2026-06-19

الشاعر الكبير أحمد شلبي: «القصيدة» لم تسقط أمام صعود «الرواية».. و«النقد» لا يستطيع توجيه «الذائقة»

أدباتية: حوار – بسمة شعبان: يعد الشاعر العربي الكبير أحمد معروف شلبي، واحدًا من أبرز حراس القصيدة العربية، فاز مؤخرًا بجائزة القوافي الذهبية في مهرجان الشارقة الأخير للشعر العربي، صدرت له عدة دواوين، منها: «حضرة الغائب، أوراق غير ملونة، من أغاني الخوف، حديث الدمع والدماء، الليل والبيداء»، وله ديوان للأطفال بعنوان «بستان الحياة»، بالإضافة إلى المسرحيات التربوية القصيرة والشعرية ومنها أرمانوسة، وليالي بغدادية، وأصدرت هيئة قصور الثقافة أعماله الشعرية الكاملة من دواوين ومسرحيات عام 2013.

منصة «أدباتية»، سألت الشاعر الكبير حول أزمة المثقفين وإنعاش القصيدة العربية والعلاقة بين الناقد والمبدع.. فكان هذا الحوار..

الشاعر العربي الكبير أحمد شلبي، عاصرت أجيالاً مختلفة، هل تعتقد أن «زمن الشعر» قد ولّى فعليًا لصالح «زمن الرواية»، أم أن القصيدة فقدت «بوصلتها» مع الجمهور؟؟

لا أعتقد ذلك.. ولي تحفُّظ على إضافة لفظ «زمن» إلى الشعر أو الرواية، فالشعر العربي ذو تاريخ طويل ممتد مع تاريخ الإنسان العربي منذ نشأته الأولى، ومع كل عصر من عصوره اتسم بما يتفق وذلك العصر، حتى فيما يُسمَّى بعصور الضعف، فالحقيقة المؤكدة هي وجوده وعدم أفوله، أما الرواية بمفهومها الأدبي فهي فن مستحدث في الأدب العربي لا يتجاوز القرن الواحد وبضع سنوات، ورغم ذلك فقد حققت إنجازات عالمية، فنالت الرواية العربية «نوبل» و«البوكر» وغيرهما، ولكن في الوقت نفسه يوجد شعر عربي راقٍ وعظيم، وأسماء عربية كبيرة في عالم الشعر، ولكن لكلٍّ من الشعر والرواية طبيعته ومذاقه، وما زال لدينا مبدعون مجيدون في الشعر وفنون السرد، ولم يُلغِ أحدهما الآخر.

– كيف ترى تحول الشعر من «ديوان العرب» إلى «منشورات فيسبوك».. هل خسرنا العمق في سبيل الانتشار السريع؟

هو ليس تحولاً، ولكنه تطور طبيعي في عالم النشر، وهذا طبيعي، فقد تطور الشعر من مرحلة الشفاهية القديمة، إلى الجمع والكتابة، ثم مراحل التحقيق والطباعة الحديثة، ثم ظهرت الوسائل الإلكترونية، فأسهمت بشكل كبير ومذهل في توفير المادة العلمية والأدبية، ومنها الشعر، بشكل يسير، فيمكن للباحث أو القارئ أن يكون لديه الألوف من الموسوعات والكتب والدواوين والقصائد، أما النشر على “الفيس” فتحكمه القيمة، شأنه في ذلك شأن ما يُنشر ورقيا من خلال المطابع، فمنه الجيد، ومنه ما لا يستحق الحبر الذي سطره، فهناك شعراء جادون وينشرون إنتاجهم القيِّم على وسائل التواصل، إما للتوثيق، وإما للانتشار، ويستطيع الإنسان المثقف والمتخصص أن يحكم على الجيد والرديء.    

– هل لا يزال للنقد سلطة حقيقية في توجيه الذائقة.. أم أن «الشللية» والمحسوبية الأدبية أفسدت العلاقة بين الناقد والمبدع؟

من حق الناقد أن يتناول الأعمال الشعرية التي يرى أنه يستطيع أن يتعامل معها، أو أنها تناسب رؤيته النقدية أو مشروعه النقدي، ولكن الحقيقة أن النقد لا يستطيع توجيه الذائقة، فالعقاد هاجم شوقي، وبويع شوقي أميرًا للشعراء، وطه حسين هاجم إبراهيم ناجي، وبقي ناجي أكثر الرومانسيين تأثيرًا في عواطف الجمهور، وشوقي ضيف هاجم علي محمود طه، وظلت دُرر قصائده يتغنى بها عبد الوهاب، فكانت من أجمل كلاسيكيات الغناء العربي، ولكن ما يؤثر في الذائقة ويوجهها – حقيقة – هو الإعلام، سواءً عمدًا أو جهلاً، فتأثيره كبير على العامة، ويمكن للإعلام صناعة نجم شعري ويقدمه على أنه المثال، ورأينا ذلك في شعراء ضعاف اللغة والشعرية والثقافة، في الشعرالعامي والشعر الفصيح.  

