بوح من الأدب الشعبي «حكايات الفلوكة».. أحدث إصدارات دار البديع العربي

بوح من الأدب الشعبي «حكايات الفلوكة».. أحدث إصدارات دار البديع العربي

أدباتية – خاص: صدر حديثًا عن «دار البديع العربي» للطباعة والنشر إصدار جديد للشاعر عبد الحميد عويس، يحمل عنوان «حكايات الفلوكة».
ويقول الشاعر والناشر رانيه متولي بلاط، إن عبد الحميد عويس يقدم في هذا الديوان تجربة مختلفة في الأدب الشعبي، شهدت تطورًا ملحوظًا مقارنةً بإصداره الأول «من حكايات البحيرة» الصادر في عام 2025م.
وتابع، أن الشاعر عبد الحميد عويس يغوص في تفاصيل الحياة اليومية لمجتمع الصيادين والفلاحين، مستلهمًا إيقاعاته من قلب البحيرة وعراقة النيل، وكأنه صياد ماهر يلقي بشباكه في قلب البحيرة فيستخرج لنا نصوصا نابضة بالواقع المعاش.

يأتي الكتاب في طبعة أولى لعام 2026، بتصميم غلاف للفنانة منى شومان، ويُستهل بإهداء خاص من الإذاعي الكبير أشرف فتحي، الذي وصف الشاعر عويس بأنه «صاحب القلب الكبير الذي استلهم شعره من البحيرة والمراكب ومجتمع الصيادين»، مشيدًا بقدرته على تحويل شباك الصيد وأمواج البحيرة إلى ملحمة إبداعية.

تتسم نصوص الديوان بالصدق العفوي واللغة العامية القريبة من وجدان القارئ البسيط، إذ لا يتكلف الشاعر في صياغة صوره، بل يستمدها من «نبض البحيرة» ومفردات الشقاء اليومي.
يتناول عويس في قصائده قضايا متنوعة، فتارة يكتب عن الهوية الوطنية وحنين الإنسان العربي لقضاياه المصيرية كالقضية الفلسطينية، وتارة أخرى يغوص في تفاصيل الفقر والعمل الشاق، والمقارنات اللاذعة بين أحلام البسطاء وواقعهم المعاش، مستخدمًا في ذلك أسلوب «الحكاية» التي تمتزج فيها الواقعية بالخيال الشعبي.

وعلى الرغم من تواضع هذه التجربة الأدبية، إلا أنها تنجح في خلق جسر من التواصل مع القارئ من خلال عفوية الطرح وقربها من هموم الشارع، فالشاعر لا يعتكف داخل برج عاجي ليطل على الناس من علٍ، بل يضع نفسه في صف «الصياد اللي بيسرح في الفجر ويخلص ع الضُهرية»، معبرًا بصوتٍ صادقٍ عن أحلامه البسيطة في بناء بيت أو زواج أبنائه، أو حتى معاناته مع أدوات الزراعة والعمل.
كما يبرز في الكتاب الحس الوطني للشاعر، حيث يمتدح قيم العروبة ويقف متباهيًا بالجيش المصري، مستحضرًا ذكرى عبور أكتوبر، ما يضفي على الديوان بُعدًا قوميًا يمتزج مع طابعه الوجداني والاجتماعي.

يُعد ديوان «حكايات الفلوكة» محاولة جادة من الشاعر عبد الحميد عويس لتوثيق روح الريف والبحيرة، وتقديم حروف ليست مجرد قصائد، بل حكايات حية تنبض بالصدق، وتجسد علاقة الإنسان بالأرض والماء، في تجربة أدبية تعكس بوضوح فلسفة الكاتب في الانحياز الدائم للبساطة والجوهر الإنساني

يقول الشاعر والإذاعي أشرف فتحي – كبير مذيعي وسط الدلتا – حول الديوان: «في حضرة الشعر، لا تكون الفلوكة مجردَ قاربٍ يعبر الماء، بل تصبح ذاكرةً تمخر عباب الزمن، وتحمل على شراعها حكايات الناس، وملامح المكان، ودفء التراث، وصدق المشاعر».

ويضيف: «اليوم، يطل علينا الشاعر عبد الحميد عويس بديوانه الجديد «حكايات الفلوكة»، وكأنّه لا يقدّم لنا كتابًا من الشعر فحسب، بل يدعونا إلى رحلةٍ في قارب الكلمة.. نبحر معه بين ضفاف الذكريات، ونستمع إلى همس الماء، ونصغي إلى حكاياتٍ وُلدت من رحم المكان، وصاغتها روح شاعرٍ يعرف كيف يحوّل التفاصيل الصغيرة إلى قصائد كبيرة».

ويشير أشرف فتحي، إلى أن الفلوكة في ديوان عبد الحميد عويس ليست خشبًا ومجدافًا وشراعًا، بل إنها رمزٌ للرحلة ومرآةٌ للإنسان وذاكرةٌ تسير فوق الماء، تحمل حكايات الأمس إلى شاطئ اليوم، وتترك في القلب أثرًا لا تمحوه الرياح.

ويتابع، «حين يكتب الشاعر عبد الحميد عويس، فإنّه لا يصف المشهد من بعيد، بل ينزل إلى قلب الحكاية، ويستخرج من ضفاف الحياة ما قد يمرّ عليه الآخرون عابرين، فيمنح الأشياء صوتًا، وللذكريات حياة، وللمكان لسانًا يتحدث بالشعر».

