2026-06-19

د. أحمد محمود الجبالي يتساءل: كيف نقرأ النص الأدبي بعقل نقدي؟

أدباتية: من أحب العربية أحب نفسه، ومن أتقنها اتسع فكره، ومن خدمها شارك في بناء وعي ينهض بالأمة، احفظوا العربية فإنها وعي يُبنى لا مجد يُروى، ارفعوا رايتها، فإن جذورها ثابتة راسخة، وأغصانها ظليلة ممتدة، وثمارها وارفة متصلة.

أدباتية: من أحب العربية أحب نفسه، ومن أتقنها اتسع فكره، ومن خدمها شارك في بناء وعي ينهض بالأمة، احفظوا العربية فإنها وعي يُبنى لا مجد يُروى، ارفعوا رايتها، فإن جذورها ثابتة راسخة، وأغصانها ظليلة ممتدة، وثمارها وارفة متصلة.أ. د/ أحمد محمود الجبالي.. الحمد لله الذي شرّفنا بها، وجعلنا من أهلها، بالعربية نعلو ونسمو ونزهو.. قبل أن نبدأ، دعوني أسألكم:كم مرة قرأتم رواية وشعرتم أنكم «مخدوعون»؟ أو كم مرة انتهيتم من قصيدة وشعرتم أن هناك صوتاً خفياً لم تسمعوه؟.. ولا بد وأن نعلم قبل أن نبدأ بأن القراءة النقدية ليست مجرد مهارة أكاديمية، بل هي موقف من الحياة. الشخص الذي يقرأ الرواية بنقد، سيشاهد نشرة الأخبار بنقد، وسيستمع للخطابات السياسية بنقد.
الفرق بين القارئ العادي والقارئ الناقد

الفرق بين القارئ العادي والقارئ النقدي هو أن الأول يستهلك النص، بينما الثاني يسكنه. القارئ النقدي ليس قاضياً يبحث عن خطأ، بل هو «محقق» يبحث عن الحقيقة الكامنة وراء الكلمات. اليوم، سننتقل من مرحلة «ماذا يقول النص؟» إلى مرحلة أخطر وأجمل: «كيف يبني النص وجوده؟».

المحور الأول: مرحلة «أبستيمولوجيا» الشك الأدبي

أول جملة لا بد أن توضع في ذهنك عند بداية العملية النقدية قولنا: «لا تصدق الكاتب، صدق النص».

فأولى خطوات العقل النقدي هي فك الارتباط بالعاطفة الساذجة. الكاتب بارع في التلاعب بمشاعرنا، لكن مهمتنا هي مقاومة هذا التلاعب لفهمه. العقل النقدي يرتكز على المسافة النقدية: التي يجب أن يبتعد القارئ عن النص كفاية لكي يراه بالكامل. بمعنى ألا تحكم على النص الأدبي من خلال علاقتك بقائله إيجاباً أو سلباً، وإنما ينبغي لك أن تكون محايداً لعاطفتك ومؤثراتك الخارجية عند الحكم على النص، «وبذلك تستطيع أن ترى النص من بعيد فتتضح لك جميع زواياه، فتكون الدرجة الأولى لديك من سلم الوصول للنقد ظاهرة واضحة محايدة».

المحور الثاني: مرحلة قطع علاقة المؤلف عن النص

وهو ما يسمى في النقد الأدبي الحديث بـ «موت المؤلف» واستعادة سلطة القارئ للنص. ففي ستينيات القرن الماضي، أطلق «رولان بارت» صيحته الشهيرة: «موت المؤلف». ماذا يعني ذلك؟ يعني أن النص بمجرد خروجه من يد الكاتب، لم يعد ملكه. العقل النقدي لا يسأل: «ماذا قصد الكاتب؟»، بل يسأل: «ماذا يقول النص لي الآن؟». تعدد القراءات هو ثراء للنص. العقل النقدي يرفض «المعنى الواحد». «النص العظيم هو الذي يمنحك عشرة معانٍ في عشر قراءات مختلفة».

المحور الثالث: مرحلة البداية النقدية

لكي تتدربوا على العقل النقدي، إليكم هذه «الروشتة» العملية:

القراءة الأولى للنص: ونبدأ بما يسمى بالقراءة الأولى وهي قراءة للمتعة فقط، ولا نحتاج من القارئ أن ينقد أو يحكم على النص، وإنما يقضي وقتاً جميلاً ممتعاً مع النص، فلا يمكن أن نقوم بالحكم على النص ونحن ما زلنا نلهث خلف مفرداته وجمله، للوقوف على أغراضه ومعانيه.

القراءة الثانية للنص (أو القراءات المتعددة): وهي القراءة الهادئة لكل مفردات النص وجمله، وكتابة ملحوظاتك وآرائك في ورقة خارجية أو على هامش النص، بأن تضع علامات استفهام أمام الكلمات الغامضة، أو تعليقاً على جملة راقت لك أو لم ترق لك. التركيز على تلك المفردات والجمل: هل استطاعت حمل المعنى وقامت بوظيفتها، أو كان بالإمكان استخدام مفردات أخرى وأساليب أقوى للدلالة على تلك المعاني والأغراض التي يحملها النص أو تتحملها الأساليب؟ ومن هنا تأتي مرحلة ما يسمى بتشريح النص.

المحور الرابع: مرحلة تشريح النص (تشريح الجسد النصي – المستويات الأربعة)

المستوى الأسلوبي: اللسانيات والأسلوب (المجهر اللغوي) انظروا إلى الأفعال؛ هل هي أفعال حركة أم أفعال سكون؟ إذا كان النص يمتلئ بـ «قال، جلس، انتظر»، فنحن أمام نص يكرس السكون. إذا كان «ركض، صرخ، هدم»، فالنص ثوري. العقل النقدي يراقب المجاز؛ فالاستعارة ليست زينة، بل هي وسيلة الكاتب لقول ما لا يجرؤ على قوله صراحة.

المستوى السردي: هندسة السرد هنا نراقب «السارد»؛ هل هو «إلهي» يعرف كل شيء؟ أم هو راوٍ «مشوش»؟ القارئ الذكي هو من يشكك في مصداقية الراوي. أحياناً يكتب المؤلف نصاً على لسان مجنون ليقول لنا إن العالم كله مجنون.

المستوى السيميائي: سيميولوجيا الرموز لماذا يصر الكاتب على ذكر «اللون الأصفر» في كل فصل؟ العقل النقدي يربط الخيوط ببعضها. الرمز هو «اللغة السرية» بين الكاتب والقارئ النخبوي.

المستوى السياقي: السياق والإيديولوجيا (ما وراء النص) هنا نسأل السؤال الصعب: من المستفيد من هذا النص؟ هل يخدم السلطة؟ هل يهمش المرأة؟ هل يعيد إنتاج العنصرية بوعي أو بدون وعي؟ النص الأدبي هو وثيقة اجتماعية، والقارئ النقدي هو من يستخرج «المسكوت عنه» من بين السطور.

مرحلة المقارنة: بأن نأتي بنصين لموضوع واحد بجانب بعضهما، ونرى كيف عالج صاحب النص الأول الغرض والموضوع وكشف معانيه، وكيف عالج النص الآخر تلك المعاني والأغراض، «من هنا يولد الفكر النقدي».

في النهاية، فالأدب هو المختبر الأول لصناعة العقول الحرة. الكاتب يبني القصر، لكن القارئ النقدي هو من يضيء غرفه المظلمة.

About The Author