أدباتية – خاص: على ناصية الزمن، وحيثما تفوح رائحة الهيل والبن المحوج، تقف المقاهي الشعبية العربية شواهد حية على حقبة لم تكن فيها جدران المقاهي مجرد أماكن للراحة، بل كانت «برلمانات للعامة»، ومسارح مفتوحة احتضنت الفن الشعبي في أبهى تجلياته. قبل أن تغزو الشاشات الزجاجية البيوت، وقبل أن تبتلع منصات التواصل الاجتماعي صخب التجمعات البشرية، كان المقهى هو المنصة والجمهور، وكان «الحكواتي» و«شاعر الربابة» سدنة للتراث ينسجون من الأوتار ملاحم البطولة واستدعاء الرمز.
في هذه المساحة، تسعى «أدباتية» لسبر أغوار تلك العلاقة الوثيقة بين الفضاء المكاني للمقهى وبين الفن الشعبي، مستحضرين ذاكرة «الدكة» التي تحولت إلى منبر لإحياء الهوية.
لم تكن المقاهي في حارات القاهرة العتيقة، أو أزقة دمشق القديمة، أو أسواق بغداد التاريخية، مجرد محطات لتناول المشروبات، بل كانت «مؤسسات ثقافية» غير رسمية.. هنا، في هذا الفضاء المشبع بدخان النراجيل وحكايات البشر، كان يُعاد صياغة الوجدان الشعبي.
باجثون في الأنثروبولوجيا الثقافية، يرون أن المقهى مثل «البرلمان الشعبي» تُناقش فيه القضايا الاجتماعية وتُبرم الصفقات التجارية، لكن الدور الأبرز الذي لعبه كان الدور الترفيهي التثقيفي، فلم يكن الرواد يذهبون لتمضية الوقت بعبثية، بل كانوا يذهبون لحضور فصل جديد من فصول الحياة والبطولة.
كان المقهى هو «المسرح البديل» للفقراء والمتوسطين، مكان لا يحتاج إلى تذكرة دخول باهظة، بل إلى كوب من الشاي وذاكرة يقظة تتابع فصول السير الشعبية التي كانت تمتد لليالٍ وشهور، لتربط الأجيال ببعضها البعض عبر الحكاية.
حين نتحدث عن المقاهي الشعبية، فنحن نستحضر فورًا رمزين لا يكتمل المشهد بدونهما: الحكواتي وشاعر الربابة.
كان الحكواتي يعتلي منصة مرتفعة تتوسط المقهى، تُسمى «الدكة»، ممسكًا بيده كتابًا قديمًا غالبًا ما يكون «سيرة الظاهر بيبرس»، لأو «أبو زيد الهلالي»، أو «سيف بن ذي يزن».
لم يكن الحكواتي مجرد قارئ، بل كان مؤديًا مسرحيًا عبقريًا، يستخدم نبرات صوته، تارة بالهمس في لحظات الترقب، وتارة بالصياح في لحظات المعارك، مستعينًا بحركات جسده وعصاه التي يضرب بها على الطاولة لإثارة حماس الجمهور، كان الرواد ينقسمون إلى معسكرات، يشجعون بطلهم المفضل، وقد يصل الحماس ببعضهم إلى البكاء أو الفرح العارم مع انتصار البطل..
أما «شاعر الربابة»، فقد كان رفيق السهر الدائم، خاصة في المناطق التي يمتزج فيها الريف بالمدينة، الربابة، تلك الآلة العجيبة ذات الوتر الواحد، كانت «لسان حال» الوجدان الشعبي.
يتمتع شاعر الربابة بذاكرة حديدية، يحفظ آلاف الأبيات الشعرية التي تتناقلها الأجيال شفهيًا، لا يكتفي الشاعر بالعزف، بل يطوع اللحن ليتناسب مع القصيدة التي يلقيها، سواء كانت عن «عنترة وعبلة» وعذاب العشق، أو عن «تغريبة بني هلال» وصراعات البقاء، والربابة هنا لم تكن أداة للطرب فقط، بل كانت وسيلة لنقل «القيم» والشيم العربية الأصيلة من خلال الموسيقى.
ارتبطت الربابة ارتباطًا وجدانيًا بالمقهى الشعبي في القاهرة ودمشق وبغداد لأنها آلة ديمقراطية، بسيطة في تكوينها، لكنها معقدة في قدرتها على محاكاة صوت الإنسان ونبرة شجنه.
يقول خبراء الموسيقى الشعبية، إن الربابة هي الآلة الوحيدة التي تستطيع أن تتكلم، وفي المقهى، يصبح الجمهور صامتًا كأهل القبور حين يبدأ القوس بالاحتكاك بالوتر، لأنهم لا يسمعون موسيقى، بل يسمعون تاريخهم يُعزف أمامهم،هذا التلاحم بين الفن والمجتمع جعل من المقهى بؤرة لإنتاج الثقافة الشعبية وحمايتها من الاندثار.
مع بزوغ فجر العصر التكنولوجي، ودخول الراديو ثم التلفزيون إلى قلب المقاهي، بدأت ملامح «الحكواتي» تتوارى خجلًا لم يعد الجمهور ينتظر الراوي ليعرف ماذا حدث لـ«أبو زيد الهلالي»، فقد أصبحت الشاشة الصغيرة تقدم له الدراما المعلبة والمنوعة.
تحولت السير الملحمية إلى مسلسلات إذاعية «مثلما فعل الخال عبد الرحمن الأبنودي في تدوين السيرة الهلالية بصوت عمّ جابر أبو حسين»، ثم تلاشت هذه الطقوس تدريجيا مع ظهور القنوات الفضائية والإنترنت الذي فرض«”العزلة الرقمية» حتى داخل المقهى نفسه.
ورغم التحديات، ثمة بصيص أمل ومحاولات لإعادة الروح، فمثلًا في «خان الخليلي» بالقاهرة أو «حي الشاغور» بدمشق، ما تزال هناك مقاهٍ تحافظ على الحكواتي كفقرة أساسية، ليس فقط كجذب سياحي، بل كفعل مقاومة ثقافية لاستعادة الأصالة، كما بدأ جيل جديد من الفنانين والمثقفين الشباب في تنظيم فعاليات «حكي» وعزف «ربابة» في مقاهٍ عصرية، محاولين دمج التراث بقوالب «مودرن» عصرية تعيد للمقهى هيبته الثقافية وتجذب جيل «الزد» (Gen Z) نحو جذورهم.
إن الحديث عن ربط المقهى بالفن الشعبي ليس مجرد «نوستالجيا»أو بكاء على الأطلال، بل هو ضرورة وجودية في عصر العولمة، فنحن بحاجة لاستعادة روح المقهى القديم من أجل الحفاظ على الهوية باعتبار الفن الشعبي هو الحصن الأخير ضد التغريب الثقافي الذي يسعى لمحو الخصوصيات المحلية، وكذلك لكسر العزلة الرقمية فالمقهى الشعبي القديم كان يخلق فضاءات حوارية حية، بينما مقاهي اليوم غالبًا ما تكون صامتة، يسكنها أفراد يحدقون في هواتفهم، كما نحتاج إلى المقاهي أيضًا بهدف الاستثمار في السياحة الثقافية فالسياح اليوم يبحثون عن التجربة الإنسانية الأصيلة، ولا يوجد أعمق من جلسة حكي خلفها مئات السنين من التاريخ.
سيظل المقهى شاهدًا على تحولات الشعوب العربي، ورغم تغير الأدوات من «الربابة» إلى «الواي فاي»، ومن «الحكواتي» إلى «المؤثرين» (Influencers )، يظل الإنسان العربي بحاجة إلى تلك اللحظة الدافئة التي يجتمع فيها مع أقرانه حول حكاية تشعره بالانتماء.
إن إحياء الفن الشعبي في المقاهي المعاصرة هو جسر يربطنا بجذورنا، ويمنح الأماكن روحا تتجاوز كونها مجرد «بيزنس» لتقديم المشروبات، لتصبح مرة أخرى رئة يتنفس من خلالها التراث وتعيش فيها الذاكرة.
More Stories
سيكولوجية الإنجاز الملموس.. آليات الروتين اليومي في العصر الرقمي
تفاعل جماهيري واسع مع عروض “شارع الفن” بالإسكندرية
أمسيات وندوات ورحلات خلوية.. نادي أدب سيدي سالم يواصل احتفالاته باليوم العالمي للبيئة