فنية؛ لأنها تحول حدثًا سياسيًا مجردًا إلى مشهد شعبي قابل للرؤية.

2 ـ الشهيد  ..  أما الشهيد فيظهر بوصفه الضحية النقية التي لم تتلوث بالمساومات، يقول السعيد قنديل:

تحت العلـــــــم وارسم هـــنا صـــــــــــــــــــــورتي

واكتب على الصورة حــــروف النشيد

مـــــا تقولـــــشي عــــــــــــــــــــــنِّي إن أنا ميت

أكتب فقط ع الصورة يحيا الشهيد([16])

واللافت أن الشاعر يرفض أن تكون صورة الشهيد صورة ميت: “ما تقولشي عني إن أنا ميت” ويطلب: “اكتب … يحيا الشهيد” وهنا يتحول الموت إلى حياة رمزية، فالشهيد لا يموت في الذاكرة، وإنما يصبح علامة أخلاقية.

المبحث الخامس: “إلى النهر الوطن” و”إيزيس”: التاريخ بوصفه ذاكرة للمقاومة

هنا يستدعي الشاعر السعيد قنديل التاريخ والأسطورة والتراث لا بغرض الزينة الثقافية؛ وإنما لتشكيل حاضر الوطن.

ومن أبرز الرموز: إيزيس – بدر – حطين – فتح مكة – اليرموك – القدس – بغداد، ففي مقطع “إيزيس” يقول:

“إيزيس حصان الريح ومرمــــــاح الفـــــــتى

دبحم خيول الرمــــح في آخــــــــر مـــــــــــدى

لا كنت أنا العبسي ولا كنت داحس

أنا صاحب الدرب المعاكس

من شارك الأحـــــــــــلاف في قتل النوارس؟

من ساعد الأجلاف في دحر الفوارس؟ ([17])

ثم يوسع دائرة التناص:

إيزيس شراع النيل و مجداف الفرات

و غصون زيتون القدس والكوت والساحات([18])

هنا تتسع مصر لتتصل بالعراق وفلسطين، فإيزيس لم تعد مجرد شخصية أسطورية مصرية؛ إنها رمز حضاري جامع، واللافت أن الشاعر يستدعي أيضًا أسماء شعراء عراقيين:

وولادهـــــــــــــا بدر شــــاكر

ومظفر النواب …وجاســــــر

وسلالة السياب

والشاعرة الجد نازك وحكاية العناب([19])

وهذا التناص يكشف عن رؤية عربية عابرة للحدود السياسية (إن صح التعبير).

المبحث السادس: التصوف: البحث عن الخلاص

يظهر التصوف في الديوان بصورة لافتة، ولا سيما في استدعاء رموزه: الشيخ إبراهيم الدسوقي والشيخ طلحة التلمساني والدراويش

ففي قصيدة الشيخ إبراهيم الدسوقي يقول السعيد قنديل:

وفي التصوف دسوق واخدة القلوب والعين

فيها مقــــــــــــــام الدسـوقي القطب أبو العينين

له في الجهـــــــــــاد الحكاوي اللي تهـــــــــز الناس

وف الاجتهاد له فتاوى تهذب الإحساس ([20])

وفي قصيدة الشيخ طلحة التلمساني يقول:

التلمساني اللي أهدى لك يا بلدي الإسم

غــــــزل خيوط الصفا وصوَّر ورص الجســـــــم

إن التصوف هنا لا يبدو منفصلًا عن القضية الوطنية، فهو يمثل في البنية العامة للديوان البحث عن الطهارة والخلاص في عالم ملوث بالقهر والخيانة، وربما هذا يفسر أيضًا تكرار مفردات مثل: الروح – القلب – النور – الدعاء – المقام – الدراويش، فالخلاص الذي يعجز الواقع السياسي عن تحقيقه قد تبحث عنه الذات في فضاء الروح.

المبحث السابع: الأمة: من الهم الوطني إلى الهم العربي

تنتقل التجربة من مصر إلى المجال العربي في قصيدة (الأمة)، فيكرر الشاعر:

والأمة من جهلها صبحت ما هيش أمة

واتعودت ع الخــــرَس والكُــــره والغمـــــــــــة ([21])

وهذا التكرار يتحول إلى لازمة احتجاجية؛ لأن الشاعر لا يهاجم الأمة من الخارج، وإنما يتحدث من داخل جرحها، ويستدعي بغداد وغزة والفرات ودجلة:

بغداد تضيع كلها و تنسى مين بغداد([22])

ثم:   ولا همناش دمنا لمـــَّا غسـل غــــــــزة

دم الولاد الصـــغار ولحم ناسنا الكـــــبار

فوق التراب اللي صار محتاج لميت هزة

ومن هنا يتسع مفهوم «الهزيمة» من هزيمة مصرية إلى هزيمة عربية جماعية.

المبحث الثامن: “عنترية” : الوطن بوصفه محبوبًا معاتبًا

من أكثر النصوص دلالة في الديوان قصيدة “آخر نزيف للجوارح”، إذ يخاطب الشاعر الوطن كما لو كان امرأة فيقول:  يا عنترية الحب مش مِنَّة

عشـــــــــــنا السنين نزرع لك الحــــــنة([23])

وهذه التقنية تكشف عن تشخيص الوطن وتأنيثه، فالوطن محبوب، لكنه محبوب قاسٍ، يخون أبناءه، أو يعجز عن حمايتهم، ويقول:

حاولت أخضر فيكي شجر العدل

طلعت نياب للظلم تأذيني

الصورة هنا تقوم على مفارقة غريبة هي: شجر العدل ↔ أنياب الظلم، فما كان ينبغي أن ينمو بوصفه عدلًا، نما بوصفه افتراسًا، ثم يقول:

طلع الرصاص من غلتك جالنا

حنِّينا من دم الولاد حــــــــالنا

إن الوطن الذي يفترض أن يطعم أبناءه أصبح مصدر الرصاص الذي يقتلهم، وربما كانت هذه من أكثر المفارقات قسوة في الديوان.

المبحث التاسع: “الرحلة”: فلسفة العمر والوجود

في الصفحات الأخيرة، يقدم الشاعر نص “الرحلة”، وهو من أكثر النصوص تركيبًا من حيث البناء النفسي، إذ يفتتحه بسلسلة من الأسئلة:

اتهـــــــــــــــــــــديت؟

بعترت العمــــــــر على الأيام؟

خلصت الجري ورا الأحلام

و هديت؟!

إنها محاسبة للذات، فالرحلة هنا ليست رحلة مكانية، وإنما: رحلة العمر، ويستمر الحوار:

إيه رأيك فيها الآن؟    حــــــــــــــــلوة؟     وحــــــــــــــــــشة؟       كـــــــــــــــــدابة؟([24])

وهكذا يعود الشاعر إلى السؤال المركزي:  ماذا حقق الإنسان من حياته؟

ثم ينتقل من الخاص إلى العام، ومن سيرة الذات إلى نقد المجتمع، وتبلغ التجربة ذروتها في السؤال:

ما نجحتش ليـــه؟

شايف الدنيا؟!

أهي دي الدنيا

فالهزيمة هنا ليست سياسية فحسب، وإنما هزيمة اجتماعية ووجودية.

المبحث العاشر: الخائص الفنية لديوان (فرسان الهزايم)

  • اللغة الشعرية: العامية بوصفها طاقة جمالية

من أهم نقاط قوة الديوان أن الشاعر لا يتعامل مع العامية باعتبارها مجرد لغة سهلة، وإنما يوظف طاقتها الإيحائية والموسيقية ليخرج أفضل ما فيها ومن مظاهر ذلك:

  1. التكرار مثل: “هز الشجر” الذي يتكرر بوصفه لازمة، وكذلك: “هنا القاهرة” و:”الأمة من جهلها صبحت ماهيش أمة” و:”فاتبسمي ولا تحزنيش”.

والتكرار هنا لا يؤدي وظيفة موسيقية فقط، وإنما يصبح أداة بناء دلالي.

  1. السؤال : السؤال من أكثر الأساليب حضورًا في هذا الديوان مثل :

“و مين يفهم عذاب النهر؟”

و:”ليه طعن الرجال في الضهر؟”

والسؤال عند قنديل ليس سؤالاً طلبًا للإجابة، بل هو اتهام مقنع في صورة استفهام.

  1. النداء : يتكرر النداء عند الشاعر كثيراً مثل:

“يا نيل”  “يا مصر”  “يا زمن” … الخ  والنداء يكشف عن طبيعة العلاقة الحميمة بين الذات والآخر.

  • الصورة الفنية: التشخيص والمفارقة والحركة

تقوم الصورة الشعرية عند قنديل على ثلاثة مسارات أساسية هي:

أ ـ تشخيص الطبيعة

النهر يتألم -النخلة تحزن-الشجر يسمع-الريح تحمل الإنسان- والطبيعة تتحول إلى مرآة للإنسان.

ب ـ تجسيد المعنوي

مثل: (وشم الرضوخ) و(شجرة العدل) و(أنياب الظلم).

فالمفاهيم المجردة تتحول إلى أشياء محسوسة.

ج ـ المفارقة

مثل: فرسان الهزايم – الثورة قامت ثورتين – القاهرة المدمرة – الوطن الذي يقتل أبناءه – الشهيد الذي يطلب الشاعر أن يظل حيًا

وهذه المفارقات هي التي تمنح الديوان طاقته النقدية.

  • الموسيقى الشعرية والإيقاع

رغم اعتماد الديوان على شعر العامية وتنوع أشكاله، فإنه يملك نظامًا موسيقيًا داخليًا واضحًا ويتشكل هذا النظام من:

1- التكرار

2- اللازمة

3- القافية

4- التقابل الصوتي

5- الجمل القصيرة

6- السؤال والجواب

7- التوازي التركيبي

ومن أجمل الأمثلة: “الثورة قامت ثورتين .. والسكة صبحت سكتين” فالتوازي بين:  ثورتين / سكتين يصنع إيقاعًا صوتيًا ودلاليًا في الوقت نفسه. وكذلك: “حلوة ..وحشة ..كدابة“

في قصيدة “الرحلة”، حيث تعمل الجمل القصيرة على تحويل القصيدة إلى حوار مسرحي

  • البناء الدرامي والسردي

من أهم الخصائص الفنية للديوان أن كثيرًا من قصائده لا تتحرك وفق الغنائية التقليدية وحدها، بل تستفيد من:

السرد + الحوار + المشهد + الشخصية + الحدث.

وهذه سمة ملحوظة في تجربة السعيد قنديل، إذ تشير هذه السمة إلى أن قصائده تمزج بين الغنائية والبناء السردي، وأن هذا المزج من السمات المميزة لتجربته، ويتجلى ذلك بوضوح في قصيدة (الرحلة)، حيث يتحول النص إلى محاورة بين الإنسان وذاته:

“ليه ما اتعلمتش يا بليد؟

حـــــطيت الإيد ع الإيد

وبكـــــــــــــــــــــــــــــــيت

وسندت على الجــــــدران

وقعدت في ضل الحيط([25])

كما يظهر في قصيدة “آخر نزيف للجوارح”، حيث يتحول الوطن إلى شخصية تخاطبها الذات وتلومها:

يا عــــــــــــــــــــنترية يا أم قلب خفيف

خلِّيتي ليه قلبي ف هواكِ ضعيف

ساعة ما تبكي يبتدي التخـريف

………………

يا عنترية يا اللي حبك فـــــــــــــرض

مدِّيت جدوري لحد سابع أرض

ما لقيت لنفسي فيكِ طـــــــول ولا عرض([26])

ومن ثم يمكن القول إن بعض قصائد الديوان تقترب من المونولوج الدرامي.

