22 سبتمبر، 2026

قراءة في «شارع الحرية» و«شارع الأستاذ محمد الباجي قايد السبسي».. من مجموعة «شوارع» للكاتبة التونسية نورة عبيد

0
فيصل السائحي - نورة عبيد - شوارع - إبداع قصصي - أدباتية - مبادرة البديع العربي لنشر إبداعات المتميزين والرواد

أدباتيةفيصل السائحي: يحضر الشارع في هاتين القصّتين عضوا حيّا يشارك في إنتاج الأحداث من الداخل، جهازا هضميّا كاملا: فوهة تبتلع، وأمعاء تعالج، ومخرَج يرفض حين يُثقَل الحمل. وهذا التصوّر يفترض تطابقا عضويّا بين الجسد الفرديّ والفضاء الجمعيّ، تطابقا تقترحه الظاهراتيّة الوجوديّة حين تصف الجسد كائنا مدركا ومُدرَكا في آن، ينفتح على العالم بقدر ما يتغلغل فيه العالم. فحين يُصاب الشارعُ بعطبٍ هضميّ، تتحوّل هذه المطابقة نفسها إلى شرط لقراءة النصّين، أبعد من حدود الاستعارة المجرّدة: يستجيب جسد الساردة في القصّة الأولى لعطب الشارع بحركة انعكاسيّة تلقائيّة، فترشّ العطر على نفسها وملابسها وكفّها وموضع أنفها من الكمامة، وكأنّ جسدها مرآة مصغّرة لجسد الشارع الكبير، تكرّر فعله بمقياس أصغر وأكثر حميميّة.

“شارع الحرية” أنطولوجيا الإخراج القسري.. الجسد بين عنف السلطة ومفارقة المكان:

ينفتح المعمار السردي على فضاء مكاني يتمركز حول حاوية معلقة بمشبك حديدي فوق الرصيف. تغدو هذه الحاوية فماً فاغراً يبتلع فضلات المدينة، وتتحول بدافع العناية البلدية الفائقة إلى العلامة السيميائية الأبرز لشارع الحرية. وتتأسس مشروعية هذا الفم على قدرته على استيعاب نفايات خاضعة لقانون التحول والرسكلة، وهو ما يمنح فئة “البرباشة” مشروعية الوجود بوصفهم محركين لهذه الدورة الاستهلاكية. يتعطل هذا الجهاز الهضمي المديني فجأة عندما يُقذف بكتلة عصية على الاستيعاب والتصنيف. كيس وردي سميك يخبئ برازاً آدمياً ساخناً يكسر أفق التوقع، ويصيب عون البلدية بغيبوبة مفاجئة، ناشراً حالة من الفزع الوجودي في أرجاء الشارع.

تتبلور المفارقة الطبقية في أقصى تجلياتها عبر التوزيع العبثي للعقاب. تقتاد السلطة العائلة النابشة التي تمثل الشريحة العمالية الكادحة في قاع السلم الاجتماعي، وتجعل منها قرباناً لفعلة لم تقترفها. وفي المقابل يقبع المنتج الفعلي لهذه الفضلة الغريبة داخل سيارة فاخرة في زاوية آمنة، يراقب المشهد باطمئنان العارف بحدود حصانته. تتكشف هنا أنطولوجيا القهر الاجتماعي، حيث يُدان من يحاول تدوير نفايات المجتمع، وينجو من يفرز عوالقه المقززة متحصناً بدرع طبقته المخملية.

بينما يبوح الرجل المأزوم بتفاصيل مأساته تتضح الجذور السياسية العميقة لعطبه الفسيولوجي. يقبع الابن في السجن ضحية تدوينة افتراضية، وتتناسل المأساة في جسد الأب عبر اكتئاب حاد وحبوب كيميائية تفرض إمساكاً قاسياً لأيام ثلاثة. تنتهي هذه المعاناة بانفجار عضوي داخل الحاوية المنتصبة في قلب “شارع الحرية”. تتحول الفضلة البشرية المتمردة على الاحتباس إلى وثيقة احتجاج جسدية تنطق بلغة عضوية فجة ما عجزت الكلمات عن تمريره في فضاء القمع. وتتضاعف قسوة المفارقة حين نستحضر الذاكرة التونسية القريبة التي رفعت “الحرية” شعاراً مقدساً في مسارها الثوري. يتحول الشارع الحامل لهذا الاسم من فضاء واعد بالخلاص الجماعي إلى مكب تختنق فيه الشعارات وتنفجر داخله فضلات الخيبة، لتلخص حادثة الفرد الواحد التراجيديا المروعة لجيل بأكمله بعد عقد من الأوهام.

وتتخذ بنية القص طابعاً اجترارياً يعمق من أبعاد هذه الفينومينولوجيا المعطبة. يروي العم تفاصيل الحكاية المربكة لعائلته المتحلقة حول مائدة الطعام. وتتوالد الاستعارة وتتكثف عبر مسارين متوازيين يتغذيان من بعضهما البعض. يتمثل المسار الأول في هضم جسدي معطل داخل المتن الحكائي، ويتحقق المسار الثاني في هضم سردي يكتمل خارجه عبر إحالة الحادثة إلى طرفة عائلية تروى بتهكم لاذع. تتجلى ذروة المفارقة في التئام هذا الفعل السردي على المائدة ذاتها التي يمتنع فيها الجسد عن ممارسة فعله البيولوجي، إذ تعزف العائلة عن تناول الطعام ولا تنال مما بسط أمامها سوى القليل. تغدو الأسرة في هذا المشهد العبثي وكأنها تستعيض عن القوت المادي بوجبة القص، متخذة من نسيج الحكاية غذاء بديلاً تقتات عليه لتسد رمقها الروحي وسط خراب المعنى المحيط بها.

 شارع الأستاذ محمد الباجي قايد السبسي.. أنطولوجيا الابتلاع وذاكرة المكان المُمحاة:

إذا كانت قصة «شارع الحرّية» تتأسس على فينومينولوجيا “التقيؤ” بوصفه آلية استبعاد مكانية كاثارسية (تطهيرية) تقذف بالهامشي خارج المتن البورجوازي، فإنّ «شارع الاستاذ محمد الباجي قايد السبسي» تؤسس لـ”أنطولوجيا الابتلاع”. هنا، يشتغل الفضاء كفمٍ سياسيّ يلتهم دلالة الوجود الأولى. إن استبدال التسمية من “شارع الأرض” —بما تحمله “الأرض” من دلالة مشاعية، أصلية، ومحايدة تخلو من الأيديولوجيا— إلى اسم سياسي في ظرف زمني وجيز، ليس مجرد إجراء بلديّ، انما هو مَصادرة فضائية حيث يبتلع العابرُ والمؤقت (رجل السياسة) المطلقَ والسرمديّ (الأرض).يُفرَّغ الشارع من هويته الكونية ليُحقَن بهوية سلطوية، محوِّلاً الأسفلت إلى شاهدة قبر تدفن تحتها ذاكرة المكان الأولى.

يشتغل النص على تمفصلات هرمينوطيقية قلقة بين “اللوغوس” (الظاهر المألوف) و”الباثوس” (الباطن المعتم). تتورط الساردة في استعارة كاشفة حين تُقارب السياسة بسفينة لا يبين منها سوى ثلثها، بينما تعمل ماكيناتها في العمق الغائر. هذه الاستعارة لا تقف عند حدود التوصيف السياسي، فهي تُمثّل استباقاً سيميائياً لرحلتها الفردية نحو عيادة “الأمراض الباطنية”. يتماهى هنا جسد الدولة السري (الماكينات الغائرة) مع جسد المرأة المريض (الباطن البيولوجي). فكما تخفي السلطة آلياتها القهرية تحت يافطات زرقاء براقة، يخفي الجسد أعطابه تحت صمت الانتظار. العيادة الباطنية تصبح في هذا السياق، استعارة لغرفة العمليات السرية التي تدار فيها أمراض الوطن.

يُحدث النص انشطاراً حاداً في طوبوغرافيا السلطة داخل الفضاء السردي، مؤسساً لقطيعة جندرية صارمة. خارج العيادة، يستحوذ الذكر (الزوج) على ميكانيزمات الخطاب (تفكيك التاريخ، إطلاق النكات السياسية، التنظير)، محوّلاً الفضاء العام إلى مسرح للهيمنة الصوتية الذكورية. في المقابل، تُقصى الأنثى (الساردة) إلى صمت بيولوجي: تُساق منفردةً إلى الداخل (“لا يدخل إلا المريض”) لمواجهة حقيقة جسدها العاري من أي سلطة. هذا التضاد يضعنا أمام مفارقة حداثية: باطنٌ أنثويّ مُصادَر و معزول يتألم في صمت، يقابله ظاهرٌ ذكوريّ يستعرض فائض كلامه في مقاهي الاستهلاك.

لا يكتفي النص باستحضار شخصية السياسي، بل يفكك اسمه ليحيله  دالا متشظٍيا يحتمل أضداداً متعايشة. فبين يوتوبيا الذاكرة التي تُمجّده “مناضلاً وشيخاً”، وتلك التي تُجرّمه كـ”لسان للظالمين”، ينسحب الخطاب السرديّ من أيّ ادّعاءٍ بالحقيقة، مُسلِّماً الحقيقة التاريخيّة لِفوضى القراءات وتصادم السرديات.. غير أن ذروة التفكيك الهرمينوطيقي تتجلى في تحويل الرمز السياسي إلى مادة استهلاكية (السبسي/السيجارة، معامل الجعة). السلطة هنا لا تُمارس عبر القمع المباشر، انما عبر “الابتلاع الطوعي”: المواطن يمتصّ السلطة في رئتيه (تدخيناً) ويحتسيها لتغييب وعيه (خمراً). إنها سخرية سوداء،  يغدو معها الحاكم والمخدِّر وجهين لعملة أنطولوجية واحدة: كلاهما يحترق ليُحيل أعمار الشعب إلى رماد.

تنغلق الدائرة السردية على حالة من العبث الخالص. بخلاف قصة “شارع الحرية” التي تنفجر بتفريغ جسدي فجّ (التقيؤ/الإسهال) ينتهي براحة درامية، تنتهي هذه القصة بـاحتباس مزمن. جملة “حديثنا صامتاً” تمثل انهياراً للغة ذاتها :فالصمت لم يعد يعني السكوت بقدر ما يحيل الى ثرثرة الخيبة. المائة دينار التي دُفعت لم تشترِ شفاءً، انما اشترت “استرجاعاً مؤجلاً لعافية” لا تأتي. تنتهي القصة باختناق مُضاعف: اختناق الشارع بيافطته السياسية، واختناق الجسد بمرضه الباطني، ليظل النص مفتوحاً على انسداد تاريخي لا فكاك منه، حيث الابتلاع مستمر، والهضم معطّل إلى الأبد.

تتقابل القصّتان تقابل مرآتين متواجهتين تتبادلان أطياف المعنى وتتجاوزان وظيفة الانعكاس السطحي نحو بناء أنطولوجيا سردية متكاملة للجسد والمكان. في القصّة الأولى نشهد جسداً ينفجر بعنف بيولوجي قاذفاً حمولة قهرية فرضتها سلطة الواقع، لتغدو عملية الإخراج القسري طقساً تطهيرياً يتبعه اعتراف علني وضحكة متحررة تلتئم حول مائدة العائلة. يقف في الضفة المقابلة جسد القصّة الثانية غارقاً في فعل ابتلاع مرضي لا يتوقف، متجرعاً عبء تاريخ سياسي ثقيل يعجز عن لفظه، لينتهي إلى صمت باطني مزمن وعقم دلالي يرفض الشفاء.

بين هذين الحدين المتطرفين من التفاعل العضوي، تؤسس الكاتبة ما يمكن تسميته بفينومينولوجيا الابتلاع والتقيؤ، حيث تكتب فسيولوجيا مدينة كاملة عبر مسالك الهضم وأعطاب الأمعاء. تتخلى المدينة في هذا المنجز السردي عن معمارها الحجري البارد وتتحول كائنا حيا يتنفس ويختنق ويتألم وتصيبه التخمة. تضع الساردة معياراً حداثياً مبتكراً لقياس عافية الفضاء المديني، فالعافية تسقط أمام المظاهر الاستهلاكية البراقة وزينة الواجهات، وتتشكل حصراً عبر قدرة الفضاء على هضم تناقضاته واستيعاب روائحه المخفية.

الشوارع في هذا المتن القصصي تتحول  مسالك أيضيّة تتكدس فيها الشعارات السياسية والأوهام الأيديولوجية الثقيلة. يتقاطع البعد المكاني مع الحسي ليعري زيف التسميات الفوقية، فبين حرية مزعومة تتجلى في هيئة فضلات آدمية، وزعامة مستحدثة تتخفى خلف أمراض باطنية صامتة، تسقط الشعارات الكبرى تحت وطأة الاختناق الجسدي، وتنمحي المسافة الفاصلة بين المواطن والمسلك الذي يعبره. يتشكل بذلك تطابق مأسوي بين ذات مريضة وفضاء موبوء يتشاركان عبء تاريخ يتجسد في شكل احتباس عضوي مستعصٍ.*

وحين يعجز الشارع عن استيعاب سردياته الكبرى وتفكيك أيقوناته من حرية وزعامة وماضٍ سياسي متكلس، تضيق الخيارات الوجودية وتنسد منافذ النجاة. تتساقط اليافطات وتتلاشى الوعود البلاغية الطنانة، فلا يتبقى للذات المأزومة سوى استجابتين حتميتين. الاستجابة الأولى تتجسد في لفظ هذه الشعارات في لحظة انفضاح مقززة تعري وهم الخلاص الجماعي وتملأ الفضاء بروائح الخيبة. الاستجابة الثانية تتجسد في ابتلاعها المستسلم المؤسس لاختناق بطيء يمتد ويتمدد في صمت. تنغلق الرؤية السردية على هذا الانسداد التاريخي المظلم، تاركة الإنسان والمكان في مواجهة صريحة مع مأساة الوجود العاري، و تغلق الباب أمام أي مخرج خلاصي ثالث ينقذ الجسد من حتمية مصيره.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *