شهر جديد أقبل، يحمل بشرى جديدة وقد اعتدلت حرارة الجو قليلًا، بعد ما كانت سهير تسيح من الطقس الحار، والشمس تُطوق جدران بيتهم من جميع الاتجاهات، إلا أن شعورا غريبا اجتاحها، قلبها مقبوض بشكل غير مألوف، وكأن جبلا ثقيلا ربض فوق صدرها، فمنع عليها الهواء، والتنفس بأريحية، لتزور بروفايله الشخصي على غرة ـ دون سابق تخطيط منها أو إرادة ـ كاد الخبر أن يضربها في مقتل، فهمت الآن السبب، وأخذت تُردد في استنكار:
ـ غير معقول.. تم خطبته على أخرى، كيف استطاع فعل ذلك بي؟
انهارت في البكاء مع سؤالها الأخير، وسقطت أرضًا، لا تقوى قدمها على حملها، أرسل الفؤاد إليها بإشارة كي يُزيح الغشاوة على عينها، شعر بما جهلته هي، فلمَّ اقترب من البداية طالما لن يكون لها سندًا؟ وتلك الكلمات المعسولة هل كانت إسطوانات معهودة يذكرها على مسامع الآخريات مثلها أم كانت هي الساذجة الوحيدة؟
ـ ارحمني يا رب، واطفئ لهيب تلك النيران المتقدة داخل صدري، فيا ليتني مت قبل ذلك وكنت نسيًا منسيًا.
تشبثت بدعوة السيدة مريم رضي الله عنها، الأقرب إليها دومًا عند الشدائد، تحاملت على نفسها واتجهت نحو الحمّام، تسير بتثاقل، وفقدت اتزانها أكثر من مرة، حتى استطاعت الوصول وبجسدها مختلف الكدمات، فتحت الدُّش على اتساعه، تنزل مع قطرات المياة الهموم والآلام التي تُثقل ظهرها ممزوجة بالدموع التي تنهمر كالشلال من مقلتيها، تفتت فؤادها إلى شذرات، ولم تعد تعرف السبيل للملمة شتاتها، فطرقت الباب الذي لم تعرف سواه.
ـ سامحني يا رب، وحدك تعلم كم أحببته، وغالبت الشوق، أفعل عكس ما أتمناه، كي لا أُغضبك، وجد مني الجفاء، وقد همت عشقًا به، فكيف أنال ما أرجوه بمعصيتك؟
سجدت مطولًا حتى كادت أن تخنقها العبرات، وسكنت كل الأصوات باستثناء نحيبها، الذي زلزل الأرجاء من حولها في دنف الليل، ولا يشعر بها أحدٌ، فقد اخترت ذلك الوقت خصيصًا كي تُفضي بألمها بين يدي الله، تعلم بأنه وحده القادر على مداواتها، وانتشالها من بين براثن الهم، ليست بأول محنة تعصف بها، أنجاها الله من الموت أكثر من مرة، فوقف لها ذلك الأمر بالمرصاد أمام أي خطأ، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟
ـ اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرًا منها.
رفعت رأسها عاليًا، ولسانها يلهج بقول أم سلمة التي عوضها الله برسول الله، على الرغم من اختلاف الأزمنة بل في عصر صار فيه الارتباط شائعًا، فتشعر فيه الكثير من الفتيات بالغربة، تتجرع من مرارة الوحدة ما لم توافق على السير مع اتجاه الموجة، وهي التي تتمنى سندًا لها كالمصطفى صلى الله عليه وسلم لعائشة ـ رضي الله عنها ـ أعظم رجل في البشرية كلها.
ـ كم أنت قريب يا الله، وأعلم بأنك ستأخذ بيدي، ولن تفلتني ككل مرة، لأجل ذلك لست بنادمة قط، ففي كل مرة سوف أختار رضاك يا ربي مهما فتك بي الأنين، وألمتني الذكرى..
لم تستطع المواصلة، قاطعتها شهقات البكاء، عصفت بها الأحلام التي تبخرت في لمح البصر، كأنها لم تكن يومًا، وأحاطت بها كل هزائمها، من خسارة إلى أخرى تنتقل دومًا، حتى أصبح الكثيرون يسمونها بالفاشلة، مساكين لا يعلمون بأنها لا تبيع آخرتها بدنيا فانية، قوت قلبها الانتصارات المفقودة وخاصةً بأنها كانت تسلب شيئًا فشيئًا من روحها.
مسحت دموعها بيديها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم أخرجته ببطء، وهي تتحدث في ثقة:
ـ أعلم بأنك ستجمعني يا الله بتلك الدعوة البعيدة رغم استحالتها وسط تعجب واندهاش الجميع، تُعطيهم درسًا في الفهم عنك، وكيف يأتي العوض كمعجزة، فجبرك يا لطيف حين يتأخر لا يكون عاديًا أبدًا.