أحمد زكي شحاتة الخمسون تطرق باب الروح لتزيح مؤشر عدّاد العمر فيحتلّ علامةً إضافية، ولا يزال القلب الطفل معلّقًا بالماضي..
في أقصى شمال الدلتا، حيث تمتد الحقول حتى تلامس أطراف السماء تقبع قريتي الصغيرة كحكاية قديمة لا يعرف تفاصيلها إلا من عاشها.
هناك عرفتُ الشتاء لأول مرة، ليس كأحد فصول السنة الأربعة بل بوصفه ذاكرة كاملة، كان البرد يهبط مع المساء مثل ضيفٍ ثقيل، وتلتف البيوت الطينية حول نفسها طلبًا للدفء، بينما تتصاعد من المواقد رائحة الحطب المبلل فتملأ الأزقة الضيقة بـ«دخانٍ حنون».
صوت المطر فوق الأسطح المرصعة بـ«الجِلّة» كأنه سيمفونية كلاسيكية معقّدة لا تشبهها موسيقا أخرى، القطرات تتساقط ببطء، ثم تتسارع حتى تبدو كأنها حكاية تُروى على عَجَل قبل أن تعود لتتساقط رويدًا رويدًا.
نجتمع حول «الكانون»، فتتوهج وجوهنا الصغيرة بضوء الجمر، وبينما نضطّجع في حجور الجَدّات كانت أحاديث الكبار تتسلل إلى آذاننا خيوطًا رقيقة تبعث الدفء إلى القلوب، كأنها «حواديت قبل النوم»، بينما لا يزال أثر «الحميض» عالقًا بأجوافنا.
فـ«الحميض»، أو ما يسميه إخوتنا من الشوام «حماصيص» كان بمثابة وجبة العشاء الرئيسة في ليالي الشتاء الطويلة، يمدّ أجسامنا بالدفء ويمنحنا طاقة إضافية.
لم تكن قُرانا تعرف ضوء الكهرباء بعد، ولا كانت التكنولوجيا اقتحمت حياتنا فكانت النجوم مصابيح السماء والقمر رفيق السهر الطويل.
وحين يأتي رمضان، يتغير وجه القرية كلها.. في الشتاء كان الليل أطول والبرد أشدّ لكنَّ دفءَ القلوب كان يغلب كل شيء.
«الفانوس الصفيح ذو الشمعة الصغيرة» يتأرجح في يد طفلٍ يسير بين الأزقة، يشق ضوؤه عتمة الدروب فيفتح طريق المستقبل، فيما تكتمل السيمفونية بما يصل لآذاننا من طرقات المسحراتي التي تتأرجح بالمقام جوابًا وقرارًا.
أتذكّر مائدة السحور التي لم تكن تحوي أكثر من طبق «اللفت المخلل» وطاجن الرايب وبضعة أرغفة من «الخبز البلدي»، مائدة بسيطة لكنها عامرة بما يكفي من المحبة لتُشبع الروح قبل الجسد.
أما رمضان الصيف، فله حكاية أخرى.. النهار طويل والحرّ يلف الحقول قائمًا كعمود نار لا يكسره إلّا لُطف الغروب حين يتسلل النسيم القادم مع صوت مؤذن يعتلي سطح المسجد يراقب قرص الشمس فإذا تحقق من سقوطه أطلق مدفعه الخاص «الله أكبر.. الله أكبر»، فتتعالى صيحاتنا من وسط البيادر نردِّد خلفه، يسمعنا أهلونا فيسارعون إلى الماء الزلال ينساب من فِيِّ القلال الفخارية سائغًا للشاربين.
الأَجْرَانُ تَعتَمِرُ بأهلها الذي يلتفون حول موائدهم، وتضاء الفوانيس وننطلق في لعب الـ«استغماية» حتى تدركنا «طبلة السحور».
في تلك الأيام، لم نكن نملك من الدنيا سوى أحلام صغيرة لكنها كانت كافية لتضفي على حياتنا بهجةً وصفاءً، رائحة الحميض ودخان الكانون وغبار الأجران في ساعات اللهو البريء.. ذكريات تداعب خيالي كلّما حلّ رمضان فيتردد صداها في أعماق الروح، ليثبت أنَّني لم أترك قريتي بعد، بل حملتُها بكل تفاصيلها معي إلى القاهرة منذ استوطنتُها قبل نيف وعشرين عامًا.
More Stories
سيكولوجية الإنجاز الملموس.. آليات الروتين اليومي في العصر الرقمي
مستقبل الكتاب الورقي في العصر الرقمي.. بين التحديات وفرص التكامل
«ياسين وبهية».. عبقرية الوجدان الشعبي