2026-06-21

بسمة شعبان تكتب: جنائز الطموح وثورة الأمل.. رؤية انطباعية في «غناوي الغلابة»

بسمة شعبان تكتب عن ديوان الشاعر رابح شهاوي «غناوي الغلابة»: جنائز الطموح وثورة الأمل

أدباتية – بسمة شعبان: رابح شهاوي، شاعر غنائي من طراز خاص، نصوصه نبيلة الجوهر تصور معاناة الفقراء بصدق مؤلم ورجاء دفين في الأمان والعدالة، يتكلم بلسان حال المتلقي الشعبي مستخدما مفرداته، مثل «الجبان – العويل – إلخ…».
معظم افتتاحياته مباشرة مؤلمة تصفع القارئ بالحقيقة دون مواربة وتضعه في مواجهة مع نفسه أمام مرآته، تدخله قلب المعاناة ومعترك الصراع رغما عنه.

يقع الديوان في خمس وعشرين قصيدة، عناوينها بسيطة ومعبرة تتحدث في مجملها عن الوطن العربي الكبير، عن مصر، عن فلسطين، عن البرلس، وعن هموم المواطن الشعبي، ومعظم استهللاته أفعال أمر أو رجاء أو عتاب.

تتعدد الدلالات الزمانية في الديوان، فتأتي أحيانا على هيئة رسائل من الماضي إلى الحاضر، أو من الحاضر للمستقبل.

السمات الرئيسية التي وقفت عليها في الديوان، تدور بين «القهر، الوحدة، التهميش، الاغتراب، الخذلان، الرجاء، السخرية، الرثاء، الحزن، الانكسار، الأمل».

التأثير الشعوري:

أصنّفه شعرا احتجاجيًا يُغنَّى أكثر مما يُقرأ، بما يحمله من ألحانٍ داخلية مكسورة الوجدان تتصاعد النهنهات فيها ثم تذبل في صمت، وهو لا يقدم حلولا للقارئ، لكنه يشاركه معاناته وكأنه ينعى أحلامه ويؤرخ لهزائمه.

الرمزية:

على سبيل الذكر لا الحصر، الديوان حافل بالدلالات الرمزية نذكر منها «الحمام» كرمز للسلام وللحرية، و«الجمل» الذي يرمز للصبر والترحال والوحشة أيضا لارتباط الجمال بالصحاري القاحلة.

في العادي نأخذ على الشاعر تكراره للمعنى لأن خير الكلام ما قل ودل، لكننا نجد الشاعر هنا يكرر ليرسخ معاناته وكأنه يسير في شوارع مدينة قديمة حاملا ذكرياته وطموحه جاذبًا كل من مر بجواره أو أمامه أو خلفه راجيا أن يشاركوه طقوسه في مراسم جنائز الطموح، مرددين معه ترانيم المعاناة، وهذا دليل آخر

وسمة من سمات كتابات رابح شهاوي الغنائية.

ولما كان قالب الأغنية يقوم على:

«استهلال، وكوبليه، وقرار (لازمة)، و(قفلة) خاتمة»، فإنها قادرة دون غيرها من صنوف الإبداع على وضع المتلقين في حالة تأهب دائمٍ ولهفة لا تنقطع لسماع اللازمة التي سيلقيها الشاعر أو يشدو بها المغني فتمس شغاف قلوبهم؛ لذا يحفظونها في دقائق ويرددونها وكأنّ المبدع هو أيضًا متلقٍ يستلهم روحه الإبداعية وتجلياتها من ترانيم الجماهير.

«رابح» «منصور»، وكأنما كأن يتنبأ أبوه بأن رحلته ستكلل بالنصر والجبر والربح، خرج هذا الرجل بمظاهرات على السطور، وجعل من الحروف «كورس» نبيلا عطوفا ثائرا وحكيما في بعض الأحيان، يردد من خلفه الأغنيات بحماس وأمل، فأصبح التكرار هنا للتأكيد لفظًا ومعنى.

الموضوع:

يتسم الديوان بالوحدة الموضوعية والترابط الفكري، قصائده في معظمها ثورية تعبر عن تجربة ذاتية وتحمل همًا جماعيًا.

البنية الفنية:

اللغة بسيطة، صادقة، تلقائية، تتنقل بين المباشرة والرمزية وتحمل في طياتها صورا بيانية وتراكيب لغوية ومحسناتٍ بديعية، كانت لسان حال صاحبها.

الصور الجمالية:

الديوان حافل بالصور الجمالية والبلاغية، مثل:

صـ11 «توّهونا في بحر صمتي»، صـ16 «تايه منك مصيرك»، صـ21 «نرمي جتتنا على الأوطان» – ولو لم يأتِ رابح شهاوي سوى بهذه الصورة لكفته!

صـ23 «ابدروا في الأرض زيف»، صـ29 «ع الحيطان هتشوفي رسمي»، صـ31«صياد شراعه الأمل»، صـ38 «إيديا زي الميزان»، صـ40 «حامل هموم الناس/ ولا عمري يوم نخّيت»، صـ45 «الشدّة تجلي المعادن»، صـ45 أيضًا «ياما عيني شافت سنابل/ طارحة في غيط الحنين»،

صـ52 «تدور بينا السنين/ مرسومة ع الجبين/ تموت الغناوي»، صـ62 «حتى أصبحنا فريسة/ تحت أنياب القرود».

ولأنه لا يوجد عمل بشري كامل خالٍ من القصور، والكمال اختُص به الله وحده، دعونا نلقي الضوء على بعض المآخذ التي نتمنى أن يتفاداها الشاعر في إصداراته المقبلة، باعتبار القراءات والدراسات نظرة من زاوية أخرى محايدة على العمل الأدبي:

(1) – كان يجب على الشاعر إدراج تواريخ كتابة قصائده في الهامش، ليتسنى لنا الوقوف على مراحل تصاعد التجربة الإبداعية من حيث النمو والنضج.

(2) – الديوان تخللته بعض الأخطاء الكتابية والطباعية، وكان يجدر بالشاعر أن يستعين بعيون أخرى لمعاينة الكتاب وإبداء الرأي فيه قبل الطباعة، لأن الشاعر ينصبُّ تركيزه على الفكرة فيغفل عن تفاصيل بسيطة، دونما قصد منه.

(3) بعض الجمل في الديوان لو صيغت بطريقة أخرى لكانت أجمل، وأقصد بالصياغة الأخرى هنا «حذف أو إضافة مفردة»، مثال:

صـ13 «بتلاقيهم تحت رجلك راكعين».. من الطبيعي أن الركوع عند القدمين وإذا كتبت: «بتلاقيهم راكعين»، لأدت الغرض وأوصلت الفكرة دون أن يختل الإيقاع أيضًا.

وفي صـ17 يقول شاعرنا: «يا ابو الحلم الجميل/ يا غازل المواويل»تمسكه بالروي هنا في مفردتي الجميل والمواويل أرهقنا وطغى على الموسيقا.

وفي صـ43: «عاشق أنا للصبر/ أصل الصبر آخره جميل/ وارضى أنا بالمر ولا ارضى اتحني لعويل»

لو حذف «أصل» «وأرضى» لاستقام السياق دون أن تختل الموسيقا.

وختامًا، اوجه التحية إلى هذا المبدع الذي وضعني أمام لغة أخرى لسياق شعري مختلف.

About The Author