10 سبتمبر، 2026

«أمي ليست خادمة».. ياسر عيد

0
أمي ليست خادمة- ياسر عيد - أدباتية

لم تكن أمي تملك شيئًا في هذه الدنيا سوى بيت صغير، وزوج أنهكه العمر ، وثلاثة أبناء كانت ترى فيهم الدنيا كلها .

منذ أن كنا صغارًا ، كانت تستيقظ قبل الجميع .

تعد الطعام ، تنظف البيت ، توقظنا للمدرسة ، تجهز ملابسنا ، وتظل طوال اليوم من غرفة إلى أخرى .

لم نكن نرى تعبها ، لأننا اعتدنا وجودها .

كانت بالنسبة لنا مثل عقارب الساعة .

لا نتذكرها إلا عندما تتوقف ، كبرنا واحدًا تلو الآخر  تخرجنا ، عملنا ، تزوج اثنان منا ، وبقيت أنا في المدينة بحكم عملي .

أما أمي .. فبقيت في البيت .

كانت تتصل بنا دائمًا .

تسأل .. أكلت ؟

رجعت البيت ؟

الدنيا برد عندكم ؟

وكنا نجيب عليها بسرعة .. نعم يا أمي… الحمد لله ، ثم ننهي المكالمة .

لم نكن نعرف أن تلك المكالمات القصيرة كانت بالنسبة إليها أهم لحظات يومها .

مرت السنوات ، كبر أبي ، ثم مرض .

تحملت أمي رعايته حتى آخر أيامه .

كانت تطعمه بيدها ، وتساعده على الحركة ، وتسهر بجواره طوال الليل .

وعندما توفي .. لم تبكِ أمامنا كثيرًا .

كانت تقول .. الحمد لله .. ارتاح .

لكنني رأيت الحزن في عينيها .

بعد وفاة أبي ، أصبحت أمي أكثر احتياجًا إلينا .

لكننا كنا أكثر انشغالًا ، كل واحد منا لديه عمل وأبناء ومشاكل ، وبدأت أمي تطلب أشياء بسيطة .

مرة تريد من أحدنا أن يأخذها إلى الطبيب .

ومرة تريد إصلاح شيء في البيت .

ومرة تريد فقط أن يجلس أحدنا بجوارها قليلًا .

وكنا دائمًا نملك نفس الإجابة ..

إن شاء الله يا أمي .. لما نفضى حاضر .

حتى جاء اليوم الذي لم تعد فيه تستطيع الحركة كما كانت ، أصبحت تحتاج إلى من يساعدها في كل شيء ، وفي اجتماع عائلي ، قالت أختي ..

لازم نجيب لها حد يخدمها .

هز أخي رأسه موافقًا . أما أنا فقلت ..

ده أفضل حل .

كنت أقولها وكأنني أتحدث عن شخص غريب .

ولم أنتبه إلى نظرة أمي ، نظرة طويلة ..

مليئة بشيء لم أفهمه وقتها .

بعد أيام ، دخلت امرأة إلى البيت لتعتني بأمي .

وفي أول يوم ، سمعتها تقول لها .. أنا مش محتاجة حد يخدمني يا بنتي .. أنا محتاجة ولادي .

وصلت الجملة إلى أذني ، لكنني تجاهلتها .

حتى جاء يوم اتصلت بي أمي .

قالت .. تعالى يا ابني .. أنا محتاجه لك .

قلت .. حاضر يا أمي ، هاجي قريب إن شاء الله .

قالت .. قريب دي بقالها شهور .

لم أستطيع الرد ، ثم قالت ..

أنا مش زعلانة إنكم جبتوا حد يساعدني ..

وتوقفت قليلًا .. أنا زعلانة إنكم افتكرتوا إني كنت طول عمري بخدمكم .. فبقيتوا شايفين خدمتي ليكم حاجة عادية ، ونسيتوا حاجات كتير يا إبني ، نسيتوا أني والدتكم ، التي سهرت من أجلكم ، وحملتكم تسعة أشهر وهي تتألم وتنتظر لحظة وصولكم الدنيا ، وأرضعتكم وقامت علي تربيتكم تربية حسنة ، وحرمت نفسها من أجلكم ، وكانت ممرضة في مرضكم ، وتتألم لألمكم ، وتتمني لكم دائمًا السعادة ، وتتمني لكم دائمًا الفرح والرضا والهنا والتفوق ، نسيتوا كل هذا وتذكرتم فقط أنني كنت خادمة لكم .

لم أعرف ماذا أقول ، ولكن شعرت بعيني تظرف الدمع دون إرادة مني .

ذهبت إليها في اليوم التالي ، وجدتها جالسة وحدها ، وضعت أمامها الطعام .

قالت .. اجلس كل معي .

جلست ، وبينما كنت أطعمها ، نظرت إلى يدي وقالت .. إيدك كبرت يا ابني .

ابتسمت ، ثم قالت .. أنا كنت بأطعمك بإيدي دي وأنت صغير .

انخفضت رأسي لأول مرة .. رأيت أمي كما يجب أن أراها ، لم تكن خادمة .

لم تكن شخصًا موجودًا في البيت ليطبخ وينظف ويرعى الجميع ، كانت إنسانة .. تعبت ، وكبرت .

وأصبحت تحتاج إلى من يسألها ..

أنتِ محتاجة إيه ؟

وليس فقط .. إيه اللي ناقص في البيت ؟

بعدها بدأت أزورها كل يوم ، ثم جاء إخوتي .

وعادت ضحكة أمي إلى البيت .

لكنها لم تعد كما كانت .

وفي إحدى الليالي ، قالت لي ..

عارف يا ابني إيه أكتر حاجة كانت بتوجعني ؟

قلت .. إيه يا أمي ؟

قالت .. إني ربيتكم طول عمري عشان لما أكبر ألاقيكم سند لي .

ثم ابتسمت .. مش تشوفوني خادمة لكم .

لم أستطع منع دموعي ، وقتها فهمت شيئًا لن أنساه ما حييت .. الأم لا تتعب لأنها أم فقط ..

هي تتعب لأنها إنسانة أيضًا ، فلا تنتظروا حتى تكبر أمهاتكم ، وتضعف أجسادهن ، وتصبح أيديهن عاجزة .. لكي تكتشفوا أن اليد التي خدمتكم عمرًا كاملًا .. كانت تستحق منكم أن تمسكوها يومًا .

أمي ليست خادمة ..

أمي هي اليد التي حملتني عندما لم أكن أستطيع الوقوف ، أمي هي نبض الحياة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *