أدباتية – أحمد زكي شحاتة: في صباح مشبع بندى الحقول البهية الممتدة وسط قرية “نظارة مهيب” الوادعة، بزغ نجم مختلف، لا تشبه ضياءه شموس المشرق ولا أقماره المعتادة. في السادس من أكتوبر عام ألف وتسعمئة وواحد وستين، جاء الخطيب المفوه والفلاح الفصيح سعد محمد الشرقاوي، إلى الدنيا لا ليكون مجرد عابر مر بها، بل ليصير من القلائل الذين يختارهم الحرف ليؤتمنوا على سره، وتختارهم القصيدة لتتجلى بهم. منذ ولادته، بدا وكأنه خرج من ضلع قرآني، إذ حفظ كتاب الله في صغره، وارتوى من بحور معانيه، فانسكبت في داخله ينابيع البيان ووهج البصيرة. ألحقه أبواه بالمعهد الديني، ومنه إلى كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، مريدا في حضرة البلاغة، وعمل بالتدريس فور تخرجه عام ألف وتسعمئة وأربعة وثمانين ليتماهى فيه العالم والعارف مع المربي والشاعر. ومال لبث أن عين إماما وخطيبا بوزارة الأوقاف ليصدح صوته من فوق المنابر شاهقا يحرك القلوب كما يحرك الشعر الوجدان، لكن القدر اختصه بحرفة أخرى، إذ من الله عليه بموهبة الانصهار في الحرف، والذوبان في المعنى، لتنساب أشعاره كشعاع نور يداعب نوافذ القلوب. ولم يلبث أن نال المركز الأول في مسابقة الشعر الفصيح بمحافظة كفر الشيخ، فكتب له الاعتراف من الأرض التي أنجبته، ومن القصيدة التي احتضنته. لقبه محبوه ب”شاعر التوتة”.. في ظل التوتة يجلس ليكتب، كي يترك أثرا عطرا في زوايا الأرواح التي أرهقها الصخب. كتب سعد محمد الشرقاوي ابن قرية نظارة مهيب التابعة لمركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ عن الوطن، وعن الغربة والحب، كما صاغ الموال الشعبي الذي ينهل من فطرة الناس وصدقهم. سافر في دروب الشعر بالعامية والفصحى، وكأنه يريد أن يوقظ في كل لسان لغته، وفي كل قلب نغمته. في الثمانينيات والتسعينيات كتب للإذاعة “فوازير رمضان”، فصار للبيت العربي موعد سنوي مع حكايته وضحكته التي تخفي وجعا، ومع حكمته التي تقال كأنها صدفة. وتغنى بكلماته كثير ممن عرفوا كيف يصير اللحن امتدادا للقصيدة، أبرزهم: محمد العربي، ,عماد عبد الحليم، ومحمد قنديل، ومحمد ثروت، فصارت قصائده أغنيات تحفظها الذاكرة وتردد في أفراح البسطاء. نال جوائز عديدة، لكن تاريخه لم يكتب بها، بل كتب بتلك النظرات المضيئة التي يتلقاها حين يلقى شعره، وبتلك الدموع التي تسيل من أعين سامعيه دون أن يعرفوا لماذا. حصل على جائزة الشبكة الثقافية العراقية عام ألفين وتسعة، وكرمته إدارة الشؤون المعنوية بالقوات المسلحة في عام ألفين وثلاثة عشر عن إحدى قصائده الوطنية، ونال جائزة أفضل قصيدة في عام ألفين وخمسة عشر، وتوج بتكريمات من مؤسسات أدبية وثقافية، لكن تكريمه الأعمق ظل في محبة الناس، حيث لا وسام يعلو على نبض القلب. سعد الشرقاوي ليس مجرد شاعر عادي بل هو ناسك يلتزم صومعة الكلمة، فيعيد لها طهرها القديم، لا يكتب ليراه الناس، بل ليعيدوا اكتشاف ذواتهم على وقع كلماته.. هو الناي على حافة الروح، والنخلة التي تقف بشموخ رغم الريح.. وهو التوتة العتيقة الضاربة بجذورها في قلب الأرض. في المجالس العرفية، يبقى سعد الشرقاوي حاضرا يؤلف بين القلوب ويقضي في النزاعات بين الناس، وفي الحقل هو الفلاح القراري وهو المساح الذي يوثق حدود الغيطان. وفي المسجد هو الواعظ والعالم والمفتي والخطيب المفوه، وعلى منصات الشعر يتلو مزاميره في صمت مفعم بالجمال، كأنما يحمل في حروفه دعاء قديما، وحنينا لا ينضب. هو ابن التوتة، سليل الحرف والشاهد الذي لا يغادر مقام الشعر الصادق.