الحب في زمن الخوارزميات.. «الذكاء الاصطناعي» صديق وهمي وعزلة اختيارية

الحب في زمن الخوارزميات.. «الذكاء الاصطناعي» صديق وهمي وعزلة اختيارية

أدباتية: كثيرًا ما تصادفنا أبحاث، أو مقالات، أو حتى تغريدات قصيرة تناقش الأثر الاجتماعي للذكاء الاصطناعي. ورغم أن هذا الموضوع لم يعد جديداً على مسامعنا، فإننا اليوم في حاجة ماسة إلى تفنيد هذه الرؤية بموضوعية، والوقوف على الأسباب الحقيقية التي أفضت إلى نتائج قد تبدو كارثية، مسببةً خللاً واضحاً في بنية العلاقات الأسرية والاجتماعية.
في هذا التقرير عبر موقع «أدباتية»، نسلط الضوء على ثلاثة أبعاد خطيرة توضح كيف تسلل الذكاء الاصطناعي إلى عمق حياتنا الاجتماعية.

الذكاء الاصطناعي.. صديق وهمي وعزلة اختيارية

رغم أن مخترعي أدوات الذكاء الاصطناعي ينظرون إليها على أنها آلات تقنية صماء مسخّرة لخدمتنا وتسهيل مهامنا، إلا أننا بدأنا نتعامل معها كـ “صديق وفيّ”. نقصّ عليها ما يدور في يومنا، ونشاركها أتفه الأمور وجُلها، ونقضي معها ساعات طويلة من النقاش المستمر دون الشعور بالملل!

لكن في الجهة الأخرى تكمن الكارثة الحقيقية:
أهلٌ مهمشون: يفتقدون دفء التواصل.
أصدقاء مستبعَدون: تلاشت مساحات اللقاء بهم.
أسرة مفككة: زوجة وأولاد لا نملك الطاقة النفسية لمشاركتهم الأفكار والآراء.
هذا الانعزال أفضى بنا إلى الوقوع في أغلال أدوات مثل «شات جي بي تي» (ChatGPT) و«جيميناي» (Gemini) وغيرها؛ وهي أدوات مبرمجة لا تعرف سوى التصفيق لأقوالنا والمجاملة المستمرة لأفعالنا، مما يغذي غرورنا ويعمق عزلتنا.
حديث أجوف ومشاعر مصطنعة في عصر السرعة
لقد تخطت علاقتنا بأدوات الذكاء الاصطناعي حاجز “الصداقة الوهمية” لتصل إلى تنصيبها في دور المستشار الاجتماعي والعاطفي.
في عالم اليوم، لم نعد نرهق أنفسنا باستجلاء مشاعرنا الحقيقية لكتابة رسالة صادقة تعبر عن محبتنا للطرف الآخر (سواء كان أباً، أماً، صديقاً، أو شريك حياة). بل أصبحنا نأخذ الطريق الأقصر، وهو الأشد هلاكاً لعلاقاتنا في الوقت ذاته؛ نلجأ إلى لوحة المفاتيح لنكتب: أريد رسالة أعبر بها عن حبي لأمي.
نأخذ النص الجاهز، نضغط “نسخ” ثم “لصق” ثم “إرسال” النتيجة.
لا قيمة لحديث أجوف لم يخرج من القلب، ولا منفعة من مشاعر مصطنعة صاغتها خوارزميات لا تفهم معنى الحب!

الذكاء الاصطناعي ناصح غير أمين في حل الخلافاتd
نظر البعض إلى الذكاء الاصطناعي على أنه المنقذ السريع والناصح الأمين. لكن الحقيقة عارية تماماً من هذا التوقع المفرط في التفاؤل. فحينما نقع في مشكلة اجتماعية تكاد تعصف بعلاقات متجذرة لأعوام، نهرول ناحية “المنقذ الاصطناعي” ليصرف لنا حلاً سحرياً من بين وصفاته اللامتناهية.
وسرعان ما يعطينا الحل، ولكن يجب أن نتساءل: أليس لكل داء دواء يخصه؟ فما يصلح لشخص ربما يضر غيره!

الآلة ليست مستشارا لعلاقاتك
أنت الخبير الحقيقي: الطرف الآخر الذي تصادمت معه، أنت خير من يعرفه. أنت تعلم تفاصيل شخصيته، وكيفية تفكيره، ونوع مشاعره، وما يتقبله وما يرفضه.
الطبيب هو المريض: في كثير من الأحيان، إذا كنت أنت سبب المشكلة (الداء)، فأنت وحدك من يملك مفتاح الحل (الدواء).
غياب العاطفة: من العجب أن تلجأ لآلة صماء، بلا قلب ولا مشاعر، لتعطيك حلاً سحرياً تداوي به قلب من تحب، وتستعيد به دفء مشاعره!

في نهاية هذا التقرير من «أدباتية»، نصل إلى خلاصة واضحة لا تقبل اللبس: الذكاء الاصطناعي آلة مسخّرة لخدمتنا في النواحي المادية والعملية والمهنية فقط.
أما في الجانب الإنساني، فيجب أن تبقى هذه الأدوات محظورة اجتماعياً وعاطفياً تحت أي ظرف وبلا أي تبرير، لكي نحافظ على ما تبقى من إنسانيتنا ودفء علاقاتنا الحقيقية.

 

About The Author

a.zaki1977@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *