2026-06-21

دار الأوبرا المصرية تستهل احتفالات «موسم الحج» بليلة روحانية من طراز فريد

أدباتية: تفتتح دار الأوبرا المصرية، مساء اليوم الأحد الموافق العاشر من مايو 2026، باكورة احتفالاتها السنوية بموسم الحج المبارك، حيث يحتضن مسرح معهد الموسيقى العربية العريق أمسية إنشادية استثنائية تحييها «فرقة الإنشاد الديني».
وتأتي هذه الاحتفالية في تمام السابعة والنصف مساءً، لتمثل انطلاقة فنية وروحية تجسد ارتباط الفنون الرفيعة بالمناسبات الدينية الكبرى، مؤكدة على دور الأوبرا في صون الهوية الثقافية والدينية للمجتمع المصري عبر استحضار التراث الأصيل في قوالب فنية منضبطة تليق بعظمة الحدث ومكانته في قلوب الملايين.

احتفالات «موسم الحج»

يقود المايسترو عمر فرحات دفة الليلة الروحية، نخبة من أبرز أصوات الفرقة التي تدربت على تقديم أصعب المقامات الموسيقية المرتبطة بفن الابتهال والمديح. ويشارك في هذه الأمسية كوكبة من المنشدين الذين حفروا أسماءهم في سجلات «الإنشاد الديني»، ومن بينهم: طه حسين، حاتم زايد، حسام صقر، تامر نجاح، أحمد حسن، محمد عبد الحميد، وسماح عباس، وهبة عادل. حيث يتبارى هؤلاء الفنانون في تقديم تنويعات موسيقية تجمع بين قوة الصوت وعمق الإحساس، مستلهمين من «أجواء الحجيج» وروحانيات المشاعر المقدسة ما يضفي على المسرح حالة من الشجن الوجداني والتجلي الروحي.

الإنشاد الديني من الساحات الشعبية إلى مسارح المؤسسة

يفتح هذا الحفل الباب واسعا أمام الحديث عن واحد من أعرق الفنون التي التصقت بالوجدان المصري لقرون طويلة، وهو فن «الإنشاد الديني»، فقد خرج هذا الفن من رحم الساحات الشعبية، وحلقات الذكر، والموالد، ليعبر عن صدق العاطفة الفطرية للمصريين تجاه الخالق ومدح الرسول الكريم. ومع مرور الوقت، نجح هذا الفن في أن يجد طريقه من «احتفالات البيوت» والمناسبات العفوية إلى خشبات المسارح الرسمية، متحولاً إلى كنف مؤسسي منظم داخل دار الأوبرا، التي وضعته ضمن أجندتها الفنية الدائمة كأحد أهم روافد الموسيقى العربية المعاصرة.

يروي التاريخ الثقافي المصري، أن الإنشاد لم يبدأ من القاعات المغلقة أو المسارح الفخمة، بل تشكلت هويته في «الفضاء الشعبي المفتوح». ففي قلب الموالد، وتحت أضواء شهر رمضان، وخلال مواسم وداع الحجاج، تبلورت علاقة المستمع المصري بالابتهال والتواشيح.
كان المنشد قديما يعتمد على خامة صوته الفطرية وقدرته الفائقة على «الارتجال المقامي» للوصول إلى قلوب الناس مباشرة، بينما كان الجمهور يتلقى هذا الإبداع باعتباره «حالة وجدانية» مقدسة، تسبق في أهميتها القواعد الموسيقية الأكاديمية الصارمة، مما خلق حالة من التماهي بين الفن والطقس الديني.

استقر الإنشاد الديني بمرور الأجيال كجزء لا يتجزأ من «الذاكرة السمعية» للأمة، حيث ارتبط في الأذهان بالصوت القوي الصادح بالمديح والقصائد التي تتغنى بحب آل البيت ووحدانية الله. وتعلم المستمع المصري بالفطرة تذوق مقامات مثل «الرصد» و«السيكا» و«الحجاز»، وصار يميز بينها حتى وإن لم يدرك أسماءها العلمية. ومن هنا، ظل هذا الفن حاضرا بقوة في المناسبات الكبرى، لأنه يخاطب المساحة المشتركة بين «الطقس الروحي» والاحتفال الاجتماعي، مما يجعله الجسر الأقوى الذي يربط بين عراقة الماضي ومتطلبات الحاضر.

تأسيس بقرار جمهوري

تؤكد وثائق دار الأوبرا المصرية أن «فرقة الإنشاد الديني» لم تكن وليدة الصدفة، بل تأسست بقرار مؤسسي في عام 1972 في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وجاءت الفكرة عقب لقاء تاريخي جمع بين الكاتب الكبير أسامة أنور عكاشة والمايسترو القدير عبد الحليم نويرة، بهدف إنقاذ «التراث الديني» من الاندثار أو العشوائية التي قد تصيب المحافل والموالد.

وقد شرع نويرة في تكوين الفرقة عبر اختيار أصوات استثنائية، مستعينا بخبرات كبار المشايخ وحفظة التواشيح الذين يمثلون «السد العالي» لحفظ هذا الفن، ومنهم الشيخ سيد موسى، والشيخ عبد السميع بيومي، والشيخ محمد الفيومي.

تجسد هذه النشأة النوعية التحول الأهم في مسار هذا الفن؛ إذ انتقل الإنشاد من الاعتماد الكلي على «الذاكرة الفردية» للمنشدين الجوالين إلى إطار مؤسسي يضمن التدريب والحفظ والتوثيق، وبفضل هذا التحول، أصبح للمستمع المصري موعد دوري مع الجمال داخل قاعات المسرح، بعد أن ظل الإنشاد حبيس «الشارع والساحة» لعقود، وهذا الانتقال لم يُفقِد الفن روحه، بل منحه وقارا مسرحيا وتنظيما أوركستراليا سمح بتقديم القصائد الطويلة والابتهالات المركبة بأسلوب علمي يحافظ على الأصول التراثية.

عبد الحليم نويرة و«ترتيب الذاكرة الموسيقية»

يبرز اسم المايسترو الراحل عبد الحليم نويرة في هذا السياق كأحد أهم مهندسي «ترتيب الذاكرة الموسيقية» في مصر، فلم تكن مهمته مجرد تجميع أصوات جميلة، بل كانت تدور حول تأسيس «مدرسة أداء» منضبطة تحفظ الروح القديمة وتمنحها ثوبا عصريا، وفي مجال الإنشاد الديني تحديدا، كانت المهمة غاية في الدقة، لأن النص الديني يتطلب صوتاً يجمع بين «الوقار والجمال»، وبين الدقة المقامية والخشوع الفني. لذا، اعتُبرت الفرقة منذ أيامها الأولى حائط صد يحمي الإنشاد من التشتت، ويضمن بقاءَه حيا أمام الأجيال الجديدة.

يمنح اختيار «موسم الحج» توقيتاً لهذه الأمسية دلالة رمزية بالغة العمق، فالحج في الوجدان الإسلامي هو موسم الشوق والرجاء والتجرد التام للخالق، وفي الذاكرة المصرية الشعبية، يرتبط الحج بـ«وداع المسافرين» ودعوات الأمهات والأغاني الشعبية التي تستحضر الرحلة إلى الأماكن المقدسة، ومن هنا، تبدو أمسية الأوبرا الليلة كأنها امتداد لهذه «السيرة العطرة»، فهي ليست مجرد حفل موسيقي، بل هي استدعاء لمعانٍ اجتماعية وروحية مترسخة، حيث يتحول الفن الشعبي القديم إلى «احتفالية رسمية» تحترم قدسية المعنى وجلالة المناسبة.

 

«جماعية الصوت» والنسيج العام

 

تعتمد فلسفة الفرقة في أدائها على مبدأ «جماعية الصوت»، وهو ما يميزها عن كافة الأنماط الغنائية الفردية الأخرى، فالإنشاد الديني لا يقوم على سطوة «النجم الواحد»، بل على تضافر الأصوات وتناغم الكورال وتبادل المقاطع في حوارية فنية بديعة، وحتى حين ينفرد أحد المنشدين بوصلة خاصة، فإنه يظل مرتبطا بـ«النسيج العام» الذي تصنعه المجموعة، مما يعزز شعور المستمع بالوحدة والانسجام الروحي الذي يتطلبه هذا اللون من الفنون.

يبحث المستمع في حفلات الإنشاد الديني عن «حالة صوفية» متكاملة الأركان، تشمل الكلمة الراقية، والمقام العذب، والترديد الجماعي الذي يبعث على الخشوع. فالإيقاع هنا ليس مجرد وسيلة للضبط الزمني، بل هو نبض يرفع المعنى ويمنحه اتساعا كونيا وبتقديم هذه الأمسية على مسرح معهد الموسيقى العربية، تؤكد دار الأوبرا أن «التراث المصري» قادر دائما على التجدد، وأن صوت الإيمان حين يمتزج بروعة الفن، يخلق لغة عالمية تتجاوز الحدود وتصل إلى جوهر الروح الإنسانية.

تختتم الأوبرا استعداداتها لاستقبال الجمهور الليلة، مؤكدة أن أبواب معهد الموسيقى العربية ستظل مفتوحة أمام كل محبي «الفن الهادف» الذي يرتقي بالذوق العام، وتستمر هذه الاحتفالات كجزء من استراتيجية ثقافية شاملة تهدف إلى ربط الأجيال الجديدة بـ«ينابيع الإبداع» الأصيلة، وضمان استمرارية فن الإنشاد كشاهد على عبقرية الشخصية المصرية وقدرتها على صياغة علاقتها بالمقدس في قوالب إبداعية خالدة لا تنطفئ جذوتها بمرور الزمن.

About The Author