أدباتية: مع الانتشار الواسع للأجهزة الذكية التي أصبحت في متناول الجميع، غابت الأهازيج الشعبية وأغنيات الأطفال، وحلّ بدلًا منها مقاطع الفيديو المصورة التي تلجأ إليها الكثير من الأمهات لتسلية أبنائهن وبناتهن، رغم ما تشكله الأجهزة اللوحية من خطر على الأطفال، فهل تراجعت الأغاني الفلكلورية والأهازيج التي لطالما هدهدت بها الأمهات أطفالهن أمام الزحف التكنولوجي، أم أنها لا تزال موجودة بينما تعد التكنولوجيا عاملًا مساعدًا فقط؟!.
يقول الدكتور طه هنداوي الشاعر وكاتب أدب الطفل والمتخصص في علم النفس التربوي إن «الأهازيج والأغاني الشعبية تراجعت، بشكل كبير، حتى أننا لم نعد نسمع منها أو عنها إلا عن قصد، ولم نعد نعرف منها غير المجموع في الأبحاث والكتب المعنية بها».
وأشار د. طه إلى أن الأغنية الشعبية مصطلح لم تعرفه اللغة العربية إلا حديثا، والمصطلح الألماني (Volkleid) صكّه هردر (Herder ) في الثلث الأخير من القرن الـ18، والأغنية الشعبية من إبداع شخص واحد، ثم راحت الجماعة ترددها وتعدّل وتبدّل فيها حتى أصبحت ملكا لها، تعبر عن مشاعرها وآمالها وأحلامها، كما أنها تتنوع وتختلف من مكان إلى آخر ولكن يبقى الأصل الموسيقي ثابتا، وهو ما كانت تلجأ إليه الأمهات في السابق لهدهدة أطفالهن، قبل “الزحف المقدس” لوسائل التواصل الاجتماعي.
وألقى د. هنداوي، بالمسؤولية عن غياب أغنية الأطفال والأهازيج التي كانت ترددها الأمهات، على ثلاثة عناصر أساسية لخصها في “الأمهات، الكتّاب والمبدعين، وسائل السوشيال ميديا”، مشيرًا إلى أن الأمهات الحافظات للأهازيج الشعبية أصبح عددهن قليلا جدا في الوقت الحالي، والباقيات يوصفن بأنهن “دَّقّة قديمة”، بالإضافة إلى انشغال تلك الأمهات في العمل لفترات طويلة، وإرسال أطفالهن إلى الروضات التي تتسابق في تعليمهم لغات وأغنيات وعادات وقيم أجنبية كعنوان للتحضّر، حتى المناسبات الخاصة بالأطفال كالولادة، والسبوع، والطهور،
غابت في الوقت الحاضر أغنياتها وأهازيجها الخاصة تحولت إلى Happy Birthday To you ولم يعد “يا أم المطاهر رشي الملح سبع مرات، ويا رب يا ربنا تكبر وتبقى قدنا..”، وغيرها
وحمّل د. طه هنداوي، المبدعين جزءًا من المسؤولية عن غياب الأهازيج الشعبية، مشيرًا إلى أنّ عددًا قليلًا فقط، بينهم عبده الزراع وطه هنداوي… وعدد محدود من الكتاب، لا يزالون متشبثين بإحياء التراث القديم في قوالب جديدة بينما هرب معظم كتاب الأطفال إلى السهل واليسير مواكبين للحداثة غارقين في الخيال العلمي، أو البراعة في الخداع، أو عمل المقالب، أو الحروب، لا سيما وأن هناك تحديات كبيرة
تواجههم من بينها تكاليف الطباعة والنشر، فما بالنا بمن يحاول إعادة إحياء التراث، كم سيتكلف إنتاجه.
ضرب د. طه مثالًا، لمحاولات إعادة إحياء التراث في قوالب جديدة، مشيرًا إلى تجربته الشخصية في إنتاج سلسلة غنائية للأطفال بعنوان «السمسمية الهنداوية»، قام خلالها هو شخصيًا بدور الكاتب، والملحن، والمؤدي والمصور، والمخرج، كما اضطلع بمهام النشر على «يوتيوب»، وهو ما شكّل عبئًا عليه،، لكنه أنتج 15 حلقة بهذا الشكل استجابة لرغبة الأطفال الذين كانوا يظهرون معه في الفيديوهات مطالبينه بالمزيد، وأضح هنداوي أن محتوى الحلقات يدور حول القيم النبيلة والتقاليد الاجتماعية والدينية، في صورة غنائية حازت على إعجاب الأطفال.
وأضاف «هنداوي» أن السوشيال ميديا تمثل طامة كبرى، ليس لها ذنب، لكنه سوء استخدام منا، فمنذ بداية الفضائيات، درجات الأمهات والآباء على إلهاء أبنائهم بتركهم أمامها دون أن يفحصوا المحتوى أولًا، وهل يتوافق مع تقاليدنا أم لا، ثم هجمت التكنولوجيا بسرعة تطورها وعدم إعداد أطفالنا لاستخدامها الرشيد فيما يفيد.
وحذر الشاعر والكاتب والخبير التربوي من مقاطع الفيديو المصورة التي تلجأ إليها الكثير من الأمهات لتسلية أبنائهن وبناتهن، رغم ما تشكله الأجهزة اللوحية من خطر على الأطفال. واختتم بالقول، إن هذا التحول، وإن بدا عصريًا، يحمل مخاطر حقيقية على نمو الأطفال، إذ يقلل من التفاعل الإنساني ويضعف الروابط العاطفية، فضلًا عن آثاره السلبية على التركيز والخيال.، مشير ًا إلى أن الحفاظ على التراث الغنائي الشعبي ليس ترفًا، بل ضرورة تربوية وثقافية، فالأهازيج والأغاني الفلكلورية تحمل قيمًا ولغةً وذاكرة جمعية، لا ينبغي أن تُمحى أمام زحف التكنولوجيا المتسارع.
More Stories
سيكولوجية الإنجاز الملموس.. آليات الروتين اليومي في العصر الرقمي
تفاعل جماهيري واسع مع عروض “شارع الفن” بالإسكندرية
“ثقافة الهجرة.. بناء الأمة وتهذيب المجتمع” في نادي أدب سيدي سالم