2026-06-20

«فلسفة الغلاف».. العينان عتبة أولى للقراءة

فرع ثقافة القليوبية - ادباتية - فلسفة الغلاف

أدباتية: أطلقت الهيئة العامة لقصور الثقافة مجموعة من الفعاليات الثقافية والأدبية المكثفة بفرع ثقافة القليوبية، والتي تأتي في سياق البرامج الاستراتيجية المعتمدة لوزارة الثقافة بهدف نشر الوعي وبناء الإنسان. وتنوعت هذه الأنشطة لتشمل باقة من الأمسيات الفكرية، والندوات النقدية، واللقاءات الشعرية التي غطت قطاعات جغرافية متعددة بالمحافظة، حيث ركزت المحاور النقاشية على معالجة قضايا الإبداع المعاصر، وتفكيك أدوات الخطاب الشعري، واستكشاف آليات السرد الحديث، بالإضافة إلى تسليط الضوء على الخصائص البنائية والتربوية الموجهة لأدب الطفل.

واستضاف قصر ثقافة القناطر الخيرية ندوة فكرية تحت عنوان “فلسفة الغلاف.. عندما يتحول البصر إلى عتبة أولى للقراءة”، حيث حظيت باهتمام لافت من الجماعة الأدبية والمثقفين. وشهدت المنصة الحوارية أطروحات نقدية معمقة ركزت في مجملها على تفكيك مفهوم “الغلاف” بوصفه خطراً إبداعياً يتجاوز وظيفته التسويقية والوقائية التقليدية، ليتحول إلى عتبة نصية موازية ومكملة للمتن الأدبي، ووسيطاً بصرياً وسيميولوجياً بالغ التعقيد يربط بذكاء بين الرؤية الفلسفية للكاتب وآليات التلقي الفكري والبصري لدى القارئ المعاصر.

وتحدث خلال هذه الأمسية الشاعر والمصمم محمد البيطار، رئيس نادي الأدب، مستعرضاً الأبعاد الفلسفية والتطبيقية لتصميم أغلفة الكتب من منظور علم العلامات “السيميوطيقا”.
وأوضح البيطار في سياق كلمته التطبيقية أن مصمم الغلاف المحترف لا يتعامل مع السطح الخارجي للكتاب كأداة صماء، بل يمارس فعلاً نقدياً واعياً يبدأ بقراءة العمل الأدبي وفهمه بعمق، ثم إعادة تقديمه وصياغته بصرياً في مساحة هندسية محدودة، مؤكداً في اقتباس جوهري له أن “الغلاف لا يشرح الكتاب بل يلمح إليه”، مما يترك مساحة تخيلية رحبة للمتلقي لاستكشاف أغوار النص.

وناقشت الأمسية كذلك حزمة من الأبعاد والمعايير الفنية والدلالية التي تضمن تحقيق التوازن الدقيق بين القيمة الإبداعية الخالصة والوظيفة التسويقية والتجارية للغلاف في سوق النشر الحديث. واستعرضت المنصة التكامل المطلوب بين البعد الجمالي، والبعد المعرفي، والبعد التجاري، خاصة في ظل الطفرة التحولية والإلكترونية الهائلة التي يشهدها العالم الرقمي اليوم، وما يفرضه ذلك من ضرورة بناء هوية بصرية قوية ومميزة للكتاب تضمن جاذبيته ومنافسته.

وأدار الفعالية بكفاءة وتنظيم متميز الشاعر عصام رمضان، الذي حرص على خلق بيئة حوارية تفاعلية بين المنصة والجمهور، تخللتها مداخلات نقدية أثرت النقاش. واختتمت الأمسية الثقافية بطرح حزمة من التوصيات التي شددت على أهمية الاعتراف بدور مصمم الغلاف كشريك إبداعي أصيل وفاعل في عملية إنتاج وتقديم العمل الأدبي، وليس مجرد فني أو منفذ تجاري، نظراً لبصمته الجلية في صياغة الانطباع الأول للمنتج الثقافي.

تقنيات السرد القصصي المعاصر في طوخ

وأقام نادي الأدب في بيت ثقافة طوخ أمسية نقدية متخصصة تحت عنوان “تقنيات السرد القصصي”، استهدفت تشريح البنية الهيكلية للقصة الحديثة واستكشاف جمالياتها المقارنة. وأدار تفاصيل هذا اللقاء الثقافي الشاعر مصطفى حجاب، الذي استهل الأمسية بكلمة افتتاحية أكد خلالها على الأهمية الاستراتيجية لعقد مثل هذه الحلقات النقاشية المتعمقة لبحث قضايا الإبداع الأدبي، والتركيز على الأدوات والتقنيات الفنية المرتبطة بفن السرد، لما لها من أثر مباشر في صقل وتطوير الأدوات التعبيرية للكتاب الشباب والمبدعين بصفة عامة.

واستعرض الشاعر محمود الزهيري خلال المداخلة الرئيسية الأولى ماهية الكتابة الإبداعية والفروق الجوهرية والجمالية والتكنيكية التي تفصل بين الأشكال والأنواع الأدبية المختلفة كالشعر والرواية والقصيرة. وتناول الزهيري بالتفصيل مفهوم السرد القصصي ومرتكزاته التأسيسية بوصفه فناً إنسانياً أصيلاً معنياً ببناء الحكايات، وتشفير المضامين، ونقل التجارب الإنسانية الحية والمواقف الوجودية من حيز الذاتية إلى آفاق الموضوعية الفنية الرحبة.

وقدم الشاعر محمد علي عزب ورقة عمل نقدية استعرض خلالها أبرز تقنيات السرد الحديثة وتطبيقاتها في النص المعاصر، مركزاً على عناصر أساسية مثل “الراوي” وأنماطه، وتكنيك “التبئير” وزوايا الرؤية، وآليات إدارة “الزمن السردي” من استرجاع واستباق، بالإضافة إلى دور “الحوار” والوصف والمفارقة الدرامية في دفع الحدث وتعميق الدلالة. وأكد عزب في ختام حديثه على ضرورة الوعي التام بتوظيف هذه الأدوات الفنية بمرونة واحترافية عالية لضمان بناء نص أدبي متكامل ومتماسك قادراً على جذب القارئ.

احتفاء شعري بمسيرة “محمد السيد إسماعيل” في شبين القناطر

ونظم نادي الأدب ببيت ثقافة شبين القناطر احتفالية شعرية وأدبية خاصة جاءت تحت عنوان “قراءة في أشعار محمد السيد إسماعيل”، وذلك للاحتفاء بالمنجز الإبداعي للشاعر الراحل ودراسة بصمته الخاصة في حركة الشعر المعاصر. وأدار مجريات هذه الأمسية الاستثنائية الكاتب الصحفي والشاعر مجدي صالح، وشهدت الفعالية حضوراً جماهيرياً ونخبوياً لافتاً، تخلله تقديم طيف واسع ومتميز من القصائد والخواطر الأدبية التي تنوعت في مدارسها الفنية وأغراضها الشعرية.

وشارك الشاعر نور الدين القوس في إثراء اللقاء عبر إلقاء مجموعة مختارة من قصائده الحديثة التي اتسمت بلغة صوفية وتأملية عذبة، وعبرت بصدق عن رؤيته الفلسفية العميقة لمفاهيم الطمأنينة، والسلام النفسي، والبحث عن اليقين في عالم متسارع. وتفاعل الجمهور بشكل ملحوظ مع الإلقاء المميز للقوس والذي اتسم بالهدوء والعمق والقدرة على ملامسة الوجدان.

وانتقل الكاتب والشاعر مجدي صالح بالدفة الإبداعية نحو آفاق القصيدة الوطنية، حيث ألقى عدداً من نصوصه الشعرية التي تنبض بحب الوطن وتستدعي الذاكرة التاريخية بأسلوب حماسي وتعبيري راقٍ نال استحسان الحضور. وتلاه في الإلقاء الشاعر محمد فوزي، الذي قدم باقة منسقة من القصائد ذات الطابع الإنساني الدافئ والعاطفي الوجداني، محلقاً بالحضور في سموات المشاعر البشرية المعقدة بكلمات رشيقة وصور بليغة.

وتوجت الأمسية الثقافية بفقرة تأبينية مؤثرة، حيث ألقى الشعراء المشاركون قصيدة مرثية جماعية وفردية في تأبين الشاعر الراحل محمد السيد إسماعيل، استحضرت مناقبه الإنسانية الرفيعة، ومواقفه الثقافية النبيلة، وسيرته الإبداعية العطرة التي تركت أثراً لا يمحى في نفوس زملائه وتلاميذه من أدباء المحافظة، مؤكدين أن المبدعين الحقيقيين يرحلون بأجسادهم وتبقى آثارهم الفكرية خالدة.

تشريح أدب الطفل واستحضار التكنولوجيا في بنها

وعقد نادي الأدب بقصر ثقافة بنها ندوة أدبية ونقدية موسعة خصصت لمناقشة وقراءة إبداعات الأديب والشاعر الكبير محمد المطارقي في مجال أدب الطفل، نظراً لما يمثله هذا الحقل من أهمية بالغة في تشكيل وعي الأجيال الناشئة. وأدار هذه المنصة النقدية الهامة الشاعر محمد عكاشة، وحظيت الندوة بتمثيل رسمي وتخصصي رفيع المستوى بحضور الفنان ياسر فريد، مدير عام فرع ثقافة القليوبية، إلى جانب كوكبة من النقاد والمهتمين بالعملية التربوية والثقافية الموجهة للطفل.

ملامح أدب الطفل: “يتميز منجز المطارقي بالقدرة الفائقة على دمج الرسالة التربوية بالمتعة البصرية والجمالية دون السقوط في فخ الوعظ المباشر.”

وتناولت الأوراق البحثية والمداخلات النقدية المقدمة خلال الندوة الملامح الأسلوبية والخصائص البنائية التي تميز أدب الطفل لدى المطارقي، وأشارت القراءات إلى قدرته الفائقة على صياغة وتقديم رسائل تعليمية وقيم تربوية وأخلاقية بأسلوب مشوق يعتمد على المفارقة، والجاذبية، والتبسيط دون الإخلال بالعمق. كما ركز المنتدون على تميز الكاتب في معالجة قضايا العصر الحيثة، ولا سيما ملف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وتأثير منصات “السوشيال ميديا” على البناء النفسي والمعرفي للطفل، محذراً من مخاطرها وموجهاً لكيفية استثمارها إيجابياً.

واستعرضت الندوة بالتحليل والتدقيق مخرجات سلسلة الكتاب الشهيرة للمطارقي “مسلمون علموا العالم”، بالإضافة إلى كتابه المتميز “علماء العصر”. وأشاد النقاد بهذين الإصدارين بوصفهما نماذج تطبيقية رائدة تساهم في تعزيز الهوية الوطنية والمعرفية لدى الأطفال، وربطهم بجذورهم الحضارية المشرقة، وإذكاء روح البحث العلمي والابتكار لديهم عبر تقديم سير العلماء بأسلوب قصصي جذاب ومحفز للعقل.

نوافذ إبداعية منوعة وفرق فنية في الخانكة

وتواصلت الأنشطة الثقافية والموسيقية في ذات السياق الإبداعي الممتد، وضمن الخطط التنفيذية لإقليم القاهرة الكبرى وشمال الصعيد الثقافي، والمقدمة بالتعاون المثمر مع الإدارة العامة للثقافة العامة، حيث نظم نادي أدب بيت ثقافة الخانكة أمسية شعرية وفنية كبرى تلاحمت فيها الكلمة المنظومة مع النغم الأصيل. واستهلت الأمسية بآفاق شعرية مغايرة، حيث ألقى الشاعر محمد الشحات محمد قصيدته اللافتة “آمون أنشأ محتوى”، والتي زاوجت ببراعة بين التاريخ الفرعوني العريق ومفردات الواقع الرقمي المعاصر.

وتوالت المشاركات الإبداعية المتميزة عقب ذلك على منصة الخانكة، حيث تبارى مجموعة من أبرز شعراء الإقليم في تقديم أحدث نتاجاتهم الشعرية، وجاء في مقدمتهم الشاعر محمد فايد عثمان، والشاعر خالد النسر، والشاعر خليل عبد المجيد. وقدم هؤلاء المبدعون تشكيلة متنوعة من القصائد التي تراوحت بين الشعر الفصيح وشعر العامية، وعكست نصوصهم هماً مجتمعياً وإنسانياً عميقاً، وقدرة فائقة على التلاعب بالمجاز والصورة الشعرية المبتكرة التي نالت تصفيقاً حاراً من الجمهور الحاضر.

وشهدت الأمسية كذلك حضوراً سردياً متميزاً كسر رتابة القوالب الجاهزة، وتمثل في مشاركة قصصية نوعية للدكتورة رضا قنديل، والتي قامت بقراءة سردية مشوقة لقصتها القصيرة المعنونة بـ “طوق من حرير”. وتميزت القصة ببنائها الدرامي المتصاعد، ولغتها المكثفة، وحمولتها الإنسانية والنفسية العالية التي استأثرت بانتباه الحضور وعكست تمكن الكاتبة من أدواتها السردية.

واختتمت الفعالية بفقرة موسيقية وغنائية ممتعة أحيتها فرقة الفنون الموسيقية، وشارك فيها بصوت عذب المطرب أحمد شعراوي، والمطرب ياسر حسن، والمنشد الديني عبدالرحمن هاني، حيث قدموا باقة من الأغاني الطربية الأصيلة والمدائح النبوية الشجية التي أضفت أجواء من البهجة. وأدار هذا المحفل الثقافي والفني المتكامل بحنكة واقتدار الفنان حسين الحلواني، رئيس نادي الأدب بالخانكة، مؤكداً استمرار هذه المنارات في تقديم التنوير.

About The Author