2026-06-20

حميد المصري يكتب عن «غناوي الغلابة»: صوت الكلمة العالي في ديوان رابح شهاوي

أدباتية: هذا الديوان الشعري الذي طال انتظاره للصديق الشاعر البرلسي المبدع رابح شهاوى، والذي سماه «غناوي الغلابة»، هو مجموعة تتكون من 25 قصيدة من شعر العامية المصرية، كُتب أغلبها قبل ثورة 25 يناير2011، وتتجاوز -هذه القصائد- حدود التاريخ والجغرافيا لتعَبِّر ببساطة وعمق وبلاغة وجمال عن هموم وأفراح وآمال وآلام الناس في كل مكان وزمان..
من أهم ملامح وركائز معظم قصائد الديوان أنها تنطلق من انحياز
الشاعر ومحبته لأهله وناسه من شعبنا المصري الأصيل، تحت مظلة العشق الكبير لوطنه الأم مصر، وفي القلب منها موطنه ومسقط رأسه برج البرلس؛ بنفس القدر الذي يتعاطف فيه مع هموم وقضايا أمته العربية، وفي القلب منها قضية العرب الكبرى فلسطين.
يعبّر رابح شهاوي عن كل ذلك بلغة بسيطة آسرة جسورة تتقاطع بشكل ما، في قياس مع الفارق، مع الروح العامة والقاموس الخاص لأعمال الفاجومي الراحل العظيم أحمد فؤاد نجم.

الديوان صدر في طبعته الأولى 2025 عن دار نشر «البديع العربي» في 80 صفحة من القطع المتوسط بغلاف أنيق من تصميم الفنانة منى شومان، وأهدى الشاعر ديوانه إلى «كل عربي حر، مؤمن بالوحدة العربية، ولكل مناضل دافع عن القضية الفلسطينية»، واختار للكتابة على ظهر الغلاف هذا المقطع الدال الشجي من قصيدة «حلم الغلابة»: «حلم الغلابة بالأمان/ في بلدنا أصبح مستحيل/ أصل الغلابة من زمان/ ملهمش عزوة ولا نصير/ تلقى الجبان فارس هُمام/ والحظ ف إيدين العويل».

ولا شك أن أكثر ما يُسعد أي شاعر هو قراءة وانتشار أشعاره، انعكاسًا على مرايا النقد اللامعة لا المطفأة، وبكل وسائط المعرفة المتاحة، مكتوبة ومسموعة ومرئية، وفي هذه القراءة القصيرة سنقتطف من بستان رابح شهاوي ما تيسر من زهوره الفواحة وثماره الغضة.

من قصيدته «حلم الغلابة» يصف نفسه: «واكتب على حيطان البلد/للذكرى كان فيه ولد/كات غنوته حب البلد/غلبان بيحلم بالأمان»، ثم يجيب عن سؤال خاص في قصيدة أخرى: «بيسألوني مين حبيبتي/بيقولوا لي تبقى مين؟ /إنتي جولييت الجميلة/ وانتي عبلة وانتي ليلى/ في ليالي الملهمين/ بيسألوني ونفسي أسأل يا بهية/ليه حبايبك ينكووا كوية ياسين».

وفي إحدى أشهر قصائده «مفيش أمل» يقول: «احرق أوراق تاريخك/ادفن كل القيم/ ماعاد يفيد صريخك/ ما عُدت تُحتمل/ يابو اللسان صريح/ عايش عمرك جريح/ بتعاني من الألم/ احرق أوراق تاريخك/ احرق حتى الأمل».

ومن قصيدة «هلوسة ف طابور العيش» يرصد لحظة لواقع غابر ما زال يلقى بظلاله على الحاضر وربما المستقبل فيقول: «رسيني على وضع يا خال/عقلي شت من الأحوال/الجيب فاضي ودخل مفيش/وانا بحلم برغيف العيش/وغموسي لو جبنة قريش/ع الحال دا ونفس المنوال/رسيني على وضع يا خال». وفي مقطوعة «أمانة يا طير» يرسل رسالةً ذاتَ مغزى عن معنى الغربة والغرابة فيقول: «يا طير يا مروَّح/سلم على الأحباب/غريب ومتسوَّح/مين اللي رد الباب/خلّاني اسيب عشي/وف غربتي أمشي/وانا اللي قلبي يا طير/كان للأحبة كتاب».

وفي إحدى أروع قصائد الغلابة «جواب» يرسل رسالته للماضي والحاضر والمستقبل فيقول في مجتزأ منها: «سلموا لي ع البلد/ وابعتوا ليها جواب/سلموا لي ع الولد/وابعتوا حفنة تراب/سلموا لي ع الشوارع/ ع القرايب ع الصحاب»، ثم يواصل بعد فاصل: «راجع اكتبلك غناوي/ واقرا شعري ف القهاوي/ لسه انا عاشق وغاوي/ وانتي آه يا ليل يا عين»، ثم يختم جوابه صارخًا:

«إن قدرتي يا حلوة تنسِي/ ع الحيطان هاتشوفي رسمي/ع الورق راح تقري اسمي/بصي لفروع النخيل/ بصي لعيون الغلابة/ واللي داب مغرم صبابة/ والقلوب المجروحين/ تلاقيني يا حلوة جنبك/ عايش الحلم الكبير».

وعن بحيرة البرلس، أيقونة الإقليم ومصدر الرزق والحياة يمدح ويعاتب في قصيدة «موال البحيرة»: «متزينة بالجُزر.. متعطرة بالورد/يا جنة الرحمن.. الله عليكي بجد/سحرك يفوق الحد/صياد شراعه الأمل/ساعة أدان الفجر/شايل همومه بثبات/ لا يهمه عصف البرد/طارح شِباكه بإيمان/عازف أغاني الود/رغم الهموم الكتير/مرزوق بصبر وكد/لا يهمّه طاغي اعتدى/أو علَّا جسر وسد/لأن بحرِك صفا/لكن في غضبه الرد/على كل من يعتدي/أو في الجمال بيهد».

وبصيغة الأمر الصارم يؤكد ويحث على قيمة الكرامة الإنسانية فيقول: «حافظ ع المبدأ ويقينك/ أو خط انت رسمته لنفسك/ إوعى هموم الدنيا بحالها تنسيك إسمك/ واللي يساومك أو هايحاربك/ إِشهِر سيف الحق قصاده/ وافضل فارد وِشّ صلابتك/ خلي نهايتك نفس بدايتك/ صِدقك كلمة ف وِشِّ الظالم/ صدقك دايمًا هو سلامتك».

وفي شهادته للزمان يعترف بشفافية تشي بحلول (الحبيبة/بنت البلد) في الوطن واتحاد الوطن بها: «عاشق وهوايا رماني/على حلوة وبنت أصول/ساكنة خيالي وكياني/ وف حبها مأسور/واموت فدا إسمها/لاجلن يعيش منصور/وافرح لها بنصرها/وف حزنها أنا اثور/يا بلدي يا موّالي/ يا عروسة البحور/هاتعيشي يا برلس/أحلى بنات الحور».

وعن ثنائية البحيرة والصياد يقول مبدعًا ومتألقًا: «صياد وصيد السمك/مهنة أبويا وأجدادي/ وحبي لبلدي البرلس/ساكن ف عقلي وفؤادي/أنا بَعبُر الموج ف عز الريح/ ولا اخَافشي/ ومهما طال السفر والليل/ عيني ما تغفلشي/ناصح ف صُنع الشراع/وف رمي الشبك خِفّة/ مش أي ريس يا ريس/يمسك الدفة».

وفي قصيدة «شيال الهموم» يرتدي قناع الفيلسوف الشعبي البسيط/العميق معًا فيقول:

«العدل روح العبادة/والحق عندي أساس/افتح كتاب الألم/ واكتب وقول يا زمن/ كما يجري نهر النيل/أنا لا صاحب علوم/ف كتاب ولا كراس/لكنَّ عشق الوطن/جوايا مبدأ أصيل/ولا يوم صاحبت الخسيس/ولا اشتريت الرخيص/وكل قلبي مودة/لشعب مصر النبيل».

وفي «موال الصبر» يتماهى مع إحدى أهم سمات الشعب المصري العظيم، بمخزونه الحضاري الضارب بجذوره في أعماق التاريخ: «عاشق أنا للصبر/والصبر آخره جميل/وارضى أنا بالمر/ ولا اتحني لعويل/ علقم يا صوت الحق/لكن تشد الحيل/ عاشق أنا للصبر/ والصبر موّالي/ ولساني فرسي الأصيل/ وضميري راسمالي /مهما الزمان الردي/خلاّ الخسيس عالي/ ومهما زيف العيون/ خلا الرخيص غالي».

وفي وصلة «عتاب» شجية يفرفط حبات دمع القلب الثخينة قائلا: «أنا ليكي وانتي ليا/ إزاى تقسي عليا/تبعد بينا الخطاوي/ وتموت فينا الغناوي/ مجروح ومين يداوي/قلوب العاشقين/ وانا صوتي كان زمان/ يملا براح المكان/ كنت ارسم ليكي فرحة/ واحلم لِك بالأمان/ كنت احكيلك واقول/ واهزم كيد العذول/ ولما اصرخ واثور/ أصحِّى النعسانين/ أنا مش ناسي وِتَارك/ انا لسه اقدر أشارك/ لسه عندي إرادة/واقدر أخوض المعارك/ حبي مش راح يموت/ قلبي ما يعرف سكوت/ أنا صوت المجروحين/كده بردو يا بلدنا/ تدور بينا السنين»؟!

ويؤرخ رابح شهاوي في قصيدته «من هنا شهد التاريخ» لمعركة البرلس البحرية المجيدة إبّان العدوان الثلاثي على مصر في يوم 4 نوفمبر 1956 والذي تحتفل فيه محافظة كفرالشيخ بعيدها القومي، حيث يقول: «من هنا شهد التاريخ/ من هنا يحكي الزمان/ يحكي حدوتة بلدنا/ اللي نرويها لولادنا/ يوم ما كنتي يابلدنا/ للوطن حصن وأمان/ من هنا شهد الزمان/ يا جميلة يا برلس/ يا أصيلة وبنت ريس/عالية يا بنت المعارك/ غالية في حِلْوِك ونارِك/ الجموع جايه تبارك/ إبنِك البطل اللي شارك/ الدسوقي وجول جمال».

وفي رسالة مفعمة بالإصرار والأمل إلى فلسطين السليبة، ووردة العرب الجريحة يقول: «أبكي بدمع العين/أصرخ وقلبي حزين/ أنادي ع السنين/ على بدر على حطين/ فين العرب يا ناس/ ليه الشرف ينداس/ عود ياصلاح الدين/ ياقدس يا دُرَّة/يا أقصى زاد الحنين/ ومهما طال البعاد/ أنا جاي يا فلسطين».

وهكذا يمضي شاعرنا المبدع طوال رحلته الثرية المثيرة، يسجل بصمته الخاصة ويوقع بحروف من نور في سجل تاريخ الوطن. وفي النهاية أهدى رابح شهاوي، وكل النبلاء الذين يذودون عن قيم الحق والخير والجمال والحرية والعدل، في كل مكان وزمان، هذه الرباعية التحريضية، شديدة الخصوصية: «شايل هموم الوطن ومين قدك/ يا حلو يا للي الهرم مرسوم على قدك/ كبَّر دماغك دا ماعادش فيه فايدة/ تبني ف حيطان الأمل ويفكروا ف هَدَّكْ.»
اقرأ أيضًا: 

د. طه هنداوي يكتب: «الطوفان».. قراءة في ديوان «غناوي الغلابة» لرابح شهاوي

About The Author