This post contains affiliate links.
أدباتية: حين نستعرض جدلية الذاكرة والتحول في العالم الروائي نكتشف أن الزمان والمكان في الرواية الحديثة ليسا عنصرين ثانويين أو خطين دراميين يحيطان بالأحداث من الخارج، بل أصبحا مكونين أساسيين في بناء العالم الروائي، يشاركان في تشكيل الشخصيات، وتوجيه حركة السرد، وإنتاج الرؤية الفكرية للنص. فالمكان ينتقل من كونه مجرد رقعة جغرافية تتحرك فوقها الشخصيات، ليغدو فضاء ثقافيا يحمل ذاكرة المجتمع، ويختزن أنساقه القيمية، ويكشف طبيعة العلاقات بين أفراده وكذلك لم يعد الزمان تعاقبا ديناميكيا للوقائغ والأحداث، بل أصبح زمنا نفسيا وتاريخيا تتمازج فيه الذاكرة بالحاضر، ويتحول إلى أداة لتفسير التحولات الاجتماعية والإنسانية وفي رواية «الكلّاف» تتجسد- بجلاء- هذه الرؤية؛ إذ يتعامل أبو المجد البحيري مع الزمان والمكان بوصفهما شريكين في بناء الدلالة، لا مجرد إطارين تتحرك داخلهما الشخصيات فالقرية المصرية ليست خلفية صامتة، بل هي كيان نابض بالحياة، يتنفس مع الشخصيات، ويشهد تحولات المجتمع، ويحتفظ بذاكرة الصراع بين السلطة التقليدية والوعي الجديد كما أن الزمن لا يسير في خط مستقيم، بل يتشابك فيه الماضي بالحاضر، ليصبح استدعاء الذاكرة وسيلة لفهم الواقع، والكشف عن جذور الصراع الذي تعيشه الشخصيات المتصارعة، ويمكننا إيضاح ذلك فيما نجمله من نقاط آتية:
أولا: الزمن الروائي من التاريخ إلى الوعي
يتجاوز الزمن في رواية «الكلّاف» حدود التأريخ لمرحلة الإصلاح الزراعي، ليصبح زمنا للتحول الداخلي فالرواية لا تعنى بتسجيل الوقائع بقدر ما تعنى بتتبع أثرها في وجدان الإنسان الريفي. ولهذا تتكرر العودة إلى الماضي عبر استدعاء الذكريات والأحداث، لا بهدف استعادة ما مضى، وإنما لتفسير الحاضر، وبيان الكيفية التي تشكلت بها علاقات السلطة والخضوع داخل القرية وهذا التداخل الزمني يكشف حقيقة أن الماضي لا يفارق الحاضر، بل يظل حاضرا في الوعي الجمعي، تحاول السلطة التقليدية استدعاءه لتبرير استمرار امتيازاتها، بينما يسعى الوعي الجديد إلى تجاوزه دون أن ينكره ومن هنا يغدو الزمن أحد ميادين الصراع؛ إذ يتمسك العمدة بزمن الهيمنة، في حين ينتمي الزناتي إلى زمن القانون والحق، وقد نجح البحيري في تنويع الإيقاع الزمني؛ إذ تتباطأالحركة السردية في لحظات التأمل واسترجاع الذكريات، مما يتيح للقارئ النفاذ إلى أعماق الشخصيات، ثم تتسارع في مشاهد المواجهة، لتعكس احتدام الصراع واقتراب لحظة الحسم مما يجعل الإيقاع الزمني انعكاسًا للحالة النفسية والاجتماعية، لا مجرد وسيلة لتنظيم الأحداث.
ثانيا: المكان بين ذاكرة السلطة وفضاء التحول
لا أخفيك سرا وأنت نطوف معي بين سطور الدراسة أن عنصر الزمان إذا كان يمثل حركة التاريخ، فإن المكان في «الكلّاف» يمثل ذاكرته الواعية فالقرية ليست مجرد موقع جغرافي، بل هي فضاء ثقافي تتجسد فيه القيم والعادات والموروثات الاجتماعية وتتحدد داخله مواقع القوة والضعف ونلاحظ حرص أبو المجد البحيري على توزيع الأمكنة توزيعا دلاليا؛ فالسرايا لا تمثل بيتا كبيرا فحسب، وإنما هي رمز لمركز السلطة القديمة، بما تحمله من هيبة ونفوذ وتقاليد راسخة وفي المقابل، تمثل الحقول فضاء العمل والإنتاج، ومنها تنبع شرعية جديدة قوامها الجهد والحق،والكرامة، لا الوراثة والامتياز، وتأتي الطرق، والساحات، والمجالس “المصاطب”، لتمثل فضاءات للتفاعل الاجتماعي، تتطاير عبرها الأخبار، وتتكون فيها المواقف، ويتشكل الرأي العام داخل القرية وبهذا تتحول الأماكن إلى إشارات ثقافية، لكل منها وظيفته في بناء الرؤية الروائية.
ثالثا: جدلية المكان والهوية
واضح أن الرواية تكشف عن علاقة وثيقة بين المكان والهوية؛ فكل تحول يصيب المكان ينعكس على وعي الشخصيات، كما أن تغير موقع الإنسان داخل المكان يعيد تشكيل صورته في نظر نفسه وفي نظر الآخرين ولعل امتلاك الأرض يمثل أبرز مظاهر هذا التحول؛ إذ لا تمنح الأرض الشخصية ثروة مادية وفقط، بل تمنحها اعترافا اجتماعيا، وإحساسا جديدا بالانتماء ومن هنا يصبح الدفاع عن الأرض دفاعا عن الكرامة، لا عن الملكية وحدها وفي المقابل، تدرك السلطة التقليدية أن فقدان احتكارها للمكان يعني فقدانها لاحتكار المعنى؛ ولذلك تقاوم التغيير بكل الوسائل، لأن تغير خريطة المكان يعني تباعا تغير خريطة السلطة نفسها
رابعا: الزمان والمكان بوصفهما شريكين في إنتاج الدلالة
نلاحظ أن الزمان والمكان في الرواية لا يعمل كل منهما على حدة،- بمنأى عن الآخر- وإنما يتكاملان في تشكيل الدلالة العامة للنص فالقرية لا تفهم طبيعتها إلا في ضوء تاريخها، والتاريخ لا يكتسب معناه إلا من خلال تلك الأماكن التي تجسد آثاره وتتولد من هذا التفاعل نظرة الرواية إلى الإنسان، حيث يصبح المكان سجلا للذاكرة، ويغدو الزمن سجلا للتغير والتحول ومن ثم فإن الصراع في «الكلّاف» لا يدور فوق أرض محايدة، ولا داخل زمان عابر، وإنما يجري داخل فضاء مشحون بالتاريخ، وزمان تتصارع فيه قيم الماضي وأسئلة المستقبل. ولذلك لم يكن المكان مجرد شاهد على الأحداث، بل هو أحد صانعيها، ولم يكن الزمان مجرد إطار لها، بل كان القوة الدافعة التي دفعت الشخصيات إلى إعادة النظر في ذواتها وعلاقاتها بالعالم لكل ذلك نرى أن تحليل الزمان والمكان في رواية «الكلّاف» يكشف للمتلقي أن أبا المجد البحيري نجح في تجاوز الاستخدام التقليدي لهذين العنصرين، فجعل منهما مكونين فاعلين في بناء الرؤية السردية. فالزمان لم يعد تسلسلا للأحداث، بل أصبح زمنا لتحول الوعي، والمكان لم يعد إطارا جامدا، بل غدا منارا حاملا للذاكرة الاجتماعية ومجالا لإعادة توزيع السلطة وبهذا أسهم العنصران معا في ترسيخ الفكرة المركزية للرواية، وهي أن التحول الحقيقي لا يبدأ بتغير القوانين وحدها، وإنما بإعادة تشكيل علاقة الإنسان بالأرض، وبالمجتمع، وبذاته، وكرامته .
About The Author
Post Views: 22