22 سبتمبر، 2026

د. طه هنداوي يكتب عن «الأدباتي» سعد الشرقاوي: (1 -3) من الحكاية الشعبية إلى قصيدة تعيش بين الناس

0
د. طه هنداوي - سعد الشرقاوي - شاعر التوتة - أدباتية

أدباتية – د. طه هنداوي: إذا كان الأدباتي في التراث الشعبي هو ذلك الحكّاء الذي يقف أمام الناس، فيلتقط من حياتهم موضوعًا، ثم يعيد صياغته في حكاية ساخرة أو ناقدة أو تعليمية، فإن شعر سعد الشرقاوي يقدم نموذجًا معاصرًا يمكن أن نقرأه من خلال هذا المفهوم.

فالشاعر هنا لا يكتب القصيدة باعتبارها نصًا مغلقًا موجهًا إلى قارئ يجلس منفردًا أمام كتاب، وإنما يكتبها وكأنها موقف أدائي ينتظر جمهورًا يسمعه ويتفاعل معه، إننا أمام شاعر يمكن أن يقول عن نفسه:

«أنا الأديب الأدباتي»

وهذه العبارة ليست مجرد تعريف بالذات، وإنما تبدو كأنها إعلان عن هوية فنية؛ فهو يضع نفسه في موقع الأدباتي الذي يحكي للناس، ويعلق على حياتهم، ويضحك معهم، ويعاتبهم، وينبههم، ثم يترك لهم مساحة المشاركة والتعليق.

أولًا: الأدباتي لا يبحث عن الموضوع بعيدًا عن الناس

من أهم خصائص الأدباتي أن موضوعه يأتي من الحياة اليومية، وهذا واضح جدًا في نصوص سعد الشرقاوي، فهو لا يذهب إلى موضوعات بعيدة عن حياة الناس، وإنما يلتقط موضوعات يعرفها الجميع:

الانتخابات. الوعود الانتخابية. الرشوة. شهادة الزور. حقوق المرأة. الأسرة. التربية. سلوك الناس على مواقع التواصل. السلبيات الاجتماعية.

وهذه الموضوعات هي المادة الخام التي يعمل عليها الأدباتي، فالقصيدة عنده تبدأ غالبًا من مشكلة يعرفها الجمهور، ثم يقوم بتحويلها إلى خطاب شعري ساخر، وهنا تتضح إحدى أهم خصائص فن الأدباتي:

هو لا يقول للناس ما لا يعرفونه، وإنما يجعلهم يرون ما يعرفونه بطريقة جديدة.

ثانيًا: «من أجلكم رشحت نفسي».. نموذج للأدباتي السياسي

في قصيدة: من أجلكم رشحت نفسي

يدخل الشاعر مباشرة في قلب المشهد الانتخابي، ولا يقدم لنا خطابًا سياسيًا تقليديًا، وإنما يصنع شخصية انتخابية ساخرة تتحدث بلسانها.

يقول:

«أنا اللي فوقت من التوهان
لا عاد حشيش ولا عاد دخان
وحلفت عمري ما أكون سكران
ورشحت نفسي عن الدايرة»

هنا تظهر إحدى أهم أدوات الأدباتي: صناعة الشخصية، فالشاعر لا يكتفي بأن يقول إن هناك مرشحًا غير مناسب، وإنما يجعل المرشح نفسه يتحدث، وهذه التقنية تمنح النص طاقة مسرحية كبيرة؛ فالسامع لا يسمع رأي الشاعر فقط، وإنما يكاد يرى المرشح واقفًا أمامه، يقدم برنامجه الانتخابي، والأكثر سخرية أن المرشح يبدأ بالدفاع عن نفسه من اتهامات لا يفترض أصلًا أن تكون جزءًا من برنامج انتخابي!

لا عاد حشيش ولا عاد دخان

وهنا تحدث المفارقة، فالمرشح يعتبر مجرد توقفه عن الحشيش والدخان سببًا كافيًا لكي يصبح صالحًا للترشح!، وهذه المفارقة من أهم أسلحة الأدباتي؛ لأنه يستطيع أن ينتقد ظاهرة اجتماعية كاملة من خلال شخصية مضحكة.

ثالثًا: الأدباتي يعتمد على المبالغة

يستمر المرشح في رسم صورته:

وناس كتير بيحاربوني
ومرشحين بيعاكسوني
بكرة القوايم يجيبوني
وأنجح ومن أول مرة

ثم تأتي اللازمة:

الله الله يا بدوي جاب اليسرا

اللازمة هنا ليست مجرد قافية تتكرر.

إنها تقوم بوظيفة أدائية؛ فهي تمنح الجمهور فرصة للمشاركة، وتفصل بين المقاطع، وتخلق إيقاعًا يمكن ترديده، كما أنها تساعد الأدباتي على الحفاظ على انتباه المستمع، وهذه واحدة من أهم العلامات التي تربط شعر سعد الشرقاوي بفن الأدباتي:

القصيدة لا تُقرأ فقط؛ وإنما يمكن أن تُقال أمام جمهور.

رابعًا: الجمهور شريك في صناعة القصيدة

في القصيدة الانتخابية، لا يبدو الجمهور مجرد مستمع؛ فالصياغة نفسها تفترض وجود جمهور يعرف معنى الانتخابات، ويفهم الوعود، ويدرك المفارقة بين الكلام الجميل والواقع.

يقول المرشح:

من أسبوعين مشغول بيكم
وأحضر بنفسي وأعزيكم
ويوم نجاحي ها أوريكم
حسابي مفتوح في سويسرا

هنا تبلغ السخرية درجة أعلى.

فالمرشح الذي يقول إنه جاء لخدمة الناس يعلن، في اللحظة نفسها تقريبًا، عن «حساب في سويسرا، وهذه ليست نكتة منفصلة عن السياق؛ إنها بناء أدباتي كامل للمفارقة.

فالسامع يعرف الصورة النمطية للمرشح الذي يظهر قبل الانتخابات ثم يختفي بعدها، ولذلك يستطيع أن يكمل النكتة في ذهنه.

خامسًا: الوعد الانتخابي يتحول إلى كوميديا

ثم يقول:

فرصتنا وصلت للعزبة
والحل مش محتاج حسبه
ها جيب لأولادكم فيزبه
وأوظف النسوان بكرة

هنا يستخدم الشاعر أحد أكثر الأساليب التصاقًا بالأدباتي: الوعود المستحيلة أو المبالغ فيها؛ فالمرشح لا يقدم برنامجًا سياسيًا واقعيًا.، لكنه يقدم وعودًا سريعة ومباشرة، وبأسلوب شعبي شديد البساطة، وهذا يجعل المتلقي يضحك، لكنه في الوقت نفسه يجعله يتأمل طبيعة الخطاب الانتخابي نفسه، وهنا نصل إلى وظيفة مهمة في شعر سعد الشرقاوي:

الضحك ليس غاية نهائية، وإنما مدخل إلى النقد.

سادسًا: «حق المرأة» وانتقال الأدباتي من الضحك إلى التوعية

في قصيدة «حق المرأة» تتغير النبرة.

فنحن لا نرى المرشح الساخر، وإنما نرى الأدباتي الذي يقدم قضية اجتماعية، حيث يبدأ قائلا:

أنا الأديب الأدباتي
إنسان بسيط على نياتي
طول عمري با أطلب وبا هاتي
عشان قانون يحمي الأسرة

وهنا يحدث شيء مهم.

الشاعر يضع نفسه داخل النص، فالأدباتي لا يختبئ وراء الشخصيات هذه المرة، وإنما يظهر بوصفه صاحب رسالة.

ثم يستدعي المرجعية الدينية:

استوصوا خير قالها نبينا
ساعة الوداع بيوصينا
ليه الزمان بينسينا
أصول من السيرة العطرة

فالأدباتي هنا يؤدي وظيفة الواعظ الشعبي، لكن دون أن يتخلى عن إيقاعه البسيط ولغته القريبة من الجمهور.

سابعًا: الأدباتي يوصل الفكرة من خلال التراكم

في مقاطع «حق المرأة» نجد الشاعر يعدد صورًا لدور المرأة:

دي حضانة وفصول تقوية
ومدرسة للتربية
وأمهات البشرية
وفي الظلام هيّا القمرة

ثم:
 هيّا اللي صنعت رجالة
وفي المواقع شغالة
دي عمتي وهيّا الخالة
وعلى الظروف دايما صابرة

هذا التعداد ليس عشوائيًا، إنه طريقة أدباتية في تجميع الأدلة أمام الجمهور.

فبدل أن يقول:

المرأة مهمة في المجتمع

يأخذ المستمع من صورة إلى صورة:

الأم، والمدرسة، والعاملة، والعمة، والخالة…وبذلك تتحول الفكرة المجردة إلى صور شعبية مألوفة، وهذا جوهر الحكي الشعبي.

اقرأ أيضًا:

د. طه هنداوي يكتب عن الأدباتي (2-3): اللزمة ودورها في فن سعد الشرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *