2026-06-20

الإعلام الرقمي.. صناعة الوعي وفن إعداد الذائقة الجماهيرية

أدباتية: في عصر تدفق المعلومات اللحظي وهيمنة منصات التواصل الاجتماعي لم يعد الوعي البشري مجرد نتاج للخبرات الذاتية والتربية التقليدية، بل تحول إلى منتج يُصنع بدقة ويُوجَّه عبر آليات معقدة، إن «صناعة الوعي وإعداد الذائقة الجماهيرية» يمثلان اليوم حجر الزاوية في توجيه الرأي العام، وصياغة السلوك الاستهلاكي، وبناء القيم الثقافية والسياسية للمجتمعات، فمن يقود هذه الصناعة، وكيف يتم توجيه ذوق الجماهير لتفضيل منتج، أو فكرة، أو سلوك معين دون غيره؟

مفهوم صناعة الوعي بين العفوية والتوجيه

تُعرف «صناعة الوعي» بأنها العملية الممنهجة التي تقوم بها جهات مؤسسية بهدف صياغة إدراك الأفراد للواقع من حولهم، ففي الماضي كان الوعي يتشكل عبر المدرسة والأسرة، أما اليوم فقد انتقلت الثقة إلى شاشات الهواتف وخوارزميات الذكاء الإصطناعي، ولا تقتصر صناعة الوعي على تزويد الناس بالمعلومات، بل تشمل أيضًا حجب معلومات معينة وتسليط الضوء على أخرى، وهو ما يُعرف في علوم الإعلام بنظرية «وضع الأجندة»، ومن خلال هذه الآلية لا يفرض الإعلام عليك ماذا تفكر، ولكنه يفرض عليك بنجاح ما الذي يجب أن تفكر فيه.

إعداد الذائقة الجماهيرية.. هندسة القبول اللاشعوري

الذائقة ليست أمرًا فطريًا بالكامل، بل هي مرنة وقابلة للتشكيل، وهندسة أو «إعداد الذائقة الجماهيرية» تعني تحويل النخبوية إلى شعبوية، أو العكس، وجعل مجتمع ما يتقبل أنماطًا جمالية، فنية، أو استهلاكية محددة، وتعتمد هذه الهندسة على الاستمرارية والتكرار، فعندما يتعرض الجمهور لنوع معين من الموسيقى، أو النمط المعماري، أو حتى الأسلوب الحواري بشكل مكثف، يتحول هذا السلوك بالتدريج من خانة المرفوض إلى المألوف، ثم ينتهي به المطاف في خانة المطلوب والمحبوب، وكلما تكرر عرض الفكرة قلّت مقاومة العقل لها، واعتبرها جزءًا من الطبيعة السائدة.

آليات وأدوات تشكيل الوعي والذوق العام

تتضافر جهود وسائل عدة لتحقيق السيطرة على الوعي الجمعي وإعداد الذائقة، ومن أبرز هذه الأدوات:

خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي

منصات التواصل لا تعرض المحتوى عشوائيًا، إنها تدرس سلوك المستخدم بدقة عبر الذكاء الاصطناعي وتخلق له ما يُسمى بـ «غرف الصدى»، حيث لا يرى الإنسان إلا ما يوافق هواه، مما يرسخ وعيًا أحادي الجانب ويقتل التفكير النقدي.

 الدراما والسينما (القوة الناعمة)

تمرير الأفكار عبر قصة درامية أو فيلم سينمائي يفوق في تأثيره آلاف الخطب المباشرة، فمن خلال البطة الدرامي يمكن تحسين صورة سلوكيات خاطئة أو تشويه قيم أصيلة، لأن المشاهد يتوحد عاطفيًا مع الشخصية ويسقط دفاعاته العقلية.

صناعة «التريند» والمؤثرين

بات المؤثر الرقمي هو المرجع المعرفي والجمالي للجيل الجديد، ومن خلال أسلوب حياتهم يحدد هؤلاء المؤثرون للجمهور ماذا يرتدون، كيف يتحدثون، وما هي المعايير الجمالية للانتماء إلى الطبقة المواكبة للعصر.

أبعاد خطورة التلاعب بالوعي الجمعي

إن غياب الوعي الحقيقي وتزييف الذائقة العامة يؤدي إلى كوارث مجتمعية وثقافية عميقة، تظهر آثارها في:

  • سطحية الثقافة والاهتمامات، حيث يتراجع الإقبال على القراءة والفنون الراقية لحساب المحتوى السريع والترفيه السطحي.

  • الاستهلاك الشره، الذي يحول الإنسان من كائن مفكر إلى كائن مستهلك، يربط قيمته الذاتية بالماركات والمظاهر الخارجية.

  • تآكل الهوية الثقافية، وذوبان الخصوصيات الثقافية للشعوب لصالح عولمة نمطية تخدم الشركات العابرة للقارات.

  • الاستقطاب المجتمعي، إذ يسهل توجيه القطعان البشرية المشحونة عاطفيًا نحو صراعات جانبية وتفتيت النسيج الوطني.

استراتيجيات المواجهة.. كيف نبني وعيًا أصيلاً؟

لمواجهة هذه الآلة الضخمة لصناعة الوعي المزيف لا بد من تبني استراتيجيات دفاعية وهجومية على مستوى الأفراد والمؤسسات، فعلى مستوى الفرد يجب تفعيل «التفكير النقدي» والتساؤل الدائم عن المستفيد من نشر هذه الفكرة، بالإضافة إلى تقنين ساعات التعرض للشاشات، وتنويع مصادر المعرفة وعدم الاعتماد على المنصات الاجتماعية كمصدر وحيد للأخبار.

أما على مستوى الأسرة فالأمر يتطلب استعادة دور الوالدين كفلاتر تربوية للأبناء، وتشجيع الأطفال على القراءة وممارسة الهوايات الحركية والفنية الراقية، ومناقشة المحتوى الإعلامي مع الأبناء وتفكيك رسائله المبطنة.

وعلى مستوى الدولة والمؤسسات يصبح من الضروري إدراج مادة «التربية الإعلامية الرقمية» في المناهج الدراسية لتعليم الطلاب كيفية تمييز الأخبار الزائفة، ودعم المحتوى الثقافي الهادف والإنتاج الدرامي القائم على القيم، وخلق منصات بديلة تقدم المعرفة بقالب جذاب يواكب العصر دون الإخلال بالمضمون.

إن «صناعة الوعي وإعداد الذائقة الجماهيرية» ليست ترفًا فكريًا، بل هي معركة وجودية تخوضها المجتمعات للحفاظ على هويتها وعقول أبنائها، وفي هذا العصر لم يعد الجهل هو عدم معرفة القراءة والكتابة، بل الجهل هو الاستسلام الأعمى لكل ما يتدفق عبر الشاشات، وإن بناء مجتمع واعٍ ذي ذائقة رفيعة يتطلب الانتقال من عقلية المستهلك المتلقي إلى عقلية الناقد الفاحص، لتبقى العقول حصينة ضد التوجيه والتدجين، وقادرة على تمييز الغث من السمين.

About The Author