ويهتتم بالقول، إن «حكايات الفلوكة» عنوانٌ يفتح أبواب الخيال على مصاريعها، فكل موجةٍ فيه قد تكون بيتًا من الشعر، وكل مجدافٍ قد يكون سطرًا، وكل شراعٍ قد يحمل قصيدةً تبحث عن قارئٍ يبحر معها، فمرحبًا بديوانٍ جديد، ومرحبًا بشاعرٍ يواصل رحلته في نهر الإبداع، ويثبت أن الشعر الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيجٍ كي يصل، فربما تكفيه فلوكةٌ صغيرة، وشاعرٌ صادق، وحكايةٌ تعرف طريقها إلى القلب.. مبارك للشاعر عبد الحميد عويس صدور «حكايات الفلوكة»، ومبارك للشعر هذا المولود الجديد، الذي نرجو أن يجد مكانه بين دفاتر القراء، وأن يواصل إبحاره من قلب الشاعر إلى قلوب المحبين».
يذكر أن عويس من مواليد قرية دمرو الحدادي عام 1978م، هناك في أعماق الريف، حيث تتكئ البحيرة على كتف البحر، ويمتزج العرق بالغناء الشعبي، ولد عبد الحميد أحمد السيد، الشهير باسم عبد الحميد عويس في قرية دمرو الحدادي، التابعة لمركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ.

هنا، بين خضرة الحقول وهدير السواقي تشكل وجدانه الأول، وتفتحت في روحه براعم الحرف قبل أن يعرف أبجدياته تماما.

حين وصل إلى المرحلة الإعدادية، دأب الجيران والأصدقاء على استدعائه لكتابة الخطابات التي يرسلونها إلى ذويهم في الخارج، ولا سيما في دولة العراق، فكان يتفنن في خط عبارات تعبر عن اشتياق الأمهات لأبنائهن، أو لهفة الأطفال لمعرفة أخبار آبائهم، ولا ينسى أن يلغم الخطابات بكلمات حب لا تحكيها الزوجات بشكل صريح بل يشعر بها من خلال ما تمليه عليه لإرساله إلى زوجها.

وفي صيف العام ألف وتسعمئة وتسعين، يتوافد العاملون في العراق زرافات ووحدانا عقب غزو الكويت الذي تبعه اضطرابات سياسية واجتماعية واقتصادية، فلم تعد العراق ملاذا آمنا للراغبين في العمل بالخارج، ولم يعد يستدعيه أحد لكتابة مراسلات.

فأمسك بقلمه وكراسته وراح يخط ما يعن له، فيأتي مسجوعا أحيانا ومنثورا في أحايين أخرى، فأخبره زملاؤه في المدرسة أن ما يكتبه هو الشعر.

فراح يغازل القصيدة، فتتماهى معه مرة وتستعصي مرات.

وحين داهمته قسوة الواقع، ترك الدراسة الثانوية طوعا، وخرج إلى الأرض ليعين والده في الأعمال الحقلية، حاملا المعول في يد وحلم القصيدة في اليد الأخرى، وكأنما يحرث الحياة ليزرع فيها المعنى.. فانطلق يقول:

أنا صياد 

باجيب البط متكتف

واصيد الديب ف قلب الهيش

وعمرى ما اخاف

وليا ف المحيط علامات

مراكبي وليا ألف شراع

أنا شاري ومش بياع

صاحب صاحبي وعمري ما اخون

يكتب نصوصا بالعامية الشعبية في قالب تلقائي كأنه يكتب بلغة الماء والطين، بلغة الناس الذين لا يملكون إلا الصدق، نصوصه أشبه بحكايات تروى على عتبات البيوت في المساء، تمزج الشجن بالسخرية، والوجع بالأمل، والواقع بالأسطورة.

تجربة عبد الحميد عويس التي تعجل بإصدارها في كتاب «من حكايات البحيرة»، متواضعة في بنائها لكنها تحمل روحا غير عادية فتمضي بخطى وإن كانت بطيئة إلا أنها تقطع في كل يوم شوطا جديدا على طريق الاكتمال، كزرع ينمو على مهل، يتغذى من صبر الأرض وإصرار صاحبها، مرددا:

محتاج صوباع طباشير

وسبورة

وتخته حتى مكسورة

وقعدة هنية ع الترعة

أفك الخط وأكتب لك

ديوان مطبوع بأشواقي

وفي موازاة رحلته الإبداعية، أسس مشروعه الخاص في تصنيع وتجارة الأعلاف والمزارع السمكية، وكأنه يواصل حواره مع الأرض والماء على نحو آخر، يجمع بين الفعل والإبداع، بين القوت والمعنى، فهو ابن بيئته بحق يزرع ليأكل، ويكتب ليحيا.

وفي سبتمبر من عام 2025، صدر كتابه الأول «من حكايات البحيرة»، كتب نصوصه كما يعيش، وتعاطى مع حكاياتها كما يكتب ببساطة مدهشة، وتلقائية لا تضاهى.

عبد الحميد عويس.. صوت خرج من طين الأرض ليقول إن الإبداع ما زال قادرا على التنفس بين أيدي البسطاء، وإن الحكايات لا تموت ما دام هناك من يرويها بقلب صادق وعزيمة لا تفتر أبدا.

About The Author

odbatya

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *