2026-06-20

د. أحمد محمود الجبالي يكتب: لغة القرآن بين الهوية الدينية والظاهرة الاجتماعية «2» الحق ما شهد به الأعداء

أدباتية- د. أحمد محمود الجبالي: إن كل كتاب سماوي ينبغي أن ينزل بلغة الرسول الذي ينزل عليه ذلك الكتاب، ليتمكن من التعامل معه بصورة طبيعية، ومن ثم كان من الطبيعي اختيار اللغة العربية دون غيرها من اللغات، حيث إنها اللغة التي كان يتحدث بها أهل مكة الذين بعث إليهم النبي محمد «صلى الله عليه وآله»،  كما أن أي رسول لا بُدَّ وأن يتحدث بلسان القوم المرسَل إليهم، أو المبعوث فيهم ، ولقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الأمر حيث قال:
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾  إبراهيم:4، فكان من الطبيعي أن يتم نزول القرآن باللغة العربية التي هي لغة النبي محمد «صلى الله عليه وآله»، ولغة قومه الذين يعيش معهم ولكن ثمة سؤال يفرض نفسه على كلامنا هذا : لماذا اختار الله العربية دون غيرها لتحمل بألفاظها وتراكيبها معاني أفضل الشرائع وأتمها، وخاتمة أمره لأهل الأرض؟
الجواب ذلك يكمن في خصائص اللغة العربية وقابلياتها الحيوية ومرونة تعبيراتها وسعتها وما إليها من مميزات من حيث الاشتقاق الصرفي، والإيجاز، والخصائص الصوتية، وإمكانية تعريب الألفاظ الواردة، تجعل اختيارها لغة للقرآن الكريم هو الخيار الصحيح .
                               والحق ما شهد به الأعداء

فهذا المستشرق الأجنبي إرنست رينان  في كتاب «تاريخ اللغات السامية» يتحدث عن العربية فيقول: من أغرب المدهشات أن تثبت تلك اللغة القوية، وتصل إلى درجة الكمال وسط الصحاري، عند أمة من الرحل، تلك اللغة التي فاقت إخوتها بكثرة مفرداتها، ودقة معانيها، وحسن نظام مبانيها، وكانت هذه اللغة مجهولة عند الأمم، ومن يوم أن علمت ظهرت لنا في حلل الكمال إلى درجة أنها لم تتغير أي تغير يذكر، حتى إنها لم يعرف لها في كل أطوار حياتها لا طفولة ولا شيخوخة (ينظر: مجلة الأزهر – مجلد 3 ص- 240)

– هذا مضافاً إلى أننا لا نشك في أن نزول القرآن باللغة العربية دون غيرها من اللغات لم يكن عفوياً، بل كان لأسباب دقيقة، و هو بكل تأكيد اختيار حكيم لأنه من قِبَلِ رب العالمين، و نحن نؤمن بوجود الحكمة في هذا الاختيار سواءً تبيَّنت لنا أسبابه أم لم تتبين.

ناهيك على أن القرآن الكريم وقت نزوله لم توجد لغة تستطيع حمل معانيه سوى اللغة العربية، وقد صنعها الله تعالى على عينه، فكان لها الصدارة وقصب السبق بين اللغات الموجودة آن ذاك، ولم لا وقد كانت اللغة العربية وقتئذ يتبارى بها الشعراء والأدباء حتى صنعوا لها أسواقا يعرض كل منهم فيه سلعته الغالية مما يحمله من أبيات شعرية بديعة، أو خطب نثرية فصيحة وكانوا يضربون لكبيرهم قبة يجلس فيها ليحكم بين الشعراء والأدباء.

فكان النابغة الذبياني تضرب له قبّة حمراء من أدم بسوق عكاظ فتأتيه الشعراء فتعرض عليه أشعارها، قال: فأول من أنشده الأعشى: ميمون بن قيس أبو بصير، ثم أنشدته الخنساء، فقال لها النابغة: لولا أنَّ أبا بصير يعني الأعشى أنشدني قبلك لقلت أنك أشعر الإنس والجن فقال حسان: أنا اشعر منك ومنها ومن أبي بصير، حيث أقول:

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى … وأسيافنا يقطرن من نسجه دما

وليدنا بني العنقاء وأبن محرق … فاكرم بنا خالا واكرم بنا أبنمـــــا!

فقال له النابغة: إنك لشاعر لولا أنك قلت الجفنات فقللت العدد ولو قلت الجفان كان أكثر؛ وقلت يلمعن بالضحى، ولو قلت يشرقن بالدجى كان أبلغ وقلت يقطرن ولو قلت يجرين كان أبلغ؛ وفخرت بما ولدت ولم تفخر بمن ولدك على أنك يا بني لا تحسن أن تقول:

فإنك كالليل الذي هو مدركي … وإن خلت أنَّ المنتآى عنك واسعُ

فقام حسان خجلا منكسرا، وعلى كلٍ، فإن اختيار لغة قوم الرسول لا يدل على انحصار الدعوة في من يتكلم بتلك اللغة خاصة، وأن الأدلة القاطعة تثبت خلاف ذلك.
وأما كيفية تبليغه للناس وهم لا يفهمون العربية، فهذا التبليغ بترجمة معانيه، أو تعليمهم هم العربية، وهذا ما حدث في القرون الأولى للفتوحات الإسلامية، حيث عرضت الدعوة على كافة الناس، فآمن منهم من آمن ، وتفقهوا في الدين، بل برعوا في لغة كتاب ربهم وألفوا فيها وفاقوا أقرانهم ممن هم ولدوا بالعربية، وخير مثال على ذلك هؤلاء العلماء الذين جاؤا لنا من بلاد ما وراء النهر وحملوا لواء العلم في كل المجالات كالتفسير والحديث واللغة والطب والفلك والرياضيات وما شبه ذلك…
وإلى لقاء في الحلقة الثالثة بإذن الله، تحت عنوان:

هل لغة القرآن ظاهرة اجتماعية أم ذات صبغة عقدية دينية؟

                                                                            أ. د/ أحمد محمود الجبالي
                                                           أستاذ ورئيس قسم البلاغة والنقد                 
                                           كلية الدراسات الإسلامية والعربية – بنات- كفر الشيخ       

About The Author