This post contains affiliate links.
أدباتية: لم تكن الكتابة يومًا مجرد عملية عقلية باردة أو هيئة جلوس منتظمة أمام ورقة أو شاشة كمبيوتر.
لكي يعبر الكاتب الجسر الفاصل بين الفكرة والكلمة، أوجد العديد من كبار الروائيين العرب والعالميين لأنفسهم بيئات شاذة، وحركات تكرارية، وعادات قد تبدو للكثيرين غريبة أو خارج إطار العقل والتنظيم، لكنها بالنسبة لهم المفتاح الوحيد لفك شفرة الإبداع.
تتنوع الطقوس الغريبة بين بيئات العمل والأوضاع الجسدية، والمواد المستخدمة.. بل والمأكولات والمشروبات، ما يطرح سؤالًا مهمًا: هل هذه العادات مجرد جنون شخصي.. أم أدوات نفسية ضرورية للانفصال عن واقعهم والاندماج في العوالم المبدَعَة؟
حميمية الأشياء والتفاصيل الصغيرة
حين نتأمل سير أدبائنا العرب، نجد أن الطقس الإبداعي غالبًا ما ارتبط بالبيئة المحلية وبالتأصيل البصري والحسي للمكان.
إبراهيم أصلان.. وسواس التفاصيل وقلم الرصاص
يُعد الروائي الراحل إبراهيم أصلان صاحب إحدى أكثر العادات دقة وحرفية في الوسط الأدبي.
أصلان الذي كتب «مالك الحزين»، كان يفضل الكتابة بقلم رصاص مبرى بعناية فائقة، وعلى أوراق صفراء أو دفاتر محددة، ولكن الغرابة لم تكن في الأدوات وحدها، بل في طريقة تحضيره للمكان، فقد كان أصلان يستغرق ساعات طويلة في تنظيم مكتبه وإعادة ترتيب أقلامه وإشعال السجائر ومراقبة تفاصيل شقته أو المقهى، دون أن يكتب كلمة واحدة.
كان يحتاج إلى نوع من «العزلة المشهودة» بين الناس لكي يبدأ، وما إن يبدأ حتى يمحو ويكتب ببطء شديد يجعله يقضي أيامًا طويلةً في صياغة فقرة واحدة.
نجيب محفوظ.. النظام الصارم حتى الحدود الأخيرة
على عكس غرائب الفوضى، تمثلت غرابة أديب نوبل نجيب محفوظ في انتظامه الساعاتي المرعب.
كان محفوظ يكتب في أوقات محددة بالدقيقة، يبدأ صباحا بعد مشيته الشهيرة على النيل، ولا يستغرق في الكتابة اليومية أكثر من ساعتين أو ثلاث، لكن الطقس الأكثر غرابة في حياة محفوظ هو التزامه المطلق بجدول لا يتغير مهما حدث، حتى أنه كان يخصص أوقاتا محددة لسماع الموسيقى وأخرى للقراءة.
هذا الضبط الصارم للوقت كان بالنسبة لغيره طقسا تعجيزيا لا يمكن للروح المبدعة الثائرة تحملها.
محمد الماغوط.. الكتابة على وقع الضجيج
الشاعر والكاتب السوري الراحل محمد الماغوط، أحد أعلام الشعر الحر والنثر الأدبي، لم يستطع يوما الكتابة في مكتب فاخر أو هدوء تام،. كانت طقوسه تتلخص في مقهى مكتظ بالضجيج وعلبة سجائر لا تفرغ وأكواب من الشاي والقهوة. كان يكتب على قصاصات علب السجائر أو الفواتير المستعملة، حيث لم تكن الأوراق النظيفة تلهمه بقدر ما تلهمه الهوامش المنسية والمحيط المضطرب.
الكُتّاب العالميون.. عندما يتجاوز الطقس حدود المألوف
إذا كانت عادات الأدباء العرب قد ارتبطت غالبا بطبيعة المكان وحميميته، فإن الأدباء العالميين ذهبوا بعيدا في ابتكار أساليب وضعوا فيها أجسادهم وأسرَّتهم في خدمة النص.
آغاثا كريستي.. الكتابة في المسبح
عرافة الجريمة والتشويق، آغاثا كريستي، لم تملك مكتبا ثابتا لسنوات طويلة من حياتها الإبداعية.
كانت تكتب في أي مكان تجد فيه طاولات صغيرة، بل وفي كثير من الأحيان كانت أفكار حبكاتها المعقدة تتشكل أثناء جلوسها في «حوض الاستحمام» حيث كانت تجلس في الماء الدافيء لتخط تفاصيل جثة جديدة أو خطة قتل وهمية، وهي تأكل التفاح بكثرة وتترك القشور على أطراف الحوض.
بالنسبة لكريستي، كان الاسترخاء في الماء واستنشاق حامض التفاح يوفر البيئة المثالية لتفكيك الجرائم السينمائية التي حيّرت العالم.
إرنست همنغواي.. الكتابة واقفا
صاحب «الشيخ والبحر» إرنست همنغواي، كان يكره الكتابة وهو جالس، كان يضع الآلة الكاتبة أو الورقة على رف مرتفع يصل إلى مستوى صدره، ويكتب وهو واقف على قدم واحدة أحيانا، مرتديا حذاءً ضخما، كان يبدأ عمله في الصباح الباكر جداً مع أول ضوء للشمس ويحتفظ بسجل يومي لعدد الكلمات التي كتبها ليعرف مدى إنجازه.
الوقوف كان يمنحه شعورا بالمواجهة المباشرة مع النص، وكأنه في حلبة مصارعة مع الورقة.
تشارلز ديكنز.. التشخيص أمام المرآة
الكاتب البريطاني تشارلز ديكنز كان يمتلك هوسا تنظيميا وعاطفيا غريبا، فلم يكن يستطيع النوم أو الكتابة إلا إذا كان سريره أو مكتبه متجها بدقة نحو الشمال المغناطيسي، مؤمنا بأن ذلك يُحسن التدفق الفكري والدورة الدموية، ناهيك عن أنه كان يترك مكتبه أثناء كتابة الحوارات ليمثل شخصيات رواياته أمام المرآة، فيفتعل وجوها غاضبة أو حزينة ليضمن أن الوصف الذي يكتبه دقيق وواقعي.
فرجينيا وولف وهانز أندرسن.. الهوس بالأقلام والأوضاع
فرجينيا وولف، مثل همنغواي، كانت تفضل الكتابة واقفة لفترات طويلة مستخدمة حبرا بنفسجيا خاصا كانت تراه الوحيد القادر على التعبير عن الأفكار النفسية المعقدة لشخصياتها.
أما الكاتب الدنماركي هانز كريستيان أندرسن، فكان يحمل معه حَبلا طويلا أينما ذهب في أسفاره، خوفا من اندلاع حريق في الفندق ليتمكن من الهرب عبر النافذة، ولم تكن أفكار حكاياته الخيالية تنهمر إلا بعد أن يطمئن إلى وجود الحبل بجانبه!
المُلاحظ في سير هؤلاء الكبار أن الغرابة لم تكن هدفا بحد ذاتها، بل كانت ثمنا دفعه كل منهم ليجد صوته الخاص، سواء بقلم رصاص مبرى بعناية في حارة مصرية، أو بحوض استحمام مليء بقشور التفاح في بيت إنجليزي، تظل هذه الطقوس شواهد على أن الإبداع الإنساني يحتاج دائما إلى منفذ خاص يكسر جدار الواقع ليعيد بناءه على الورق.
وأخير.. أنت هل تفضل عادةً الكتابة أو التركيز في بيئة هادئة ومحددة، أم أنك تكتشف إلهامك في وسط الضجيج؟
شاركنا بتفاصيل طقوسك في الكتابة.. عبر الإيميل: POSTS@ODBATYA.COM
أو عبر واتساب: 00201125582370
أو على رسائل الصفحة: https://www.facebook.com/odabatya
About The Author
Post Views: 44