10 سبتمبر، 2026

«الرجل الذي تركته في الثالثة وسبع عشرة».. بسملة محمود إبراهيم

0
الرجل الذي تركته في الثالثة وسبع عشرة- دار البديع العربي - أدباتية - بسملة محمود إبراهيم

في المرة الأولى التي رأيت فيها ساجي، لم أعرف أنني أحلم. كنت أمشي في شارع لا أعرفه، والمطر ينزل بهدوء حتى بدا كل شيء مبللًا ولامعًا، كأن المدينة خرجت لتوّها من ذاكرة شخص آخر. لم أكن أبحث عن شيء، ومع ذلك وصلت إلى مقهى صغير بواجهة زجاجية واسم باهت لم أستطع قراءته. دفعت الباب، فاهتز جرس نحاسي فوقه وأصدر رنينًا قصيرًا.

كان المقهى دافئًا على نحو غريب. تفوح منه رائحة البن والخشب، ومعها رائحة المطر الذي لم يدخل، لكنه ظل عالقًا في المكان. جلست إلى الطاولة القريبة من النافذة، ولم أطلب شيئًا. بعد لحظات وجدت فنجان قهوة أمامي. رفعت الفنجان، ثم توقفت. كانت القهوة مُرّة. عندها قال الرجل الجالس إلى الطاولة المقابلة: تأخرتِ.ِ رفعت رأسي. كان طويلًا، أسمر البشرة، عريض الكتفين، بشعر أسود وعينين سوداويين. كان يحرّك ملعقة صغيرة في فنجانه، لا يشرب، فقط يحركها. قلت: هل أعرفك؟ فقال: ليس بعد. سألته: وأنت تعرفني؟ فرفع عينيه عن الفنجان وقال: منذ وقت طويل. لم أفهم، فاكتفى بابتسامة ثم أضاف: ستعرفينني.

استيقظت قبل الفجر، ولم أتذكر وجهه كاملًا. الغريب أنني تذكرت طعم القهوة.

في الليلة التالية عدت إلى المقهى. لم أندهش حين وجدته هناك. كان جالسًا في المكان نفسه، والساعة المعلقة فوق الباب تشير إلى الثالثة وسبع عشرة دقيقة. دفع الفنجان نحوي قبل أن أجلس وقال: قهوة؟ قلت: أنا لا أشربها من دون سكر. نظر إلى الفنجان وقال: ليس هنا. شربت. كانت مُرّة. ومنذ تلك الليلة صار المقهى يتكرر في أحلامي. لم أكن أبحث عنه؛ كنت أصل إليه دائمًا بالطريقة نفسها، من الشارع نفسه، تحت المطر نفسه. وكان ساجي يعرف عني أشياء لم أخبره بها. يعرف أنني أشم القهوة قبل أن أشربها، وأنني أحرك قدمي تحت الطاولة عندما أغضب، وأنني أكره أن يجلس أحد إلى جواري في الحافلات، وأنني أتأخر دائمًا خمس دقائق عن كل شيء. ذات مرة سألته: من أين تعرف كل هذا؟ فقال: أنتِ التي أخبرتِني. قلت: متى؟ فنظر إليّ طويلًا وقال: قبل أن تتعلمي الكذب. لم أسأله عن معنى ذلك.

بعدها بدأت أنسى. في البداية أشياء صغيرة لا تستحق الخوف: اسم معلمة، مكان وضعت فيه مفتاحي، رقم هاتف حفظته سنوات. ثم وقفت ذات صباح أمام صورة لبيت قديم، وشعرت بضيق مفاجئ في صدري من دون أن أعرف لماذا. سألت أمي عن البيت. سكتت، ثم قالت: لا، إحنا ما عشناش هنا. لكنها لم تنظر إليّ وهي تقولها. في تلك الليلة سألت ساجي: أنت السبب؟ حرّك الملعقة في فنجانه وقال: في ماذا؟ قلت: في النسيان. توقف قليلًا، ثم قال: لو كنتُ أريدك أن تنسي، لماذا جئتِ إليّ؟ قلت: أنا لا آتي إليك. أنا أحلم. رفع عينيه إليّ وقال: هل أنتِ متأكدة؟ استيقظت وأنا غاضبة منه.

في اليوم التالي فتشت خزانة أمي. وجدت صندوقًا خشبيًا صغيرًا في درج لا أفتحه عادة، وكان مغلقًا بشريط قماشي قديم. داخله حجر أبيض أملس، وسيارة لعبة حمراء فقدت إحدى عجلاتها، وشريط أحمر باهت، وصورة. قلبت الصورة، فوجدت طفلة في فستان أصفر، بركبة مخدوشة وشعر مربوط بالشريط نفسه. كنت أنا. كنت أبتسم للكاميرا، لكن عينيّ لم تكونا عليها؛ كانتا تتجهان إلى شخص يقف بجواري. صبي أسمر، بشعر أسود وعينين سوداويين. ظللت أحدق فيه طويلًا، ثم قلبت الصورة. كان هناك تاريخ وتحته:(٣:١٧)، وفي الأسفل، بخط أمي: لو سألتِ عنه، قولي لها إنه سافر.

ذهبت إليها بالصورة. لم تنكر. سألتها: اسمه ساجي؟ أغمضت عينيها وقالت: أيوه. قلت: فين هو؟ هذه المرة لم تقل إنه سافر. قالت: مات. بقيت أنظر إليها. سألت: إمتى؟، فمسحت وجهها بيدها وقالت: في اليوم اللي حصلت فيه الحادثة. قلت: أي حادثة؟، لكنها لم تجب.

في تلك الليلة، حين عدت إلى المقهى، لم يكن كما اعتدته. كان خاليًا. الكراسي مرفوعة فوق الطاولات، والغبار يغطي الأرض، والنافذة معتمة من المطر. حتى رائحة القهوة اختفت. وحدها الساعة بقيت معلقة فوق الباب، متوقفة عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة. كان ساجي واقفًا أمام النافذة. قلت: أنت ميت. قال: نعم. سألته: من إمتى؟ فأجاب: منذ اليوم الذي نسيتِ فيه. قلت: أنا لم أنسك. ابتسم بحزن وقال: بل فعلتِ. اقتربت منه وقلت: لماذا لم تخبرني؟ فقال: كنتِ تعرفين. قلت: لا أتذكر. نظر إليّ طويلًا، ثم قال: كنتِ صغيرة.

عندها سمعت ضحكة من خارج المقهى. التفتُّ، فرأيت طفلة تقف تحت المطر. أنا. عرفتها فورًا: الفستان الأصفر، الركبة المخدوشة، والشريط الأحمر في شعرها، وكانت تمسك السيارة الصغيرة بيدها. دخلت الطفلة إلى المقهى ولم ترني. نظر ساجي إليها، وفجأة بدا أصغر. انحنى أمامها حتى صار في عمرها تقريبًا، وأخذ منها السيارة. قال: خبيها. سألت: ليه؟، فقال:علشان لما تكبري، لو نسيتي، تلاقي حاجة تفتكري بيها، ضحكت الطفلة وقالت:أنا مش هنساك. لم يجب. ربط الشريط الأحمر حول معصمها، ثم قال: لو حصل حاجة، متبصيش وراكي . توقفت عن الابتسام وسألته: ليه؟، وفي اللحظة نفسها جاء صوت فرامل من الشارع، ثم ارتطام، ثم صرخة واحدة. بعدها لم أسمع شيئًا.

قال ساجي من جواري: أنتِ كنتِ خلف النافذة. نظرت إليه وقلت: وأنت؟، لم يجب؛ لكنني فهمت قبل أن يقول. كان في الشارع. انطفأ المقهى من حولي، واستيقظت.

كان الصندوق إلى جواري. السيارة والحجر والشريط في أماكنها، أما الصورة فقد اختفت. مكانها وجدت ورقة مطوية أربع مرات. فتحتها، وكان الخط طفوليًا متعرجًا، كُتبت بعض حروفه فوق بعضها:أنا مش هقول لحد إن ساجي مات، علشان لو قلت هيفضل ميت. ظللت ممسكة بالورقة وقتًا طويلًا، ثم قلبتها. لم يكن على ظهرها شيء. وضعتها في الصندوق وأغلقته.

في المساء صنعت قهوتي. وضعت السكر إلى جوار الفنجان، كما أفعل دائمًا، لكنني لم أضع منه شيئًا. لم أعرف لماذا. كانت أول رشفة مُرّة، وفي الرشفة الثانية تذكرت شيئًا لم أتذكره في الحلم: صوت ساجي وهو يضحك.

ثم سمعت رنين الجرس، التفتُّ. لم يكن في البيت جرس. كان هناك فنجان آخر على الطاولة، فنجان لم أصنعه، وبجواره ملعقة صغيرة موضوعة على حافة الصحن بالطريقة نفسها.

لم ألمسه. اقتربت من النافذة. كانت مغلقة، لكن قطرة ماء كانت تنزل ببطء على زجاجها من الداخل. توقفت عند مستوى عيني، ثم تحركت وحدها. تحتها ظهر خط آخر، كأن إصبعًا غير مرئي يكتب على البخار:تأخرتِ هذه المرة.

لم أصرخ. لم أتحرك. فقط نظرت إلى انعكاسي في الزجاج. وللحظة قصيرة جدًا، لم أرَ امرأة في العشرين. رأيت طفلة بفستان أصفر، وشريط أحمر حول معصمها، وكان ساجي يقف خلفها، عند الثالثة وسبع عشرة دقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *