لم تكن أمي تملك شيئًا في هذه الدنيا سوى بيت صغير، وزوج أنهكه العمر ، وثلاثة أبناء كانت ترى فيهم الدنيا كلها .
منذ أن كنا صغارًا ، كانت تستيقظ قبل الجميع .
تعد الطعام ، تنظف البيت ، توقظنا للمدرسة ، تجهز ملابسنا ، وتظل طوال اليوم من غرفة إلى أخرى .
لم نكن نرى تعبها ، لأننا اعتدنا وجودها .
كانت بالنسبة لنا مثل عقارب الساعة .
لا نتذكرها إلا عندما تتوقف ، كبرنا واحدًا تلو الآخر تخرجنا ، عملنا ، تزوج اثنان منا ، وبقيت أنا في المدينة بحكم عملي .
أما أمي .. فبقيت في البيت .
كانت تتصل بنا دائمًا .
تسأل .. أكلت ؟
رجعت البيت ؟
الدنيا برد عندكم ؟
وكنا نجيب عليها بسرعة .. نعم يا أمي… الحمد لله ، ثم ننهي المكالمة .
لم نكن نعرف أن تلك المكالمات القصيرة كانت بالنسبة إليها أهم لحظات يومها .
مرت السنوات ، كبر أبي ، ثم مرض .
تحملت أمي رعايته حتى آخر أيامه .
كانت تطعمه بيدها ، وتساعده على الحركة ، وتسهر بجواره طوال الليل .
وعندما توفي .. لم تبكِ أمامنا كثيرًا .
كانت تقول .. الحمد لله .. ارتاح .
لكنني رأيت الحزن في عينيها .
بعد وفاة أبي ، أصبحت أمي أكثر احتياجًا إلينا .
لكننا كنا أكثر انشغالًا ، كل واحد منا لديه عمل وأبناء ومشاكل ، وبدأت أمي تطلب أشياء بسيطة .
مرة تريد من أحدنا أن يأخذها إلى الطبيب .
ومرة تريد إصلاح شيء في البيت .
ومرة تريد فقط أن يجلس أحدنا بجوارها قليلًا .
وكنا دائمًا نملك نفس الإجابة ..
إن شاء الله يا أمي .. لما نفضى حاضر .
حتى جاء اليوم الذي لم تعد فيه تستطيع الحركة كما كانت ، أصبحت تحتاج إلى من يساعدها في كل شيء ، وفي اجتماع عائلي ، قالت أختي ..
لازم نجيب لها حد يخدمها .
هز أخي رأسه موافقًا . أما أنا فقلت ..
ده أفضل حل .
كنت أقولها وكأنني أتحدث عن شخص غريب .
ولم أنتبه إلى نظرة أمي ، نظرة طويلة ..
مليئة بشيء لم أفهمه وقتها .
بعد أيام ، دخلت امرأة إلى البيت لتعتني بأمي .
وفي أول يوم ، سمعتها تقول لها .. أنا مش محتاجة حد يخدمني يا بنتي .. أنا محتاجة ولادي .
وصلت الجملة إلى أذني ، لكنني تجاهلتها .
حتى جاء يوم اتصلت بي أمي .
قالت .. تعالى يا ابني .. أنا محتاجه لك .
قلت .. حاضر يا أمي ، هاجي قريب إن شاء الله .
قالت .. قريب دي بقالها شهور .
لم أستطيع الرد ، ثم قالت ..
أنا مش زعلانة إنكم جبتوا حد يساعدني ..
وتوقفت قليلًا .. أنا زعلانة إنكم افتكرتوا إني كنت طول عمري بخدمكم .. فبقيتوا شايفين خدمتي ليكم حاجة عادية ، ونسيتوا حاجات كتير يا إبني ، نسيتوا أني والدتكم ، التي سهرت من أجلكم ، وحملتكم تسعة أشهر وهي تتألم وتنتظر لحظة وصولكم الدنيا ، وأرضعتكم وقامت علي تربيتكم تربية حسنة ، وحرمت نفسها من أجلكم ، وكانت ممرضة في مرضكم ، وتتألم لألمكم ، وتتمني لكم دائمًا السعادة ، وتتمني لكم دائمًا الفرح والرضا والهنا والتفوق ، نسيتوا كل هذا وتذكرتم فقط أنني كنت خادمة لكم .
لم أعرف ماذا أقول ، ولكن شعرت بعيني تظرف الدمع دون إرادة مني .
ذهبت إليها في اليوم التالي ، وجدتها جالسة وحدها ، وضعت أمامها الطعام .
قالت .. اجلس كل معي .
جلست ، وبينما كنت أطعمها ، نظرت إلى يدي وقالت .. إيدك كبرت يا ابني .
ابتسمت ، ثم قالت .. أنا كنت بأطعمك بإيدي دي وأنت صغير .
انخفضت رأسي لأول مرة .. رأيت أمي كما يجب أن أراها ، لم تكن خادمة .
لم تكن شخصًا موجودًا في البيت ليطبخ وينظف ويرعى الجميع ، كانت إنسانة .. تعبت ، وكبرت .
وأصبحت تحتاج إلى من يسألها ..
أنتِ محتاجة إيه ؟
وليس فقط .. إيه اللي ناقص في البيت ؟
بعدها بدأت أزورها كل يوم ، ثم جاء إخوتي .
وعادت ضحكة أمي إلى البيت .
لكنها لم تعد كما كانت .
وفي إحدى الليالي ، قالت لي ..
عارف يا ابني إيه أكتر حاجة كانت بتوجعني ؟
قلت .. إيه يا أمي ؟
قالت .. إني ربيتكم طول عمري عشان لما أكبر ألاقيكم سند لي .
ثم ابتسمت .. مش تشوفوني خادمة لكم .
لم أستطع منع دموعي ، وقتها فهمت شيئًا لن أنساه ما حييت .. الأم لا تتعب لأنها أم فقط ..
هي تتعب لأنها إنسانة أيضًا ، فلا تنتظروا حتى تكبر أمهاتكم ، وتضعف أجسادهن ، وتصبح أيديهن عاجزة .. لكي تكتشفوا أن اليد التي خدمتكم عمرًا كاملًا .. كانت تستحق منكم أن تمسكوها يومًا .
أمي ليست خادمة ..
أمي هي اليد التي حملتني عندما لم أكن أستطيع الوقوف ، أمي هي نبض الحياة .