  • المفارقة بين الأمل واليأس

رغم أن الديوان يبدو سوداوياً في كثير من مقاطعه، فإنه لا يخلو من الأمل، ففي قصيدة “هز الشجر” يقول السعيد قنديل:

“دا أنا قلب طير .. و بقى له ريش وجناح”

وفي “اتبسمي”:

و القلب نبضه بيبتدي وقت الخطر

و الدم نار ما بتنطفيش

فاتبسمي ولا تحــــــــــزنيش

إذن حتى الدم المراق يمكن أن يصبح طاقة مقاومة.

وفي نهاية «الرحلة» نجد أن الشاعر لا يعود إلى الماضي فقط، بل يطرح سؤال المستقبل، والبحث عن الصديق، والإنسان، والقلب، وهذا يعني أن الديوان، على الرغم من عنوانه، ليس كتابًا في الاستسلام، وإنما كتاب في مقاومة الاستسلام.

أهم السمات الفنية في الديوان يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:

السمة

تجلياتها

المفارقة

فرسان الهزايم ، الثورة قامت ثورتين

التكرار

هز الشجر ، هنا القاهرة ، الأمة من جهلها

التشخيص

النيل ، النخلة ، الوطن ، الثورة

الرمز

النيل ، النخلة ، إيزيس ، الخيل

التناص

فتح مكة ، بدر ، حطين ، اليرموك ، إيزيس ، الشعراء العراقيون

السرد

الرحلة ، الشهيد ، عنترية

الحوار

كثرة الأسئلة والنداءات

المعجم الوطني

مصر ، القاهرة ، النيل ، الوطن ، الشهيد

المعجم الصوفي

الدراويش ، المقام ، الروح

المعجم الشعبي

الحرافيش ، القهوة ، الموال ، القرية

الإيقاع

التكرار ، التوازي ، اللازمة

الصورة

حسية ، حركية ، تشخيصية ، رمزية

الخاتمة

يمكن القول إن «فرسان الهزايم» ليس ديوانًا عن الهزيمة بقدر ما هو ديوان عن الإنسان الذي يرفض أن تكون الهزيمة نهايته.

لقد اختار السعيد قنديل أن يجعل من الهزيمة مادة شعرية، ومن الجرح ذاكرة، ومن الوطن محبوبًا معاتبًا، ومن النيل أبًا، ومن النخلة شاهدًا، ومن الشهيد ذاكرة حية، ومن الثورة سؤالًا مفتوحًا، ومن التراث نافذة على إمكانية الخلاص.

وإذا كان عنوان الديوان يقول: “فرسان الهزايم”

فإن القراءة تكشف أن هؤلاء الفرسان لا تتمثل فروسيتهم في أنهم انتصروا، وإنما في أنهم ظلوا قادرين على الكلام بعد الهزيمة، وهنا تحديدًا تكمن قيمة التجربة:

فالشعر نفسه يصبح فعل مقاومة؛ لأن الشاعر حين يقول “هنا القاهرة”، و”يا نيل”، و”يا مصر”، و”حيي الشهيد”، و”اتبسمي ولا تحزنيش”، فإنه لا يصف الواقع فقط، وإنما يحاول إعادة تشكيل الوعي به.

ولذلك فإن الديوان يمكن أن يُقرأ في نهاية المطاف بوصفه رحلة من:

الجرح → إلى الوعي → إلى الرفض → إلى الذاكرة → إلى الأمل.

وهذه الرحلة هي التي تمنح «فرسان الهزايم» قيمته الفنية والفكرية، وتجعله تجربة جديرة بالقراءة النقدية المتأنية داخل سياق شعر العامية المصرية المعاصر.
اقرأ أيضًا:

صالون الثقافة الجماهيرية يحتفي بتجربة السعيد قنديل في مسقط رأسه

 

د. محمد محمد عيسى يكتب: السعيد قنديل وتحديات الرحلة.. إلى النهر والنخل والإنسان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *