كان يمر بين الناس في هدوء، بلحيةٍ طويلة، وملامحَ توحي بالوقار، وكلماتٍ محسوبة، حتى ظن الجميع أنه رجلٌ لا يعرف الأذى طريقًا إلى قلبه.
قالت النساء عنه:
“رجل يخاف الله”
وقالت أمهات البنات:
“يا بخت من تتجوزه”.
تزوج للمرة الأولى، ولم يطل زواجه.
خرجت زوجته من البيت مكسورة، لا لأنها لم تحبه، ولكن لأنها اكتشفت أن خلف ذلك المظهر رجلًا شديد البخل، قاسي القلب، لا يعطيها حقها من المودة ولا من الأمان. وحين انتهى الزواج، لم يكتفِ بالطلاق، بل طعن في شرفها، وترك وراءه جرحًا لا يراه الناس.
ثم تزوج للمرة الثانية.
كانت هي مختلفة.
لم تنظر إلى لحيته، ولا إلى ثناء الناس عليه. نظرت إلى الإنسان الذي ظنت أنه يسكن خلف ذلك الوجه الهادئ.
أحبته.
أعطته من حنانها ما لم يطلبه، ومن مالها ما لم يكن مضطرًا إلى طلبه، ومن وقتها واهتمامها ما جعلها تنسى نفسها أحيانًا. وقفت بجانبه في أوقات ضعفه، واحتملته في أوقات غضبه، وكانت تبرر له ما لا تستطيع تبريره لنفسها.
لم تكن تريد منه ذهبًا ولا بيتًا ولا حياةً مثالية.
كانت تريد فقط أن تشعر أنها اختارت الرجل الصحيح.
لكن الرجل الذي ظنته سندًا، كان هو أول من تركها.
وحين رحل، لم يأخذ معه أشياءها فقط
أخذ معها شيئًا من ثقتها في نفسها، في الناس، في معنى أن يعطي الإنسان قلبه كاملًا لشخص.
جلست ذات ليلة وحدها، وأخذت تكتب له رسالة لم تكن تعرف إن كانت ستبعثها أم ستدفنها مع بقية أحلامها!
رسالة عتاب إلى رجلٍ ظننتُ أن مظهره يشبه قلبه.
لماذا فعلتَ بي هذا؟
هذا هو السؤال الذي ظللتُ أبحث له عن إجابة، وكلما حاولتُ أن أجدها، عدتُ إلى نفس النقطة:
ماذا كان ينقصك؟
أعطيتك الحب.. فهل كان كثيرًا عليك؟
أعطيتك الحنان.. فهل أزعجك أن تجد امرأةً تخاف عليك؟
وقفت بجانبك.. فهل كان وقوفي بجانبك ذنبًا؟
أعطيتك من مالي، من وقتي، من راحتي، ومن عمري… فهل كان جزائي أن تتركني وكأنني لم أكن يومًا شيئًا في حياتك؟
أنا لا أعاتبك لأنك رحلت.
فالقلوب لا تُجبر على البقاء.
لكنني أعاتبك لأنك جعلتني أندم على كل شيء جميل فعلته من أجلك.
كنتُ أظن أن الرجل الذي يتحدث عن الدين، ويبدو عليه الصلاح، سيكون أرحم الناس بقلب امرأةٍ أحبته.
كنتُ أظن أن اللحية يمكن أن تكون عنوانًا للتقوى، وأن الكلمات الطيبة دليلٌ على القلب الطيب.
ثم اكتشفت أن الإنسان قد يحمل على وجهه ملامح الصلاح، بينما يحمل في داخله قسوةً لا يعرفها إلا أقرب الناس إليه.
لم أطلب منك أن تكون ملاكًا.
كنت أريدك فقط أن تكون صادقًا.
كنت أريد عندما أضع رأسي على كتفك أن أشعر بالأمان، لا أن أتساءل متى ستصبح غريبًا عني.
كنت أريد أن أعرف أن كل ما قدمته لك لم يكن مجرد أشياء عابرة في حياتك.
لكن يبدو أنني كنتُ أعطي، وأنت كنتَ تأخذ.
أنا لا أندم على حبي لك.
ولا أندم على وقوفي بجانبك.
ولا أندم على المال الذي أعطيتك إياه.
ولا على الأيام التي حاولت فيها أن أجعل حياتك أفضل.
أنا فقط أندم على شيء واحد…
أنني ظننت أن ما يظهر على الإنسان من صلاح، يكفي لأحكم على صلاح قلبه.
ولذلك لا أريد منك اعتذارًا.
أريد منك أن تجلس مع نفسك يومًا وتسألها:
ماذا فعلتَ بامرأةٍ لم تؤذك؟
ماذا فعلتَ بامرأةٍ أعطتك الحب والحنان والستر والأمان؟
ماذا فعلتَ بامرأةٍ لم تكن تريد منك سوى أن تشعر أنها مُقدَّرة؟
ربما نسيتني أنت.
لكنني لن أنسى الدرس.
لقد علمتني أن الأخلاق ليست لحية، ولا مظهرًا، ولا كلماتٍ عن الدين.
الأخلاق أن تكون رحيمًا حين تستطيع أن تكون قاسيًا.
أن تكون أمينًا حين تستطيع أن تخون.
أن تحفظ كرامة من ائتمنك على قلبه.
وأن تعرف قيمة اليد التي امتدت إليك حين كنت تحتاج إليها.
أما أنا…
فسأجمع ما تبقى مني، وأرحل.
ليس لأنني لم أحبك…
بل لأنني أخيرًا تعلمتُ أن من لا يعرف قيمة عطائك، لا يستحق أن تكملي العطاء له.