أدباتية – د. أحمد محمود الجبالي: هل لغة القرآن ظاهرة اجتماعية أم ذات صبغة عقدية دينية؟، أما عن إجابة السؤال فلا بد أن نقف أولًا على أن الظاهرة معناها شيء لم يكن موجودا أو كان موجودا ولكن لم يعتد به ثم سرعان ما أصبح منتشرا وأصبح ظاهرا مألوفا بين الناس، ثم يأتي زمان حتى وإن طال وتختفي تلك الظاهرة، وتكون حدثا فيما سلف، أو ذكرى تسرد حكايتها مع تحقق عدم وجودها وقت سرد حكايتها.. وإذا طبقنا هذا المفهوم على لغة القرآن الكريم بصفة خاصة، لوجدنا أن عنصر الفناء غير موجود فيها، بل بقاء الألفاظ وما تحمله من معان، بل مع استمرار وجودها تتحقق معان وتظهر مفاهيم جديدة للمفردة القرآنية لم يصل إليها مفسر محقق، أو يقف على بلاغتها بليغ مدقق ، ولم لا فهو لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد. وعلى هذا نستطيع أن نقول إن لغة القرآن الكريم لغة توقيفية «أي أن الله أوقفنا عليها وقد أنزل القرآن من عنده – وإن كان على طريق العرب وأساليبهم في التعبير عن معانيهم وليست توفيقية مكتسبة أي أن الله وفقنا إليها» و«فرق بين أوقفنا عليه، ووفقنا إليها» فهي ليست وليدة تفاعل مجتمعي، أو ظاهرة مجتمعية، سرعان ما تنتشر سرعان ما تزول، بل هي لغة باقية بقاء الحياة، وكلامه تعالى سيظل معجزا والتحدي بإعجازه قائم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: {قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْءَانِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [الإسراء: 88]
ولي وقفة مع بعض النماذج التي أرادت أن يأتوا بمثل لفظ القرآن وعجزوا مما ذكر في كتب النقد والأدب وكتب علوم القرآن.
أمثال الروايات التي تذكر أن مسيلمة زعم أن له قرآنًا نزل عليه من السماء ويأتيه به ملك يسمى رحمن، ومن قرآنه الذي زعمه:
– «والمبذرات زرعًا، والحاصدات حصدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والعاجنات عجنًا، والخابزات خبزًا، والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنا … لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، ريفكم فامنعوه، والمعتر فآووه والباغي فناوئوه»…
– وقوله: «والشاء وألوانها، وأعجبها السود وألبانها، والشاة السوداء، واللبن الأبيض، إنه لعجب محض، وقد حرم المذق فما لكم لا تمجعون».
– وقوله: «الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وبيل، وخرطوم طويل»
– وقال الجاحظ في “الحيوان” عند القول في الضفدع: ولا أدري ما هيج مسيلمة على ذكرها، ولم ساء رأيه فيها حتى جعل بزعمه فيها فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفدع بنت ضفدعين، نقي ما تنقين، نصفك في الماء ونصفك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين.
وحضرني الآن مقولة الشيخ سهل بن عبد الله التستري وهو من المتصوفين :
وكل كلامه على هذا النمط واه سخيف لا ينهض ولا يتماسك، بل هو مضطرب النسج مبتذل المعنى مستهلك من جهتيه، وما كان الرجل من السخف بحيث ترى، ولا من الجهل بمعاني الكلام وسوء البصر بمواضعه ولكن لذلك سببًا نحن ذاكروه متى انتهى بنا الكلام إلى موضعه الذي هو أملك به.
وهي دعوى حق أريد بها باطل إذ أن ما ذكر من غث الكلام لا يليق أن نقول عليه أراد مضاهاة القرآن الكريم بمثل هذا الهراء فعجز لأن في ذلك منقصة من قدر القرآن الكريم والأخذ من قدسيته ولله در القائل:
مثل من سميائية الرسم العثماني ودلالة أنه رسم توقيفي وليس توفيقيا
– في كتابة كلمة “أيد” من قوله تعالى: { وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْد } إذ كتبت هكذا “بأييد” وذلك للإيماء إلى تعظيم قوة الله التي بنى بها السماء، وأنها لا تشبهها قوة على حد القاعدة المشهورة، وهي: زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى.
– في الرسم العثماني كلمة صاحبه مرة تكتب (صحبه) من غير ألف ومرة تكتب (صاحبه) بالمد بالألف ( وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا * كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا * وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا * وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا* وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا*قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا * لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا) الصاحب واحد وهو الرجل الأقل مالا وولدا في نظر صاحبه الذي يملك المال والولد وتكبر ونظر إلى صاحبه أنه ذليل كسير لا يستطيع أن يرفع قامته فجاء الرسم العثماني ليرسم هذا المعنى الموجود في نفس المتكلم خطا ولفظا، أما عندما تكلم هذا الصاحب نفسه تكلم بعزة نفس وشموخ وأنفة لأنه رضي بما أعطاه الله ولم يتكبر.
ومن سميائية الخط أيضا في قوله تعالى {وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكاً فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ رِزْقاً لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذَلِكَ الْخُرُوجُ}ق: 10-11
من عادة الرسم العثماني أن الاسم المجموع وفيه مد بالأف يوضع مكان الألف ألف صغيرة بعد الحرف وليس ألف مد كما في أصحاب الأيكة – السموات – … وغيرها من أمثلة ، إلا هذه الكلمة فكانت القاعدة مختلفة حتى يتناسب الخط بالمد مع وصف النخل بالطول .
هذا والله أعلى وأعلم وأعز وأحكم.
أ. د/ أحمد محمود الجبالي أستاذ ورئيس قسم البلاغة والنقد كلية الدراسات الإسلامية والعربية – بنات- كفر الشيخ
More Stories
سيكولوجية الإنجاز الملموس.. آليات الروتين اليومي في العصر الرقمي
تفاعل جماهيري واسع مع عروض “شارع الفن” بالإسكندرية
أمسيات وندوات ورحلات خلوية.. نادي أدب سيدي سالم يواصل احتفالاته باليوم العالمي للبيئة