2026-06-20

معتصم علي.. ذلك الذي يطارد الحقيقة فوق الخشبة لا التصفيق

معتصم علي

أدباتية- د. هند محسن حلمي: بدايةً من قول (أنطونان أرتو): «المسرح ليس مكانًا للراحة.. بل مكانٌ تُعرّى فيه أرواحنا أمام أنفسنا.»

حقيقي ثمّة أشخاص لا يدخلون المسرح باعتباره فنًا فقط، بل باعتباره محاولة مستمرة لفهم العالم، وكأن الخشبة بالنسبة لهم ليست مساحة للعرض بقدر ما هي مساحة للاعتراف، للاصطدام بالنفس، وللبحث عن ذلك الجزء الإنساني الذي يضيع وسط زحام الحياة. ومن بين هذه الوجوه التي اختارت أن تعيش داخل الحكاية لا خارجها، يظهر اسم معتصم علي كواحد من أبناء المسرح الذين لم تأخذهم الأضواء بقدر ما أخذهم الشغف نفسه.

فحين تتحدث معه تشعر أنه لا يتعامل مع المسرح كوظيفة أو لقب أو حتى موهبة، بل كحالة وجود كاملة. شيء يشبه الحلم الطويل الذي بدأ منذ الطفولة ولم ينتهِ بعد. لذلك حين سألناه: «لو هنعرّف معتصم علي في جملة واحدة بعيدًا عن اللقب المهني… تقول إيه؟» لم يحاول أن يصنع إجابة استعراضية، بل قال ببساطة شديدة:

«شخص بيحاول يوصل نفسه لحلم من صغره… شغوف وبيحب الحياة.»

وربما هذه البساطة تحديدًا هي أكثر ما يكشفه؛ لأن الفنان الحقيقي غالبًا لا يعرف كيف يتحدث عن نفسه بوصفه “نجاحًا”، بل بوصفه رحلة. رحلة طويلة من التعلّم والتجريب والتعب والخوف والأسئلة. ومن هنا بدأ حديثه عن المسرح، لا باعتباره منصة يقف فوقها، بل باعتباره مكانًا اكتشف فيه نفسه للمرة الأولى.

يحكي معتصم عن بدايته كمتفرج، طفل أو شاب مأخوذ بفكرة أن هناك عالمًا كاملًا يُخلق فوق خشبة صغيرة. كان يرى الناس تضحك وتنبهر وتتجمع حول العرض، دون أن يعرف حجم التعب المختبئ خلف تلك الساعة المسرحية العابرة. ثم دخل هو نفسه إلى هذا العالم، كممثل أولًا، ليكتشف أن اللحظة التي يراها الجمهور ببساطة وراءها شهور طويلة من البروفات والانكسارات وإعادة المحاولة. وبعدها اتجه إلى الإخراج، ليكتشف أن المخرج لا يصنع عرضًا فقط، بل يحمل العالم كله فوق كتفيه؛ النص، الفكرة، الإيقاع، روح الممثلين، التفاصيل الصغيرة التي لا يلاحظها أحد لكنها تصنع المعنى في النهاية.

وحين يتحدث عن تغيّر نظرته للمسرح، يبدو وكأنه يتحدث عن تغيّر نظرته للحياة نفسها. يقول إنه في البداية كان يرى المسرح مساحة للحلم وإثبات الذات، وكان يظن أن النجاح يُقاس بكمية التصفيق أو الانبهار الذي يخلّفه العرض. لكن مع الوقت اكتشف أن المسرح أعمق من ذلك بكثير. اكتشف أنه ليس مجرد ستارة وإضاءة وخشبة، بل مساحة حقيقية لمواجهة الإنسان لنفسه، مساحة تُعرّي خوفه وضعفه وأسئلته قبل أن يواجه بها الجمهور.

ويبدو هذا التحول واضحًا جدًا حين يتحدث عن فكرة “المخرج المسيطر”. في البداية كان يظن أن المخرج هو صاحب الكلمة المطلقة، الشخص الذي يتحكم في كل شيء، لكنه اليوم يرى أن المخرج الحقيقي هو الذي يعرف كيف يسمع، كيف يحتوي فريقه، وكيف يخلق روحًا مشتركة بين كل عناصر العرض، لأن المسرح بالنسبة له فن جماعي لا يمكن أن ينجح بفرد واحد مهما كانت موهبته. وربما لذلك صار يهتم أكثر بالصدق لا بالإبهار، باللحظة التي يسكت فيها الجمهور لأنه شعر بشيء حقيقي، أكثر من اللحظة التي يصفق فيها بشكل تلقائي وينسى العرض بعد دقائق.

ففي حديثه شيء واضح جدًا: معتصم لا يبحث عن المسرح الذي “يعلّم” بقدر ما يبحث عن المسرح الذي “يُشعر”. هو لا يحب فكرة أن المتفرج يدخل القاعة ليأخذ درسًا مباشرًا، بل ليعيش تجربة إنسانية تمسّه من الداخل. يقول ببساطة:

«أنا مش جاي أحضر درس… أنا جاي أحس.»

وهنا يبدو قريبًا جدًا من أفكار جيرزي جروتوفسكي الذي رأى أن المسرح الحقيقي ليس في الزينة والديكور، بل في تلك اللحظة الصادقة التي تنكشف فيها روح الإنسان أمام نفسها.

حتى حين سألناه عن العلاقة بين الفكرة والشكل البصري، لم ينحز إلى واحد منهما بشكل مطلق. يرى أن الصورة البصرية وحدها قد تبهر للحظة ثم تختفي، بينما الفكرة وحدها قد تبقى عاجزة عن الوصول إن لم تجد شكلًا حيًّا يترجمها. لكنه في النهاية يعترف أن الفكرة هي روح العرض، هي المحور الذي تُبنى عليه كل التفاصيل الأخرى. وكأن المسرح بالنسبة له يشبه الإنسان نفسه؛ لا يكفي أن يبدو جميلًا من الخارج، بل يجب أن يحمل شيئًا حقيقيًا في الداخل.

ومن أكثر اللحظات الفلسفية في الحوار حين سألناه: «هل يبني معتصم العالم فوق الخشبة أم يكشف هشاشته؟» فجاءت إجابته كأنها بيان مسرحي كامل:

«أنا مش بحاول أسيطر على العالم… أنا بحاول أخلق مساحة للعالم إنه يظهر زي ما هو، بكل هشاشته.»

ثم يضيف:

«ببني العالم وأنا عارف إنه قابل للكسر.»

وهنا تحديدًا يمكن فهم رؤيته للفن؛ فهو لا يريد تقديم عالم مثالي أو أجوبة نهائية، بل يريد أن يضع الجمهور أمام التشققات التي نحاول دائمًا إخفاءها. كأن المسرح عنده ليس مكانًا للحلول، بل مساحة لخلق وعي جديد بالأسئلة.

وحين يتحدث عن أحلامه، لا يبدو كشخص يبحث عن مجد شخصي بقدر ما يبحث عن مساحة أوسع للمسرح نفسه، خصوصًا في الصعيد. يحلم بمهرجان فني كبير يجمع المسرحيين من مختلف المحافظات وربما من دول أخرى أيضًا، كأنه يريد أن يقول إن الفن في الأطراف يستحق أن يُرى مثلما يُرى في المركز تمامًا. كما يحلم بتقديم نصوص وروايات مختلفة وغير مستهلكة، لأنه لم يعد يحب إعادة تدوير النصوص القديمة فقط، بل يبحث عن أفكار تمس الإنسان المعاصر بلغته وأسئلته الحالية. ومع ذلك، يعترف أن هناك أعمالًا ضخمة ما زالت تمثل له تحديًا شخصيًا، مثل البؤساء والجريمة والعقاب، وكأن التحدي الحقيقي بالنسبة له ليس سهولة النص، بل قدرته على إعادة اكتشافه بروح مختلفة.

بعيدًا عن الخشبة، يبدو معتصم إنسانًا شديد التأمل. شخصًا “يسأل أكثر مما يجيب”، كما وصف نفسه. هادئًا من الخارج، لكنه يحمل داخله صراعات كثيرة. متعلقًا بالحكايات والتفاصيل الصغيرة، متأثرًا بالمشاهد العابرة والنظرات والكلمات. وربما لهذا يبدو المسرح مناسبًا له إلى هذا الحد؛ لأن المسرح في جوهره فن التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي لا ينتبه إليها العالم عادة.

وحين سألناه عن الحقيقة التي كشفها المسرح له عن نفسه، كانت إجابته مؤثرة جدًا:

«اتعلمت أكون حقيقي وصادق… لأن اللحظات المهمة مبتوصلش بالتمثيل على الناس، بتوصل بالصدق.»

ثم أضاف:

«وأكتر حاجة اتعلمتها… إني أواجه نفسي.»

وربما هذه هي الجملة التي يمكن أن تختصر رحلته كلها؛ لأن الفنان الحقيقي لا يصعد إلى المسرح ليهرب من نفسه، بل ليواجهها أمام الجميع.

في النهاية، حين طلبنا منه أن يصف رحلته المسرحية في كلمة واحدة، لم يحتج إلى التفكير طويلًا. قال فقط:

«الحلم.»

ولعل الحلم هنا ليس مجرد طموح، بل طريقة حياة كاملة. لأن المسرح بالنسبة لـ معتصم علي لم يعد مجرد فن أو مهنة، بل محاولة مستمرة لإنقاذ شيء إنساني نادر في هذا العالم السريع والمستهلك. شيء يجعل الإنسان يشعر، ولو لساعة واحدة، أنه ما زال حيًا بحق.

«أحبّ الفنَّ بداخلك، لا نفسك داخل الفن.»

  • قسطنطين ستانسلافسكي

About The Author