2026-06-21

«بروزاك».. رحلة الصراع مع الفقد في المهرجان الختامي لنوادي المسرح

أدباتية: شهد مسرح السامر انطلاق العرض المسرحي المصري «بروزاك»، ضمن ليالي المهرجان الختامي لنوادي المسرح في دورته الثالثة والثلاثين، والذي يُقام برعاية الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة، وتنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة برئاسة الفنان هشام عطوة، لتجسيد استراتيجية الدعم المستمر للمواهب الشابة عبر المنابر الفنية المتنوعة في الأقاليم والمحافظات.

يمثل هذا العمل الفني فرقة الدقهلية المسرحية (قصر ثقافة المنصورة)، وهو من تأليف شادي السعيد، وإخراج محمد سليمان، حيث ينتمي العرض لنمط الدراما النفسية الجادة التي تغوص في صراعات الإنسان المعاصر مع ذاته ومع عالم يزداد قسوة وتفككاً، متخذاً من الغرف المغلقة فضاءً مسرحياً وفلسفياً يحاصر فيه البطل ماضيه وحاضره بلا مفر، واضعاً المشاهد أمام ثنائية النجاة والانهيار الحتمي.

تابع العرض المسرحي لجنة التحكيم المكونة من القامات الإبداعية والأكاديمية، وهم المخرج أحمد طه، الدكتور محمد سعد، الدكتور أكرم فريد، المخرج محمد جبر، والمخرج محمد الطايع مقرراً للجنة، وسط حضور جماهيري لافت غصت به قاعة المسرح، وتفاعل واسع مع الأداء الحي للممثلين الذين شكلوا لوحة درامية متميزة على خشبة السامر.

شارك في بطولة هذا العمل الدرامي كتيبة من الطاقات الشابة الواعدة، وفي مقدمتهم: «محمد هاشم، محمد عبد الخالق، فرح باسم، باسم مجدي، عمرو قنديل، ياسمين عبد العزيز، عمرو رضا، أشرف أيمن، أحمد يحيى، وشادي السعيد»، بينما قاد الرؤية البصرية والجمالية للعرض مهندس الديكور محمود عبد الله، ومصمم الإضاءة محمود محسن، بمشاركة المخرج المنفذ أشرف الحلو، ومصممة الماكياج سحر مجدي، ومصممة الملابس أروى لطفي.

أوضح المخرج محمد سليمان أبعاد الرؤية الإخراجية للعرض قائلاً: «إن “بروزاك” ليس مجرد مسرحية، بل هو رحلة نفسية شاقة ترصد صراع الإنسان مع الفقد، حيث يتناول العمل سيرة شاب أصيب بالاكتئاب الحاد إثر فقدان والدته في سن مبكرة، مما عرضه لصدمات نفسية متتالية ومتراكمة جعلته ينظر للحياة والمجتمع المحيط به بصورة ضبابية وسوداوية مغايرة تماماً للواقع الفعلي».

وأضاف سليمان مفسراً البناء الدرامي لتطور الشخصية: «إن العمل يرصد بشكل سريالي، ومن خلال خيالات البطل وصراعه المباشر مع الطبيب النفسي، حالة الرفض المطلق التي يعيشها في البداية، والتي تتحول تدريجياً وبفعل المواجهة إلى تقبل فكرة الفقد والرحيل، ومن ثم التعايش مع الألم الإنساني باعتباره جزءاً أصيلاً لا يتجزأ من التجربة البشرية واستمرار حركة الحياة».

أكد المؤلف شادي السعيد من جانبه أن النص ينطلق من واقع ملموس قائلاً: «إن العرض يتناول بشكل جوهري قضية الاكتئاب لدى الشباب في العصر الحديث، وما يواجهونه من مشكلات معقدة وضغوط حياتية متسارعة، وقدمت ذلك للمتلقي من خلال معالجة رمزية وسريالية واضحة، يتجلى أثرها الإبداعي في الحوارات الثنائية العميقة بين الشاب وطبيبه النفسي بشأن مواقف وتفاصيل تمر بحياته اليومية».

ذكر الفنان محمد هاشم، بطل العرض، تفاصيل اندماجه في تجسيد الفكرة مشيراً: «إنني أجسد شخصية “الشاب” الذي يعيش في دوامة قاسية من الصراع النفسي الداخلي بعد رحيل والدته، وهو ما يدفعه قسراً إلى الانفصال التدريجي عن الواقع المعيش، والدخول في متاهة من الأفكار والمخاوف الذهنية التي تعكس للجمهور حجم المعاناة والألم النفيس المدفون في أعماقه».

أشارت الفنانة ياسمين عبد العزيز، بطلة العمل، إلى طبيعة الدور الإنساني الذي قدمته قائلة: «إنني قدمت دور “الفتاة” التي تمثل طوق النجاة وحالة الهدوء والأمان في حياة البطل؛ حيث كانت الأصوات الغريبة والمخاوف التي تسيطر على عقله وتفكيره تتراجع وتتلاشى مع كل ظهور ملموس لي على المسرح، مما يمهد له الطريق لرؤية حقائق ووقائع غابت عن انتباهه الطويل».

وتابعت عبد العزيز مفسرةً البناء الرمزي لبعض المشاهد: «إن تكرار بعض اللوحات المسرحية بأشكال وصور مختلفة خلال مجريات العرض، مثل مشهد الدكتور جيرارد وزوجته، لم يكن تكراراً مجانياً، بل جاء ليعكس التطور الدرامي لرؤية البطل للأحداث والذكريات بعد ظهور الفتاة في حياته، ودعم محاولات الطبيب المستمرة لمساعدته على استعادة وعيه الفكري بالحقيقة الثابتة».

فسّر الفنان عمرو قنديل طبيعة تجسيده للرمز المسرحي قائلاً: «إنني أجسد شخصية “المر” التي ترمز مباشرة إلى العقل الباطن للبطل وتفكيره الداخلي الصامت، حيث تسعى هذه الشخصية طوال الوقت لمواجهته بحقيقة حالته النفسية المتدهورة ونظرته السلبية والسوداوية للحياة، وندخل معاً في صراعات حوارية وحركية متكررة لإقناعه بالخروج من شرنقة الفتور والانغلاق، حتى تنجح الشخصية في النهاية بإقناعه التام بتقبل العلاج الطبي والنظر إلى الحياة بصورتها الكاملة والمشرقة».

كشف مهندس الديكور محمود عبد الله الأسرار الفنية للسينوغرافيا قائلاً: «إن التصميم البصري قدم بشكل كامل بطابع سيريالي خالص بعيداً عن الأنماط الواقعية التقليدية، وذلك لأن جميع الأماكن والمواقع التي تظهر وتتغير على خشبة المسرح نابعة في الأصل من خيال البطل المضطرب وتحولاته النفسية المتلاحقة أثناء جلسات العلاج والمواجهة».

واستطرد عبد الله معبراً عن التوظيف الحركي للديكور: «إن غرفة البطل كانت تتحول بصرياً وسينوغرافياً إلى عيادة طبيب نفسي أو إلى مشاهد حية مستدعاة من الماضي والمستقبل بناءً على الحالة الشعورية التي يعيشها، ولذلك تم توظيف الممثلين أنفسهم في تنفيذ نقلات الديكور السريعة باستخدام قطع خشبية صغيرة تعتمد على وحدة تصميمية مرنة واحدة وهي “المكعب”، لتشكيل الفراغات المسرحية بشكل متغير ومستمر، كما أن الصناديق المضيئة المعلقة في الفضاء كانت ترمز إلى أفكار البطل، فكانت تضيء مع كل تغير فكري أو انتقال زمني لتعبر عن التحولات الفجائية بين الماضي والحاضر والمستقبل».

أوضح محمود محسن، مصمم الإضاءة، رؤيته الإبداعية مكملاً: «إنني حرصت كل الحرص على توظيف الإضاءة كعنصر درامي فاعل ومحرك للأحداث وليس مجرد وسيلة للإنارة، وذلك لتعكس الحالة النفسية والاضطراب الداخلي لبطل العرض، مع التركيز المكثف بالبقع الضوئية على الانفعالات والتغيرات الشعورية واللحظية التي يمر بها الممثل في مواجهة ذاته».

أعقبت العرض المسرحي ندوة نقدية تطبيقية موسعة، شارك بها الكاتب محمد علي إبراهيم، الناقدة أسماء حجازي، والناقد الدكتور محمد زعيمة، لتفكيك الشفرات الجمالية والدرامية للعرض وتقديم قراءة تحليلية وافية لعناصر السينوغرافيا والأداء التمثيلي.

أشادت الناقدة أسماء حجازي بجرأة الفكرة المعتمدة قائلة: «إن هذا العرض يطرح أفكاراً فلسفية وإنسانية كثيرة، ويعكس حالة حقيقية من التخبط والأفكار المتراكمة والمتداخلة داخل العقل البشري المأزوم، وعلى الرغم من تضمنه قدراً من المباشرة في بعض الحوارات، إلا أنه يزخر في المقابل بالعديد من الدلالات والرمزيات البصرية والسمعية التي تحسب لصناع العمل».

أشار الناقد الدكتور محمد زعيمة من جانبه إلى أهمية التقنيات الفنية قائلاً: «إن التكثيف الدرامي وضبط الإيقاع يعدان من أهم ركائز النجاح سواء على مستوى النص أو العرض المسرحي، وقد جاء تكوين بعض الصور البصرية متميزاً وجيداً للغاية، ورغم أن تقنية الكتابة حملت قدراً من الغموض في بعض فتراتها، إلا أنه غموض مبرر ونابع من طبيعة الشخصية المريضة ومعاناتها النفسية الدقيقة مع بعض الرموز المباشرة».

ثمّن الكاتب محمد علي إبراهيم دور المهرجان في دعم الحراك الفني قائلاً: «إن عروض نوادي المسرح تُعد بحق من أهم وأبرز التجارب المسرحية الحرة على الساحة الحالية، لما تحمله في طياتها من محاولات جادة ومستمرة للبحث، والتجريب، واكتشاف رؤى إخراجية ونصية جديدة، والهدف الأسمى من هذه الندوات هو وضع تلك التجارب الشابة في سياقها الفني الطبيعي، بما يساعد صناع العرض على التطوير الحقيقي والاستفادة القصوى من الملاحظات النقدية الجادة».

يُذكر أن هذا المهرجان الكبير ينفذ بجهود الإدارة المركزية للشئون الفنية والإدارة العامة للمسرح، ويشارك في منافساته الرسمية 27 عرضاً مسرحياً منتخباً من مختلف أقاليم ومحافظات جمهورية مصر العربية، تقدم عروضها يومياً بالمجان للجمهور العريض، على أن يسدل الستار ويقام حفل الختام وإعلان الجوائز يوم الاثنين الموافق 25 مايو الحالي على مسرح السامر.

تستمر الفعاليات بتقديم وجبة مسرحية دسمة؛ حيث يشهد مسرح السامر اليوم الاثنين عرضين مسرحيين لفرقة الشرقية المسرحية، يأتي العرض الأول منهما بعنوان «قابل للتدوير»، وهو من تأليف وإخراج أحمد عبد الرازق في تمام الساعة السادسة مساءً، يليه مباشرة العرض المسرحي الثاني بعنوان «الأخوة كارامازوف»، عن الروائع العالمية، ومن تأليف إسماعيل إبراهيم، وإخراج المخرج الشاب شهاب حسين.

About The Author