– لماذا يغيب «النقد الأكاديمي» عن متابعة الإبداع الحقيقي في الأقاليم ويكتفي بمغازلة الأسماء المكررة في القاهرة؟

من تجربتي في ذلك، أقول: إن هناك جامعات تهتم كثيرًا بمحيطها الإقليمي، وأحيي في ذلك جامعة دمنهور وجامعة طنطا، ففيهما العديد من الأساتذة المتصلين بالحركة الثقافية وبالمبدعين، ويوجهون باحثيهم لدراسة الأعمال الأدبية الإقليمية في شتى فنون الأدب، وبالتأكيد ليس الجميع يفعلون ذلك في جامعاتنا.

– لماذا ينجح مبدعو الأقاليم في اختراق المركز أحيانًا ويفشلون في أحايين أخرى.. وهل لا يزال «قطار الثقافة» يتوقف فقط في محطة رمسيس؟

اختراق المركز ليس مقياسًا للنجاح والقيمة، فهناك شعراء وأدباء حققوا ذواتهم وأثبتوا تفوقهم وهم في أقاليمهم البعيدة عن المركز «العاصمة»، صحيح أن القاهرة توفر للمبدع ما لا يتاح لهم في الأقاليم من قرب من المراكز الثقافية والإعلام، ولكن يبقى القيمة والمُنْتج هما الأبقى والحَكَم.

كيف تقيّم تجربة «نوادي الأدب» الآن.. هل هي حواضن حقيقية للإبداع أم تحولت لمجرد «روتين إداري»؟

تقريبا معظم المبدعين انطلقوا من أندية الأدب، ويمكن أن تكون حاضنة بالفعل، وتكون ورشًا فاعلة إذا توفرت لها الأجواء الصالحة لذلك، من حسن إدارة، وميزانيات مادية، ورموز تفرض احترامها بإخلاصها ومكانتها، والبعد عن الانشغال بالتنافس والانتخابات التي يتولد عنها الشللية والمؤامرات.

– أنت ممن يحافظون على هيبة اللغة وجمالياتها.. كيف ترى زحف «العامية المبتذلة» إلى الشعر الفصيح.. وهل نحن أمام «تطور» لغوي أم «انحدار» قيمي؟

هناك عوامل عديدة تشكل هذه الظاهرة، أولها التعليم، بالمناهج الضعيفة والعشوائية، ومنها، مراكز الدروس الخصوصية، فنشاهد من خلال ما يُنشَر على اليوتيوب مدرسين يشرحون النحو – مثلا – بلغة متدنية للغاية، بل منهم من يشرحه على الطبلة، وبالرقص، وكذلك البلاغة والنصوص، وأيضًا الوسائل الإعلامية وما نشاهده من لغة سوقية وبلطجة في المسلسلات والإعلام، ومن أخطر العوامل ما ينتشر على المواقع الألكترونية من شتى الموبقات اللغوية والأخلاقية، ويشاهدها الأطفال والشباب.

العامية في حد ذاتها هي اللغة اليومية التي نستخدمها، وتكتسب رقيها بالثقافة والتربية، فكانت السينما والمسرح والإذاعة والتليفزيون والغناء تقدم وجها حضاريا لمصر، وكانت اللهجة المصرية هي اللهجة المحببة عند جميع الدول العربية، وكانت هي اللغة المشتركة التي يستطيع بها العراقي أن يتفاهم مع المغربي، وبالطبع جميعنا يذكر قممًا وقامات في شعر اللهجة المصرية التي كانت تمثل مستوى من مستويات الفصاحة والجمال اللغوي.

ماذا ينقص المبدع الشاب اليوم ليصبح «أحمد معروف شلبي» جديدًا.. هل هي القراءة أم التجربة أم الصبر على النص؟

أشكرك على حسن ظنك بي أن تجعليني نموذجا متواضعًا للشباب، وليتني أكون كذلك، وكل ما ذكرتِه هي مقومات النجاح للمبدع الشاب، ولْيَعْلَمَ الشبابُ أن ما يتوفر لهم اليوم لم يتوفر القليل منه للأجيال السابقة، فوسائل النشر والانتشار متاحة بشكل كبير وسهل، ولا يبقى عليه إلا تأصيل موهبته بالمثابرة والإرادة ورسم خطة يبني عليها مشروعه المستقبلي، حتى يكون له هدف محدد مستفيدًا في ذلك من ذوي الخبرة المشهود لهم بالكفاءة والإخلاص.

About The Author