2026-06-20

د. محمد محمد عيسى يكتب: السعيد قنديل وتحديات الرحلة.. إلى النهر والنخل والإنسان

السعيد عبد السلام محمد قنديل شاعر مصري، يكتب بالعامية المصريَّة، وُلد في شمال دلتا مصر في 11-2-1954م، وما زال هناك يعيش، لكنَّه يقطن قلوبَ كُلِّ من استمعوا إِلى أشعاره؛ فهو لم يترك منبرًا ثقافيًّا على أَرض مصر حتى صدح فوقه وجلجله، جابَ مصر من الشمال إِلى الجنوب، وله جمهور عريض، يعشق قصيدته، ويتضامن مع محمولاتها. هو عضو اتحاد كُتَّاب مصر، صدر له مِن الدواوين (من حواديت المسافر)، العراق 1983م، و(إلى النهر الوطن)، 1996م. و(للنخل شأن آخر)، 2007م. و(هنا القاهرة)، 2007م. و(بيَّاع حلاوة جَبَر)، 2009م، و(البلاد التي ضيَّعتْ ساكنيها)، 2011م، و(رُباعيات ومربعات السعيد قنديل)، 2013م، و(آخر نزيف الجوارح)، 2021م، و(فرسان الهزايم)، 2022م. وقد نُشِرَت أعمالُه بمُعظم الصحفِ والدوريات الثقافية المصرية، وله قيد النشر (أغاني غبية لشاعر أبيّ)، وغيره.
كتبَ العديدَ من الأشعار العامية لبعض المسرحيات التي عُرضت على مسرح الثقافة الجماهيرية في مصر، كما كتب الليالي الرمضانية بالقناة السادسة المصرية، وله بعضُ الأشعار المُلحَّنة والمُغنَّاة.

كما شارك في كثيرٍ المؤتمرات المصريَّة والعربية، وكذا الفعاليات الثقافية داخل مصر وخارجها، كرَّمته الأمانة العامة لمؤتمر أُدباء مصر في دورته الثانية والثلاثين 2017م، وحصل على جائزة التميز والإبداع عن اتحاد كتاب مصر، 2020م.

يُعدُّ السعيد قنديل أحد أهم شعراء العامية المصرِيَّة، وتجربته تحفل بكثير من القضايا السامية منذ فجرها الأَول في سبعينيات القرن الماضي، تتراوح تجربته بين القضايا الإِنسانية، والحلم والتحديات التي قد يُواجهها الإنسان في حياته، كما يُعبِّر هو عن تجربته وتفكيره في وجه التحديات والصعوبات، ويبرز أهمية الصمود والتحدي الصعب، كذلك في المقابل قد جاء نسيجُ قصيدته قويًّا مُعتمدًا في كُلِّ ذلك على تناسب اللغة والصور، ولعل القارئَ يلمح ذلك من خلال قراءة بعض قصائده.

وتأتي قصيدته (هِزّ الشجر)، من ديوانه (فرسان للهزايم)، مكاشفة للذات والآخر؛ حيث تكشف عن التناقضات، والتحولات في العلاقات وطبيعتها، وتبحث في الجذور والعادات والقيم الإِنسانيَّة، وكيف أَنَّها صارت على النقيض منها في الماضي، وتتكئ القصيدة في بنائها على المفارقة :

هِزّ الشجر/ ياعم فى الوقفات/ هِزّ الخلايا المجهدة فى الذات / هِزّ الجوارح هِزّ من جوه/ هِزّ بصحيح وبجد وبقوة/ خليني أقول للقلب مين هوه/ اللي ابتلانا وخدنا للذات/ يا عم كنا وكانت اللمات/ مهما انجرحنا جرحنا ما يبات/ ياما افترقنا وياما شفنا حاجات/ لكن الشهامة أن احنا لسه خوات.

يبدو الاستخدام الأَمثل للتناص والصور الشعريَّة في إيصال الأفكار والمشاعر، من خلال توظيفه لبعض التراكيب، مثل:(هِزَّ الشجر)، الذي يحمل على تحفيز أو تحريك الحياة، وكذا الاستدعاء النفسي أَو البوح؛ كي تطفو الخفايا الكامنة على السطح، ومِن ثَمَّ الوقوف مع النفس. ويدل قوله: (دا انا قلبي طير)، على خفة الروح والحرية، ويكشف عن تأثير الزمن والتحديات الحياتية، في قوله:( عدى الزمن على جثتي وسابني)، وأَمَّا قوله:(وكأنى جيفة فى جنة الأغراب)، يكشف عن الوضع الصعب أو الغريب الذي يُمكن أن يُواجهه الإنسان، وفي (الشجر وأسراره)، يرتبط بفكرة الحياة والتغيير والنمو، والأمل. أَمَّا قوله:(الأماني بتهزم الملاح)؛ فيحمل قوة التفاؤل إِلى المستقبل.

يتميز هذا النصُّ، وغيره من شعر السعيد قنديل بالغزارة اللغويَّة وتلاحق الصور، وتركيبها. ويُظهر استخدامه لصور الشجر، والطيور، والجوارح مختلف جوانب الحياة وتقلباتها، كما يحمل العديد من المشاعر مثل الحزن، الأمل، فقدان الشجاعة، ويُظهر تبادل هذه الأَحاسيس بطريقة ملحمية. كذلك يُبدي التناوب بين الوجوه – من خلال تناوله لجوانب الحياة الإيجابية والسلبية – كمَّ التناقضات التي تعكس تناقضات الحياة وتعقيداتها.

ويأتي نَصُّه (فرسان للهزايم)، وهو يُهديه إلى روح صديقه الشاعر ممدوح المتولي؛ تلخيصًا للعالم الذي نحياه، وما يحمله هذا العالم من فوارق وتناقضات، ويفتتح النص، بقوله: غريبة مش كلنا تحت العلم واحد/ ولا كلنا فى الحياة عايشين سواسية/ والطيبين مننا يتعدوا بالواحد/ لكن قليل الرجا بيموت بلا دية.

ويأتي هذا النصُّ أَيضًا مشحونًا بالمشاعر والرُّؤى حول تجارب الحياة وتحدياتها، وكعادته في كثيرٍ من نُصوصه؛ يقف السعيد قنديل على بعض الثُنائِيَّات المتصارعة، مثل الأمل واليأس، النجاح والفشل، وكيف يتحكمان في حياة الإنسان وتوجهاته، وكيف يتغير مجرى الحياة بشكل متقلب، وعلى الرَّغم مِن أَنَّ النصَّ في منحاه الخاص يرتكز حول علاقته بصديقه؛ فإِنَّه على المستوى العام يُظهر أهمية العلاقات الإنسانيَّة: تموت يا صاحبي على سهوه/ تموت يا صاحبي ما تقوليش/ دا انا وانت/ شربنا الشاي على القهوة/ فطرنا لوحدنا فى رمضان/ وقلنا الشعر فى المحكى/ وفى القلعة/ وقهوة ريش/ سهرنا أيام بدون ما ننام/ سهرنا نحلب الأحلام/ ضروع خايبة ولا بتديش.

يُعدُّ هذا النَّصُّ جُزءًا من السيرة الذاتية التي يتضمنها دائمًا نصُّ السعيد قنديل، وفي ظل ذلك تأتي اللحظات الجميلة بمنزلة بُؤرة الضوء في المكان المظلم؛ فهو يرصد لحركة التحول عامةً، بما في ذلك الأَحوال التي تغيرت والأوقات التي فُقدت، ويعكسُ فكرة الرحيل والتغير؛ إِذْ يتناول ثُنائية الموت والزمن: موضوع الموت وكيف يُؤثر في وجدان الإِنسان، وكذلك كيف يمر الزمن وتتغير معه الأمور.

ويستخدم الشاعر كثيرًا من الرموز مثل (الشمس) و(النخل)؛ لتعزيز مشاعره ورؤيته حول الحياة أو نحوها، وتُؤدي غزارة اللغة، وتشابك الصور، وتدافع التراكيب، في نصِّ السعيد قنديل إِلى أَنَّه يُمكن للقارئ استخلاص مشاعر وأفكار متباينة منه؛ وفقًا لتجاربه الشخصية، فهو نصٌّ – على الرَّغم من وضوحه – أكثر انفتاحًا بما يمتلكه من توظيف للمتناقضات والتحاور المفتوح.

ويأتي نصّ (باستسمحَك)، من ديوانه (آخر نزيف للجوارح)؛ ليكشف عن صراع الشاعر الداخلي والمشاعر المتضاربة التي يَمرُّ بها؛ جرَّاء ما يَعيشه العالم من تناقضات، كما يُوضح رحلة الشاعر في تحديه للصعاب ورفضه للرضوخ، ويُشبِّه نفسه بالنخل الذي يرفض الانحناء أمام الظروف الصعبة، كما يُعبر عن فقدانه وحنينه إلى لحظات مضت، وكيف أنَّه عاش كثيرًا من التجارب والخسائر، وكيف أنَّ الذكريات الجميلة تبقى محفورة في ذاكرته:

باستسمحك/ اترك بطوعك مطرحك أو ثور عليه/ دا انا شُفت طبع/ النخل واتشبهت بيه/ رغم ان طمي الأرض حاضن جدوره ومحوّط عليه/ واخد جِريدُه للسما وطالع لفوق/ ومعبّي صدره من الندى ومن الشروق/ وان جات له نفحة من النجوم/ تنزل على وش الغيوم/ تلقى السبايط حظها وتصبح رطب/ تبقى الجناين كلها واحة عجب/ والنخل رافض للرضوخ/ النخل بيحب الشموخ/ وانت اللى قاعد مطرحَك/ باستسمحَك..

يدعو هذا النصُّ إِلى الطموح والرغبة في التحليق بعيدًا، في رحلة إِلى الصدق والنقاء؛ حيث يذكر الشموخ والوقوف بصفاء وجدارة في وجه التحديات، كما يمزج بين القوة والضعف، ويعكس رحلة الشاعر خلال تجاربه وكيف ينظر إلى مستقبله بتحدٍّ وتفاؤل.

واقرأ من ديوانه ( إلى النهر الوطن): يا زمن يا اللي انت مش عارف بهيه/

اسمع الندهات تلاقي الآهه هيَّه/ اسمع الناي والشادوف/ تلتقي الأنات حروف/ للحكاوي المتدارية/ يا زمن يا اللي انت مش فاكر ياسين/ المداين ليه بتكبر/ والقرى بترحل وتهرب/ والولاد متبعترين

يمزجُ بين الحنين للماضي والتأمل في مغزى الحياة والوطن، ويُظهر الشاعر حنينه للأوقات الجميلة، والأَماكن البريئة، والأحباب الذين تفرقوا، مُتَّشِحًا بالفقدان والحزن، مُتَشَبِّثًا بالانتماء إلى الوطن، وكيف أَنَّ تلك الشواهد من الأوقات والأَماكن والحب في طريقها للتبدد.

ويتخذ الشاعرُ من موضوع الحب والشوق، في القصة الشعبية ياسين وبهيه مُعادلاً موضوعيًّا لحب الأَوطان والشوق إِليها، حيث يصف العاشق وكيف ينتابه الشوق إلى المكان والأحباب، يتحدث عن رحلة الهيمان والسفر، ويُبرز مفهوم العودة إلى الوطن والبحث عن الراحة والهويّة.

كما يُشير إلى مفهوم الحياة والأمل، وكيف يتعامل الإنسان مع التحديات ويُواجهها بروح تفاؤلية، ويتنوع النصُّ في معالجاته بين عرضه للمشاعر، والمفاهيم المختلفة، ويخلق صورًا شعريَّة تعكس تجربة شخصية معقدة وعميقة:

يا ألم من غير هويه/ رحلة الهيمان منين/ والمدى فى عيون بهيه/ يقطعه العاشق لفين/ كل ما تدور السواقي/ تكتر الأرض الشراقي/ واللى ما يتعب يلاقي/ فى الحكايه السرمدية

يتضمن النصُّ رحلة البحث عن الهوية والهدف في الحياة، والألم أو الحيرة الناتجة عن فقدان الهوية أو الاتجاه، ويرمز دال(الهيمان) إلى رحلة البحث أو التجوال، ويَظهر المصطلح كنافذة لاستكشاف واستكمال الرحلة في السعي لفهم أو اكتشاف شيء ما، كما يأتي (المدى) في النصِّ رمزًا للمستقبل أو الأفق، وترتبط (بهيه)، بالجمال والأَمل والمجهول في الوقت نفسه، في حين تعمل (عيون بهيه) في النص نظرة متفائلة نحو المستقبل، ويتم تقديم العاشق هنا كشخص يمتلك القدرة على قطع المسافات والتحكم في مسار رحلته، على الرغم من الحيرة، فإِنَّ العاشق يُمكنه تجاوز العوائق والتحديات.

وتأتي قصيدته (نواح النوارس)، من ديوان (إلى النهر الوطن)؛ وهي في رثاء الشاعر عبدالدايم الشاذلي، لكنها تُعَدُّ رثاءً لكلِّ الأوفياء للوطن، حيث يكشف عن العلاقة العميقة مع البلد والأرض، ويتأكد هذا الإحساس بالفخر والارتباط بالتراث والتقاليد، وضمنيًّا يُسقط النص أَقنعة الزيف: نبكيك يا صاحبي ولا تبكينا/ لساك على العهد بتردد أمانينا/ واقف على الشط بتباهي المدى بينا/ واقف مع النخل بتعد النوى والتمر/ وتنمي جين الأصالة فى المتاع والطلع.

ويأْتي (النخل) في قصيدة السعيد قنديل بشكل ملحوظ بُؤرةً دلالية، ورمزًا للنماء والاستمرارية والشموخ، ويبدو الشاذلي وهو المخصوص بالرثاء يقف مع النخل رأسًا برأس، يَعُدُّ النوى والتمر؛ ما يرمز إلى تجذره في التاريخ والحاضر. كما يُعبر النص عن الرغبة في الاحتفاظ بالهوية والأصالة في ظل التغيرات الحديثة، واستمرار العلاقة مع التراث والموروث الثقافي، كما يُنمي الترابط بين الأصدقاء؛ ذلك أَنَّه يُمكن للصداقة أن تكون مصدر قوة وتحفيز، وتُظهر الكلمات تحديات الحياة، مثل الغياب والموت، وكيف يمكن للفهم العميق والتضحية أن يساعدا في التعامل مع هذه التحديات، كما يتطرق النصُّ أيضًا إلى بعض التساؤلات الفلسفية التي تكشف عن التناقضات والأَحاسيس المتباينة.

ويأتي نصُّ الرحلة؛ ليأْخذ طابعًا ملحميًّا سرديًّا مثل كثيرٍ من قصائد السعيد قنديل، ويلملم فيه متفرقات مسيرته في الحياة، ثُمَّ يتساءل عن القرارات التي اتخذها، ويتأمل في النتائج والتغيرات التي طرأت: اتهديت؟

بعترت العمر على الأيام؟

خلَّصت الجري ورا الأحلام

وهديت ؟!

سلَّمت الراية خلاص

ورفعت إيديك ؟

إيه رأيك فيها الآن ؟

حلوه ؟

وحشه ؟

كدابه ؟

حقّقت احلامك فيها

ووصلت لأمانيك ؟

ولا انت جريت وحفيت وشقيت

وعانيت م التوهه وم الأوهام ؟

يتناول النصُّ مفهومي النجاح والفشل، ويسأل نفسه عمَّا إذا كان قد حقق أحلامه ووصل إلى طموحاته، وكيف يمكن لفقدان الصداقات والعلاقات أنْ يؤثر في حياة الإنسان وتجربته، ويُبرز الشاعر التباين في التجارب التي يمرُّ بها الإنسان، بدءًا من الفرح والطموح، ويتأمل في الذكريات واللحظات التي قضاها، وكيف أنَّها تشكل جزءًا لا يتجزأ من رحلته، كما يُشير إلى التحولات الطارئة، وكيف يمكن للظروف أنْ تتغير بشكل مفاجئ، كما يعكس هذا النص، وكثيرٌ من نصوص السعيد قنديل بعض التساؤلات العميقة حول الهدف والاتجاه في الحياة، وكيف يمكن للإنسان البحث عن معنى أعمق في وجوده، وتُتيح قصيدة الرحلة للقارئ فهم رؤية الشاعر للحياة ومفاهيمه حول الرحلة والوجود والتحول.

إجمالاً، تعكس تجربة السعيد قنديل رُؤيته الشخصية للعالم، مُتَضمِّنةً مجموعةً من المشاعر حول الإِنسان والهويَّة، والحنين إلى الوطن، وبكاء الأَحباب، وتأملات في الحياة والموت، وقضايا الحضور والغياب بشكلٍ عام، كما تعنى تجربتُه

بالبحث عن المعنى في الحياة، والتعرف إلى كثيرٍ مِن المفاهيم، وتحمل مع كُلِّ ذلك التفاؤلَ زادًا والأَملَ وقودًا حتَّى في ظلِّ وجود الألم والتحديات، وهي تأتي Top of Formفي بناء درامي ملحمي مَمْزُوجٍ بسرد الذات، وَفِي لُغةٍ أَكثر تناسبًا وتلاؤمًا مَع محمولات النصِّ ومضامينه، كما تأتي الصور مُتزاحمة مُتراكبة، وتشغل حيزًا كبيرًا من المتخيل الذهني لدى المتلقي، كذلك يعمل الإِيقاع والموسيقا وتوزيع الكلمات على تدفق النصِّ بشكل جذاب.

About The Author