أدباتية: البنية السردية هي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها العمل الروائي؛ فوظيفتها لا تقتصر على تنظيم الأحداث وترتيبها، وإنما تمتد لتشكل الرؤية الفكرية والجمالية التي ينظر الكاتب من خلالها إلى العالم؛ فالرواية ليست حكاية تُروى فحسب، بل هي طريقة مخصوصة في بناء الحكاية، وفي توزيع الأصوات، وإدارة الزمن، وتشكيل الشخصيات، وتقنين العلاقات المنظمة بين الأماكن والأحداث «مروراً بالوعي»، ومن ثم فإن دراسة البنية السردية لا تعني أبداً الوقوف عند التقنيات الفنية لذاتها، وإنما تهدف إلى الكشف عن الكيفية التي تتحول بها هذه التقنيات لتصير أدوات مهمة لإنتاج المعنى وصياغة الرؤية. وفي رواية «الكلّاف» لا تبدو البنية السردية «وعاءً» محايداً للأحداث، بل هي عنصر فاعل في تشكيل التجربة الروائية بأكملها؛ إذ ينهض البناء السردي على جدلية دقيقة بين الحكاية والتاريخ، وبين الفرد والجماعة، وبين السلطة والكرامة، بحيث تتضافر جميع العناصر الفنية لتشكيل صورة مركبة للتحولات التي شهدها الريف المصري في مرحلة فاصلة من تاريخه. ويروق لي ما قدمه أبو المجد البحيري في روايته حين لم ينشغل بسرد وقائع الإصلاح الزراعي في ذاتها، بقدر ما شغله تسجيل أثرها العميق في بنية الوعي الاجتماعي؛ فالأحداث التاريخية لا «يستدعيها» البحيري بوصفها غاية للسرد، وإنما بوصفها خلفية تتحرك فوقها الشخصيات وهي تعيد اكتشاف ذواتها، وتعيد وسم علاقاتها بالأرض والسلطة والآخر، وهكذا يستحضر التاريخ كقوة محركة للوعي، لا مجرد إطار زمني تجري داخله وقائع الأحداث. ومن هنا تكتسب البنية السردية في الرواية خصوصيتها؛ لأنها لا تؤسس صراعها على تتابع الأحداث المتلاحقة، بقدر ما تؤسسه على تعاقب التحولات الداخلية التي تصيب الشخصيات؛ فالحركة الحقيقية في الرواية ليست انتقالاً من مشهد إلى آخر، وإنما انتقال من وعي قديم إلى وعي جديد، ومن تصور موروث للعالم إلى تصور آخر أكثر اتساعاً وإنسانية. ولذلك فإن كل مشهد، وكل حوار، وكل تحدٍ يؤدي وظيفة تتجاوز فكرة الحكي، ليصبح حلقة في بناء رؤية الرواية إلى الإنسان والتاريخ. وتتجلى هذه الرؤية – في “الكلاف” – منذ الصفحات الأولى؛ لأنك تجد الكاتب يتحاشى الاستهلال التقليدي الذي يعتمد الوصف المطول أو التعريف بالشخصيات، مفضلاً أن يزج بالقارئ مباشرة في قلب الحدث عبر الحوار. وليس هذا الاختيار مجرد تقنية سردية، بل هو إعلان مبكر عن أن الشخصيات ستكتشف من خلال أصواتها ومواقفها، لا من خلال الأحكام التي يطلقها الراوي عليها. وبهذا يتيح البحيري للشخصيات أن تكشف عن طبائعها بنفسها، وحينها تستحيل اللغة جزءاً من بنائها النفسي والاجتماعي، لا وسيلةً للتواصل فحسب. كما يكشف البناء السردي عن قدرة واضحة على التحكم في الإيقاع؛ إذ يبدأ السرد هادئاً، متكئاً على تفاصيل الحياة اليومية في القرية، ثم يتنامى الصراع تدريجياً مع تصاعد المواجهة بين النظام الاجتماعي القديم والوعي الجديد الذي أخذ يتشكل في نفوس الريفيين. ولا ينتج هذا التصاعد عن كثرة الأحداث بقدر ما ينتج عن تنامي الإحساس بأن منظومة اجتماعية كاملة توشك على الانهيار، وأن أخرى جديدة تحاول أن تشق طريقها إلى الوجود. ومن هنا تدرك معنا أن البنية السردية في «الكلّاف» لا تقوم على مبدأ الإثارة التقليدي الذي يعتمد المفاجآت المتلاحقة، وإنما تقوم على بناء القلق الفكري والصراع «النفسي»؛ فالقارئ لا يظل متشوقاً لمعرفة ما سيحدث فحسب، بل يظل مهموماً أيضاً بكيفية تغير الشخصيات، وبالتحولات التي تصيب رؤيتها للعالم. ولعل هذا ما يمنح الرواية عمقها الفني، ويجعلها تنتمي إلى الروايات التي تجعل من الوعي موضوعاً للسرد، لا مجرد نتيجة «له». وانطلاقاً من هذا الفهم، تسعى دراستنا إلى تحليل البنية السردية للرواية من خلال مجموعة من المحاور المتكاملة، تبدأ بدراسة الحبكة وآليات بناء الحدث، ثم تنتقل إلى الراوي ووجهة النظر، مروراً بالزمن السردي، والمكان الروائي، وصولاً إلى الكشف عن الكيفية التي تفاعلت بها هذه العناصر جميعاً لإنتاج رؤية الرواية إلى السلطة والكرامة وتحولات الوعي الريفي. هذا وإن كان هذا التمهيد لا يكتفي بتقديم الفصل، بل يؤسس أيضاً للفروع التي ستأتي بعده، وهي:
الحبكة السردية وآليات بناء الأحداث.
