أدباتية – خاص: يقف “قرص سابو” الحجري في المتحف المصري بالتحرير كأحد أكثر الألغاز الأثرية إثارة للجدل، طارحًا سؤالًا محوريًا لم تحسمه أبحاث المصريات والمهندسين منذ تسعة عقود: كيف ولماذا صُنعت هذه القطعة الفريدة قبل أكثر من خمسة آلاف عام بتلكم الدقة المدهشة؟
الكشف الأثري في سقارة
تبدأ حكاية هذا القرص في العاشر من يناير عام 1936، عندما كان عالم المصريات البريطاني والتر براين إيمري يقود أعمال حفائر واسعة في جبانة سقارة الملكية، مُركزًا جهوده على آثاريّ الأسرتين الأولى والثانية.
وأثناء التنقيب، كشف إيمري عن المقبرة رقم 3111 العائدة للأمير “سابو”، أحد كبار رجال الدولة في عصر الأسرة الأولى، والذي تشير الدراسات إلى أنه كان ابن الملك “عج إب” وحفيد الملك “دن”. ورغم ضياع أغلب التفاصيل التاريخية عن حياة الأمير، فإن ضخامة المقبرة وثراء محتوياتها يؤكدان مكانته المرموقة في البلاط الملكي وتوليه إدارة بعض الأقاليم.
احتوت المقبرة على سبع حجرات امتلأت بالأواني الحجرية والفخارية، والأدوات النحاسية، وسكاكين الصوان، والمشغولات العاجية. غير أن وسط هذه المقتنيات الجنائزية التقليدية، ظهر جسم غريب مكسور إلى أجزاء متناثرة، لم يدرك المنقبون وقتئذٍ أنه سيتحول إلى أحد أكبر ألغاز مصر القديمة.
معضلة التصميم وحجر “الشيست”
عقب إعادة تجميع أجزائه، تجلّت قطعة أثرية لا شبيه لها في التراث المصري القديم: القطر: نحو 61 سنتيمترًا، والارتفاع: نحو 4 سنتيمترات، والتصميم: يوسطه أنبوب أسطواني بقطر 10 سنتيمترات، تحيط به ثلاثة فصوص رفيعة منحنية بدقة هندسية تكاد تكون مثالية، تتوزع على زوايا تبلغ 120 درجة.
ولم تتوقف الغرابة عند الهندسة، بل امتدت إلى المادة الخام. فقد نُحت القرص بالكامل من حجر الميتاسيلتستون (المعروف مجازًا بحجر الشيست)، وهو صخر هش يتشقق بسهولة عند التعرض للصدمات، ويصعب تشكيله بدقة متناهية، لا سيما مع عدم امتلاك المصريين في ذلك العصر سوى أدوات بسيطة من النحاس والأحجار الصلبة.
ويؤكد الباحثون أن تنفيذه بهذه الرقة والتناظر على حجر هش دون أن يتحطم أثناء النحت، يعكس مهارة حرفية استثنائية وتفوقًا تقنيًا مبكرًا لدى صناع الأسرة الأولى.
سجال الوظيفة.. من الطقوس إلى الميكانيكا
منذ لحظة اكتشافه، تعددت التفسيرات المقترحة لوظيفة القرص دون الوصول إلى إجماع حاسم:
إناء طقسي أو مبخرة: اعتبره والتر إيمري أول الأمر نوعًا من الأواني، بينما رجح آخرون استخدامه كـ “مبخرة”. غير أن التصميم لا يساعد على حفظ السوائل، كما لم تظهر على سطحه أي آثار احتراق أو ترسبات كربونية.
ومضخة مياه بالطرد المركزي: مع تطور الهندسة، رأى بعض الباحثين أن الفصوص المنحنية تشبه شفرات المراوح أو الدوافع الميكانيكية. وقام مهندسون بإعادة تصنيع نموذج مطابق عبر الطباعة ثلاثية الأبعاد واختباره حركيًا، حيث أثبت النموذج قدرته على إحداث دوامة مائية ودفع السوائل عند الدوران. لكن علماء المصريات فندوا هذه الفرضية لسببين: حجر الشيست لا يتحمل الإجهاد الميكانيكي أو الدوران السريع المستمر، وغياب أي مكونات مكملة داخل المقبرة (كالأنظمة المعدنية أو محاور الدوران) لدعم هذا النظام المفترض، أداة لجدل الحبال: قُرِح أن الفصوص الثلاثة تُستخدم لجمع ثلاثة خيوط وغزلها في حبل واحد. وبحسب الباحث الأثري الدكتور حسين دقيل، فإن هذا التفسير يظل غير منطقي، إذ عرف المصري القديم أدوات أبسط بكثير من الخشب والعظم لأداء هذه المهمة دون حاجة لاستنزاف هذا الجهد في حفر صخر هش.
تركيب مدمج: طرح عالم المصريات سيريل ألدريد رؤية تفيد بأن القرص لم يكن قطعة مستقلة، بل جزءًا أملس ضمن تركيب أكبر يضم مكونات معدنية لم تنجُ من التلف.
التوزيع الحراري.. رؤية جديدة من المطبخ الملكي
في طرْحٍ حديث، قدمت الباحثة شيماء فاروق تفكيكًا للغز من واقع الحياة اليومية وتقنيات الطهي في مصر القديمة.
تعتمد الفرضية على طبيعة حجر الشيست الذي لا يتحمل اللهب المباشر؛ إذ تقترح الباحثة أن القرص صُمم ليعمل كـ وسيط لتوزيع الحرارة أو البخار، فالإنحناءات الثلاثة الموزعة بالتساوي تسمح بمرور الهواء الساخن والبخار بشكل متجانس حول الإناء، بما يشبه حلقة توزيع الحرارة في وسائل الطهي الحديثة، وهو ما يحقق طهيًا هادئًا للخبز أو الأطعمة الملكية بالبخار.
ورغم جاذبية هذه الفرضية وملائمتها لطبيعة المادة الخام، فإنها – كغيرها – تفتقر حتى الآن إلى نص مدون أو منظر جداري أو سياق أثري مباشر يؤكدها.
شطحات خيالية وواقع أثري
فتح غموض القطعة الباب أمام كتاب “الحضارات المفقودة” و”رواد الفضاء القدماء” – مثل إريك فون دانيكن – للادعاء بأن القرص يمثل نموذجًا حجريًا لـ “تكنولوجيا متطورة” أو قطعة مستوحاة من آلات فضائية.
ويرفض علماء الآثار والمؤسسات العلمية هذه الفرضيات تمامًا، لكونها تتجاهل السياق التاريخي وتعتمد على مجرد التشابه الشكلي الظاهري دون أي سند علمي. ويشدد الأثريون على أن القيمة الحقيقية لـ “قرص سابو” تكمن في كونه إنجازًا حرفيًا مصريًا خالصًا يبرهن على مدى تطور مهارات التشكيل الحجري في عصر الأسرات المبكرة.
يبقى قرص سابو معروضًا في المتحف المصري بالتحرير، شاهدا صامتًا على براعة الصانع القديم، ومحتفظًا بسره في انتظار كشف أثري قادم يفك شفيرة واحدة من أكثر أدوات العصور القديمة استعصاءً على التفسير.
اقرأ أيضًا: