This post contains affiliate links.
أدباتية – أحمد زكي شحاتة: في الموروث الشعبي واللغوي، كثيرًا ما نتداول ألمع الكلمات وأعمقها دون أن نتوقف عند جذورها المدهشة، فنقول عن المتميز في عمله: «فلان فالح»، وندعو للمجتهد بالقول: «ربنا يوفقك وتَفْلَح»، ونردد مع المؤذن خمس مرات يوميا: «حيّ على الفَلاَح» حين يرتفع النداء الرباني داعيًا الناس إلى الإقبال على الفوز والنجاح والظفر.
وفي المقابل، نجد من يسقط في فخ السطحية الساخرة ليختزل شخصية «الفلّاح» في صورة نمطية مجحفة تقلل من قدرته أو فهمه، متناسين أن الفلاح ليس مجرد زارع للأرض بل هو المهندس الأول والعالم الأسبق والأب الشرعي لكل نجاح بشري.
ولعل النظر بإمعان في مفردات العنوان «فلّاح وفالح وفَلَنْكَح» يكشف لنا جغرافيا العقل البشري بين الحقيقة والادعاء، فـ الفلاح هو الممارس الأصيل للمهنة والمُشتبك بروحه وعقله وكل جوارحه مع الطين، والفالح هو المنتصر الذي أثمر جهده فَلَاحًا وفوزًا، بينما الفلنكح -في المعجم الشعبي والدلالي- هو ذلك المتأنق بالمعرفة الكاذبة الذي يدّعي العلم دون أن يمس أرض الواقع، ويقلل من شأن أهل العلم الحقيقيين لمجرد أن أيديهم تخضبت بتراب الأرض.
حين تقف على ناصية أرض زراعية يقوم عليها فلّاح ماهر، فإنه ما تراه ليس مجرد حقل أو مياه تتخلل التراب، بل إنك تطالع لوحة هندسية بالغة الدقة، فالقنوات والمساقي مقسمة بزوايا قائمة وحسابات دقيقة، لم يستعن هذا الفلاح الأول بأجهزة مساحة ليزرية ولا برامج النمذجة ثلاثية الأبعاد، لكنه يستخدم ميزان الفطرة وعقلًا يتوارث خبرة آلاف السنين.
ولا يأتي انسياب الماء في هذه الخطوط المتوازية مصادفة، إنما يجري بحسابات دقيقة للميول وتوزيعات متوازنة للضغط وهيدروليكية المياه كي تصل إلى كل نبتة بالتساوي دون أن تغرق المصاطب أو تغمر أسطح الخطوط.
يقف الفلاح وسط هذا المخطط المائي الهائل، كجندي يحمل «فأسه» سلاحًا، فينحني بتواضع المعلم العارف، ومن حوله تتهادى أسراب «أبو قردان» في تناغم عبقريٍ تتوافد زرافات ووحدانًا على «رائحة الشراقي» لتُكمل جزءًا مهمًا من نظام إيكولوجي يدير مفاتيحه هذا المهندس الأسمر الذي لا يزرع فقط، بل يبني منظومة حيوية متكاملة بمكونات متداخلة كتربة والماء والهواء والطاقة الشمسية.
ولا أحسبني أبالغ إذا قلت إن الفلاح هو المؤسس الأول لعلوم الرياضيات والفلك والهندسة، بلا تعقيدات لفظية أو مصطلحات عميقة ومسميات ثقيلة، فالفلاح يعرف كيف يقسم المحصول ويحسب كمية البذور للمساحة «القيراط والسهم والفدان»، ويقدر زكاة الزروع والثمار بـ«الصاع والطبسية والكيلة والإردب والقنطار»، ويوزع نوبات الري بالساعة والدقيقة بين جيرانه بغير كتابة، بل بحساب ذهني صارم لا يُظلَمُ فيه أحدٌ.
الفلاح، حين يرفع عينيه إلى السماء، فإنه لا يتأمل أجواءً رومانسية بل يرصد – بدقة – حركة النجوم وشكل السحاب واتجاه الريح، فيعرف التقويم والزراعي عن ظهر قلب «من “توت” إلى “مسرى”»، فيعلم متى يبذر ومتى يحصد ومتى يستعد للأنواء قبل أن تظهر في شاشات النشرة الجوية، ويعرف أيضًا طبيعة التربة سواءً كانت «سوداء أو صفراء أو ملحية»، فيقرر ما يناسبها من زراعات وما تحتاجه من مخصبات عضوية، وكيف يعالج أرضه بالتدوير وتزامن الدورة الزراعية دون أن يدرس الكيمياء الحيوية في أيٍ من جامعات العالم.
إن «مخ الفلاح» هو كمبيوتر حيوي يعمل بالحساب الفطري والتجربة المباشرة، وما المعادلات المعقدة التي نراها في الكتب إلا صياغة رمزية لما يمارسه الفلاح على الأرض يوميًا.
في مقابل الفلاح الحقيقي الذي يطعم العالم ببصره وبصيرته وكدّ يديه وعرق جبينه، ظهر عبر التاريخ وفي مجتمعاتنا نمط «الفلنكح»، ذلك الدعّي الذي يتطاول على الجميع دون تمييز، يُفاخِرَ بين الناس بالمظهر والحديث الفارغ ويقيس عقول الآخرين بثيابهم أو بلهجتهم.
المأزق الذي يقع فيه هذا النمط من البشر هو العجز عن رؤية «الجوهر الهندسي» للحياة، يرى التراب فيظنه قذارة بينما يراه الفلاح مصدرًا للخبز، ويرى انحناءة ظهر الفلاح فيحسبها ضعفًا بينما هي في الحقيقة انحناءة المبدع فوق لوحته، والهواية القوية التي تتأسس عليها أمن المجتمعات الغذائي والوجودي.
لقد علمتنا الأرض أن هؤلاء الأدعياء يذهبون جفاء، بينما يَبْقَى بين الناس مَن ينفعهم، والفلاح هو أصل هذا النفع فلولا حرثه ما أكل عالِم، ولولا صبره ما استقر مجتمع، ولولا هندسته الفطرية ما قامت حضارة على ضفاف الأنهار.
About The Author
Post Views: 44