الراوي ووجهة النظر السردية.
الزمن الروائي بين الاجترار والاستباق.
المكان الروائي وصناعة الدلالة.
الإيقاع السردي وبناء الصراع في التلاحق الدرامي.
الشخصيات وتجليات الوعي وهنا يتجلى مبدأ الانتقال من الصراع الفردي إلى التحول الجمعي، وكما هو متبع في الرواية الحديثة فإن الشخصيات لا تنهض بوظيفة تصعيد الأحداث فحسب، وإنما تمثل الحوامل الفكرية للرؤية التي يبني الكاتب عليها عالمه الروائي؛ إذ تتجسد من خلالها تحولات المجتمع، وتتبلور في سلوكها وأسئلتها ومواقفها القيمُ التي يسعى النص الروائي إلى طرحها أو إعادة بنائها. ومن ثم، فإن الشخصية الروائية لم تعد كياناً ورقياً يؤدي دوراً مرسوماً سلفاً، بل أصبحت مركزاً لإنتاج المعنى، وفضاءً تتقاطع داخله العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية. وتتجلى هذه الرؤية بوضوح في رواية «الكلّاف»؛ إذ لا يتعامل أبو المجد البحيري مع شخصيات روايته بوصفها أفراداً منفصلين، وإنما يجعل كل شخصية تمثل نسقاً اجتماعياً، أو مرحلة من مراحل التحول التاريخي، أو رؤية مخصوصة للعالم. ولذلك فإن قراءة الشخصيات بمعزل عن السياق الاجتماعي الذي تنتمي إليه تفقد الرواية جانباً مهماً من ثرائها الدلالي؛ لأن الشخصيات هنا ليست مجرد أدوات للحبكة، وإنما هي مرايا عاكسة تعكس صراع الأزمنة، وتكشف التحولات التي أصابت الوعي الريفي في لحظة فارقة من تاريخ المجتمع المصري. ولعل أبرز ما يميز بناء الشخصيات في رواية «الكلاف» أن الكاتب يبتعد عن الثنائية التقليدية التي تقسم العالم إلى أبطال وأشرار، أو إلى قوتين: قوة الخير وقوة الشر، بل يمنح كل شخصية منطقها الداخلي، ويجعل مواقفها امتداداً طبيعياً للبيئة التي تشكلت فيها، وللقيم التي آمنت بها، وللخبرات التي صنعت وعيها. ومن هنا يتحول الصراع بين الشخصيات إلى صراع بين رؤيتين للتاريخ، لا مجرد صراع بين إرادتين متناقضتين. وظني أنه ليس من المصادفة أن يجعل الكاتب بطله رجلاً بسيطاً خرج من قلب الطبقة الكادحة، لأن الرؤية الفكرية للرواية تقوم على أن التحولات الكبرى لا يصنعها أصحاب الامتيازات وحدهم، بل قد تبدأ من إنسان مهمش بسيط امتلك وعياً جديداً بذاته وبحقه. ومن ثم فإن البطولة في «الكلّاف» ليست بطولة القوة، وإنما بطولة الوعي؛ إذ ينتقل الزناتي من موقع الخضوع إلى موقع الفاعلية، لا لأنه أصبح أكثر قوة من خصومه، بل لأنه أصبح أكثر إدراكاً لحقه، وأكثر ثقة بإنسانيته. وفي المقابل، لا يقدم الروائي شخصية العمدة في صورة المستبد الكاريكاتوري، وإنما يرسمها بوصفها ابناً مخلصاً لمنظومة اجتماعية آمن بها حتى أصبحت جزءاً من تكوينه النفسي؛ فهو لا يدافع عن الأرض وحدها، وإنما يدافع عن نظام كامل يرى أن بقاءه مرهون ببقاء الامتيازات الموروثة، وباستمرار الاعتراف الاجتماعي «بالأعراف» التراتبية القديمة. ومن هنا تكتسب المواجهة بين الزناتي والعمدة أبعاداً تتجاوز حدود النزاع الفردي، لتصبح مواجهة رمزية بين زمنين، وبين شرعيتين، وبين تصورين متناقضين لمعنى الإنسان وقيمة الإنسانية. ولا يقتصر البناء الرمزي للشخصيات على هذين القطبين؛ فالشخصيات الثانوية تؤدي أدواراً لا تقل أهمية، إذ تمثل الضمير الجمعي للقرية، وتعكس مواقف الناس من التحولات التي يعيشونها، وتتوزع بين من يتمسك بالماضي، ومن يتردد أمام الواقع الجديد، ومن يرى في القانون أفقاً رحباً لمستقبل أكثر عدالة. وهكذا تتحول القرية كلها إلى مسرح تتصارع فيه الأفكار بقدر ما تتصارع فيه المصالح. ومن هنا، فإن دراسة الشخصيات في «الكلّاف» لا تنطلق من تصنيفها إلى رئيسة وثانوية، أو ثابتة ونامية، بقدر ما تنطلق من وظيفتها داخل البنية الفكرية للرواية، ومن إسهامها في تجسيد جدلية السلطة والكرامة، والكشف عن الكيفية التي أعاد بها الإنسان الريفي بناء وعيه في مواجهة التحولات التاريخية والاجتماعية. ولذلك فإن الدراسة «تتناول» الشخصيات من خلال أربعة محاور رئيسة هي: الزناتي بوصفه بطل الوعي، والعمدة بوصفه ممثلاً للسلطة التقليدية، والشخصيات المساندة وتجليات الوعي الجمعي، ثم البنية الرمزية للشخصيات وعلاقتها بالرؤية الفكرية للرواية.