أدباتية: يتحدد موضوع الرواية ببنية الحكاية، وعلينا أن نتذكر قبل الولوج في بنية الحكاية ومضمون الرواية أن السرد طبيعة إنسانية، عرفه الإنسان مرتبطاً باللغة منذ فجر التاريخ عندما بدأ يتحاور، واحتاج إلى نقل أخباره وحكى ما حدث لغيره؛ لذا يُعدُّ من أقدم أشكال التعبير الإنساني. وكل طريقة من طرائق السرد تُعبر عن رؤية مختلفة للعالم، وتعكس تصوراً خاصاً للوجود، وهي تتعلق أولاً وقبل كل شيء بعبقرية الفرد، وبعوامل ثقافية واجتماعية أيضاً. ولذلك فإن الرواية تبقى نموذجاً متقناً لأسلوب السرد التوثيقي في الآداب العالمية، والذي يعتمد على الرؤية الخارجية وما تُحدِثه من تطوير في فرز المواد التسجيلية المباشرة كي تمضي متوازية مع المتخيل الروائي ومتناوبة معه. فالسرد هو الكيفية التي تُروى بها القصة عن طريق قناة مكونة من التقاء ثلاثة روافد هي: السارد والقصة والمسرود له، وتتأثر هذه القناة بمؤثرات تتعلق بالسارد والمسرود له والقصة ذاتها، وهناك مثال شهير كثير التداول في الكتب التي تتناول موضوع السرد، فقولنا: “مات الملك ثم ماتت الملكة” قصة، ولكنها ستتحول إلى شيء آخر حين نضيف إليها إضافة بسيطة كـ “مات الملك ثم ماتت الملكة حزناً عليه”، فالتسلسل الزمني باقٍ كما هو في هذه الحالة لكنه محاط بحس السببية. أما إذا قلنا: “ماتت الملكة ولم يعرف أحدٌ السببَ حتى تبين أن موتها جاء نتيجة حزنها على موت الملك”، فسنلحظ أن القصة الأساسية بقيت نفسها في أذهاننا كمتلقين، لكن انزياح الزمن هذه المرة أخرجَ القصة من شكلها الأولي البسيط إلى شكل أكثر تعقيداً مع الحفاظ على حس السببية الذي وجدناه في الحالة الأخرى، مع ملاحظة أمرين في غاية الأهمية:
أن التقديم والتأخير الزماني لم يكن ليتأتى لولا القابلية التي تتيحها اللغة في نظامها الأساس.
أن اللغة ضمنت للراوي والمتلقي استيعاب الحيز المكاني الذي حدث الموت فيه، فكلمتا الملك والملكة توحيانِ تلقائياً بالقصر الملكي. ومن هنا فنحن أمام سرد روائي قام به راوٍ عليم، خارجي يروي بضمير الغائب، حيث يفتتح السرد قائلاً: “في منزل بسيوني أو سليمان شيخ بلد كفر أبو سليمان في المنصورة، تجلس زوجته سنية ومعهما ابنتهما عدَلات في ملحق المنزل الخلفي، حيث تتم تربية الدواجن، تجلس الأم أرضاً بعدما افترشت وسادة قديمة كاشفة عن إحدى ساقيها، وقد وضعت أسفلها (دكر البط) كي تتمكن منه”.
ويمضي السرد طوال الرواية على هذا النهج، راوٍ عليم يسرد المضمون الحكائي لمرويٍ عليه خارجي، أي خارج الرواية، وهو القارئ، متلقي العمل الروائي. وهو يعتمد كثيراً على الحوار، لكنه ينقله من ذات وجهة النظر، فهو يقول عن فلاحي القرية:
“مجتمع المصطبة منعقد كالعادة: عليا الطلاق بالتلاتة نبوية بشحمها ولحمها يا رجّاله، دهب ايه دا اللي بيلعلط في ايديها، وقلعت الطرحة السوده ولابسه إيشارب ألوان من بتاع البنات تشوفها متعرفهاش، بقت من أهل البندر خلاص…”
ثم يعلق على هذا قائلاً:
“دمعت أعين المجتمعين بالمصطبة من الضحك على ما قصَّه عليهم وهدان” [5].
فالرواية تحكي عن «زناتي» الذي يعمل كلافا لدى ماشية العمدة رزيقة أبو سليمان في كفر أبو سليمان، وقد منحه الإصلاح الزراعي عقب ثورة يوليو قطعة أرض اقتطعها من أملاك العمدة، وشمخ زناتي بأنفه على العمدة، وتعالى عليه، وحدثت بينهما صدامات عديدة، وكان شيخ البلد بسيوني يتدخل لرأب الصدع بينهما. ثم نعلم بعد وفاة العمدة أن زناتي ابنه، حيث تزوجته أم زناتي بعقد عرفي، وحين أنجبته أقرَّ لها في ورقة أخرى أن الولد ابنه منها، فطالب زناتي بميراثه من أراضي العمدة، فاقتطع له شيخ البلد عشرة أفدنة من الأرض البور، ثم أبلغوا السلطات عنه فصادروا أرض الإصلاح الزراعي، وضاقت به القرية، وحاصرته الألسنة، فقرر الهروب من القرية. وفي القرية الجديدة المجاورة لقريته الأولى حاول استصلاح بعض الأرض، وزراعتها بالخضروات التي باعتها أمه في القرية ثم هاجرت للمدينة تبيعها فيها، ثم تاجر في اللبن والبيض والسمن والمنتجات الحيوانية، حتى صارت له ثروة، وحدثت صراعات عديدة في القرية على منصب العمودية، حيث اجتهد شيخ البلد في نيلها، ولكن زوجة العمدة المتوفى حالت دون ذلك، ورفعت قضية ضد زناتي لتبطل نسبه للعمدة وتأخذ منه الفدادين العشرة. وبعد صراع طويل يثبت نسب زناتي للعمدة، لكن شيخ البلد يحصل على العمودية ويُقتل ليلة تنصيبه، وتُقتل معه زوجة العمدة الأول. يحصل زناتي على ميراثه ويتنازل عنه، ويبني سرايا جديدة، ويربي إخوته من العمدة، ويواصل الكفاح والعطاء لأهل البلد حتى يصير نائباً في مجلس الأمة، ويتزوج وينجب ثم يموت.
فالرواية تحكي عن تغير الأحوال والأدوار بتغير الوضع السياسي، فالناس قبل ثورة يوليو كانوا مجرد خدم لدى ملاك الأراضي الزراعية والوسايا الواسعة، ثم حررتهم الثورة وجعلتهم أصحاب أراضٍ يقتادون منها. إلا أن الرواية ركزت على العالم الجنسي الخفي للعمدة الذي ذاب عشقاً لنبوية الخادمة، وخانه شيخ البلد وصارت له علاقة جنسية معها، وتمتلئ الرواية بتفاصيل صغيرة، يصبها كلها الراوي في صالح زناتي الشخصية المثالية في الرواية، ابن هذا العصر الجديد الذي يثبت فيه كفاءته وقدرته على تكوين ثروة ومركز مالي كبير، يُمكنه من تعيين أخيه بوزارة الخارجية عقب تخرجه من كلية الحقوق. هذا هو المضمون الروائي للرواية، سرد راوٍ عليم لمتلقٍ خارجي، اجتهد الكاتب أن يكون المسرود بسيطاً بلغة سهلة للقارئ العادي.
اقرا أيضًا: العتبات النصية وسيمياء التشكيل في رواية الكلّاف