This post contains affiliate links.
أدباتية: حين ندرس الرواية لا بد أن نعلم أن: “أساس الرواية هو الحكاية، والحكاية عبارة عن قصَّ أحداث حسب ترتيبها الزمني يأتي فيها الغذاء قبل العشاء وبعد الإفطار، والثلاثة بعد الاثنين والانحلال بعد الموت“.
والزمن مظهر نفسي لا مادي، ومجرد لا محسوس، ويتجسد الوعي به من خلال ما يتسلط عليه بتأثيره الخفي غير الظاهر، إلا من خلال مظهره في حد ذاته“.
ولذا فنحن حين ندرس الزمن داخل الرواية، ندرسه بشكل مختلف ومغاير لدراسته في شكله المطلق، ولابد أن ندرك أنه:” ويوجد ثلاثة أضرب من الزمن تتلبس بالحدث السردي وتلازمه ملازمة مطلقة هي:
1- زمن الحكاية أو المغامرة، وهو الزمن الخاص بالأحداث والوقائع المروية.
2- زمن الكتابة، ويتعلق الأمر هنا بالمدة الزمنية التي يتطلبها سرد الأحداث وهو طبعا غير زمن الكاتب.
3- زمن القراءة، يعني المدة الزمنية التي سيحتاجها القارئ لإنجاز فعل قراءة عمل حكائي.
حين يترك الروائي عصره بما فيه من أحداث وصراعات، ويتجه إلى الماضي يستقي منه مادة روايته، فإنه يغامر مغامرة كبرى؛ ذلك أن تفاصيل هذا الزمن ومفرداته لا تكون حاضرة في عقله حضور الحاضر المعيش، فلو أخذنا على سبيل المثال أسعار السلع والخدمات منذ ستين أو بعين سنة، سنجد مشقة بالغة في معرفتها، ويتطلب الأمر الرجوع إلى الوثائق الرسمية ومجلات هذا العصر البعيد.
والكاتب قد جعل زمن حدوث الحكاية عقب ثورة يوليو 1952م، في قرية تتبع المنصورة، هذا هو زمن حدوث الحكاية، أما زمن الحكي فهو الزمن الحاضر، الزمن المعاصر، أما زمن القراءة فهو مفتوح للجيل الحالي والأجيال التالية.
هذا هو الزمن الخارجي للرواية، أما الزمن الداخلي، وهو مدة الأحداث ذاتها فإننا نستنبطها من داخل العمل، فقد بدأت الأحداث عقب ثورة يوليو بأكثر من عام، ولكننا لا نقف على سنة نهاية الأحداث بالضبط، فلم يقيد الكاتب الأحداث داخل الرواية بخلفية سياسية تاريخية يمكن الركون إليها، فالكاتب يستغرق فترة حكم الرئيس جمال عبد الناصر، ويتعداها لفترة حكم الرئيس السادات، حيث كان أخواه صغيرين في سرايا العمدة رزيقة، ثم كبرا وتخرجا في الجامعة وتعين أحدهما في وزارة الخارجية. وهذا يستغرق على الأقل عقدين من الزمان.
ونلحظ ذلك من الحوار التالي: “شاهد ابن العمدة الذي يعتبره بحسب ما جرى من أحداث أنه أخاه( ) ، طفل جميل الملامح ، أبيض البشرة، نظيف في كل شيء، ملابسه تليق به كابن من أبناء الأكابر، يقترب الطفل منه، في براءة وفضول الأطفال يتطلع إليه، فيسأله زناتي في تودد وملاطفة:
– اسمك إيه
– أنا اسمي وحيد العمدة
– عندك كم سنة يا وحيد العمده
– عندي 7 سنين
– واخوك الكبير فين
– دا ش كبير، انا اللي كبير، هارون أخويا عنده 5 سنين، ونايم في سريره.
كانت الرواية في هذا اللقاء قد قاربت السنة من الأحداث، ونستمر مع الزمن الروائي حتى يتخرج وحيد في الجامعة ويحصل على وظيفة مرموقة، وهذا يستغرق على الأقل خمس سنوات المرحلة الابتدائية، ثم ست سنوات إعدادي وثانوي وأربع سنوات جامعة، ثم تأدية الخدمة العسكرية، وهذا كله يستغرق أكثر من سبع عشرة سنة، وكان قد حصل على خمسة فدادين ونزعت عنه بعد وفاة العمدة، أي أننا قد صرنا في عهد السادات، وهذا كله يؤكد أن الزمن داخل الرواية يتجاوز العشرين سنة كاملة.
يقول الكاتب: “أقيمت الأفراح بعدما صدر قرار تعيين وحيد رزيقه ابوسليمان بوزارة الخارجية، عمَّت الفرحة أرجاء الكفر، وكثُرت الحكايا والتفسيرات حول ماهية الوظيفة الجديدة ومسماها“.
ثم إن زناتي عاش بعدها مدة غير محددة.
والكاتب يضعنا في زمن مباشر وحسي نشعر به بالساعة واليوم ويضعنا أمام سنوات طويلة لا ندري كيف مرت، يصف الكاتب تلك الحقبة قائلاً:” تخلو القرية في تلك الحقبة من الزمن من وسائل التسلية، تلفازها حكاوي الصييت، ومذياعها من يتفنّون في جمع الأخبار مثل وهدان، فهو يحمل نشرة أخبار متنقلة، جاهزة دوماً لإشباع نهم السائلين عن حكاوي الكفر وما يحدث به”.
وهكذا يجيء بناء الزمان في الرواية زمانًا خارجيًا لم يهتم الكاتب بإبراز ملامحه السياسية، وزمان داخلي ركز على جزء منه، وتجاوز عن الجزء الأكبر منه، معولاً على قدرة القارئ والمتلقي في استنباط تلك الفترة من الزمن.
إلا أنه طالما ارتكز بناء الرواية الموضوعي والفني كله على ما فعلته ثورة يوليو من إعادة توزيع الأراضي الزراعية على الفقراء والمعدمين، فكان لا بد أن يتسلم هذا الخيط السياسي خيط آخر، وخاصة أن الكاتب حشر الزمن وضغطه ضغطاً شديداً في الكثير من المواضع، ولا يكون ثراء زناتي الفاحش إلا في عصر جديد، فعبد الناصر كان يمنع الثراء ويحارب الأثرياء، وسار على نقيض هذا الاتجاه خلفه الرئيس أنور السادات الذي لم يرد ذكره مطلقاً في الرواية.
About The Author
Post Views: 22