أدباتية: بات من المعروفِ أن السردَ الروائيَ المعاصرَ أصبح يعتمدُ على الخلفية الثقافية للمؤلف؛ فلا يمكن أن نجمع عدة مؤلفين من عدة أقاليم جغرافية متنوعة، مع نشأة تعليمية ووظيفية متباينة، ونطلب منهم سرداً روائياً عن موضوع ما، ونجد تشابهاً في الطرح واللغة والأسلوب والمعالجة الدرامية. ذلك أن النشأة الإقليمية (البيئية) تطبعُ صاحبَها بخصائص الإقليم الثقافية، وكذا طبيعة التعليم ومستواه اللغوي وطبيعة الوظيفة والمناصب التي تقلدها، وحجم وعدد ونوع الأسفار التي قام بها خلال رحلته. وتأسيسًا على ما سبق يمكن القول إن اللواء أبا المجد البحيري، هو ابن وظيفته ومنصبه الوظيفي في وزارة الداخلية؛ حيث تعرَّض خلال مسيرته المهنية للتعامل مع مختلف أنواع القضايا، ومختلف ألوان البشر وتفهم سلوكياتهم وطبيعة دوافعهم لارتكاب الجريمة أو الانصراف عنها. وفي رواياته السابقة (ثورة عيال نحمدو – أرض المجاليب – برهاتيوش) وغيرها قد تتبع هذا النمط للشخصيات والزمان والمكان، حيث يهتم بأدق التفاصيل، وخاصة التطورات التي لحقت بالشيء (شخصية – زمان – مكان) من أوله لآخره. وفي رواية «الكلَّاف» نجدنا أمام هذا النمط ذاته، وهو سرد قصصي لشخصية سيطرت على الأحداث، ودارت حولها الحكاية كلها، وهو شخصية زناتي، الذي تحول من أجير عند العمدة رزيقة إلى أن صار ذات يوم أثرى أثرياء المحافظة ونال العمودية ثم صار نائباً في البرلمان. فهذا النمط الروائي يتعانق مع رؤية ضابط الشرطة الذي يقوم بجمع التحريات عن الشخصية محل البحث، وتبدو مهارة هذا الضابط في إمكان جمع خيوط الشخصية من البدايات للنهايات. سيرة الكاتب وأعماله: وُلِدَ الكاتب أبو المجد النادي البحيري في قرية البحيري التابعة لمركز سيدي سالم بكفر الشيخ، في 2/7/1965م، في أسرة ريفية متوسطة، لأب يعمل فلاحاً يمتلك أرضاً زراعية، التحق بكلية الشرطة، وتخرج فيها، والتحق بوزارة الداخلية، وتدرج في المناصب الشرطية حتى أصبح مساعداً لمدير الأمن بفرقة دسوق، ثم أحيل للمعاش عندما وصل للسن القانونية لدفعته.
اهتم بكتابة الشعر في فترة المراهقة، ثم تركه لانشغاله الدراسي والعملي، وعاد إليه فأصدر عدة دواوين، وفيما يأتي قائمة إصداراته الأدبية: حلم آيل للسقوط، ديوان شعر عامية، نشر خاص، 2009م، تنهدات أمشير، ديوان شعر عامية، دار يوتوبيا للنشر والتوزيع، 2013م، مش زي الولاد ع الفيس، ديوان شعر عامية، مؤسسة حورس الدولية، 2017م، جريمة بلا خيوط، مجموعة قصصية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2020م، أرض المجاليب، رواية، مؤسسة حورس الدولية، 2021م، ثورة عيال نحمدو، رواية، مؤسسة حورس الدولية، 2022م، للجميلة حروف، ديوان شعر عامية، مؤسسة حورس الدولية، 2022م حبة كلام، ديوان شعر عامية، مؤسسة حورس الدولية، 2022م، بعابيع، رواية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2023م، برهاتيوش، رواية، مؤسسة حورس الدولية، 2024م، وله تحت الطبع (تحت الطبع): شيخ المسقة، رواية.
كما نشر العديد من القصائد الشعرية والسرد القصصي في عدد من الصحف والدوريات المصرية والعربية. ونلاحظ أن البحيري انتقل بين الأصناف الأدبية المختلفة، حيث بدأ بشعر العامية، ثم انتقل للقصص القصيرة، وانتهى بالرواية، فكتب عدداً من الروايات، بعضها واقعي مثل: ثورة عيال نحمدو، وبعضها فانتازي مثل برهاتيوش. ثم تعانقت الكتابة الروائية مع كتابة الشعر، وكأن الكاتب معجون شعراً بالفطرة، وممتلئ بالسرد خبرةً ومسيرة حياة. سيميائية العتبات النصية (العنوان، الغلاف، الإهداء): أولاً: العنوان: “العنوان بوصفه الخطوة الإجرائية الأولى التي يُقدِّم بها الإبداع نفسه للمتلقي”، وبحق هذه الأولوية كان الإجراء له الصدارة في هذه القراءة؛ لأن كل نصٍّ له مفتتحه الذي يتسلط به على المتلقي تسلطاً لا يستطيع منه فكاكاً على مستوى السطح أو على مستوى العمق، فالعنوان يتحول إلى أداة مصاحبة تأخذ بيد القارئ حتى لا يضلَّ في متاهات النص فتنقطع صلته به بالرغم من أنه في داخله. ويقوم تحليل العنوان على مستويين: الأول: مستوى يُنظر فيه إلى العنوان على أنه بنية مستقلة لها اشتغالها الدلائلي الخاص. والثاني: مستوى تتخطى فيه الإنتاجية الدلالية لهذه البنية حدودها متجهة إلى العمل، ومشتبكة مع دلائليته دافعة ومحفزة إنتاجيتها الخاصة بها. إن “المرسلة” الموجهة من “المرسل” إلى “المتلقي” لا يمكن – بحال من الأحوال – أن تنحصر في العمل، بل هي “العمل” والعنوان “متكافئان تكافؤاً سيميوطيقياً إلى الحد الذي يجعل الاهتمام بواحدٍ منهما دون الآخر إهداراً، ليس لما أُهمِلَ فحسب وإنما لما تمَّ الاهتمامُ به كذلك”. ويحتلُ العنوانُ مكانةً مميزةً في الخطاب السردي. وعنوان الرواية هو من كلمة واحدة، معرفة بألف ولام وهي «الكلَّاف»، وهي كلمة تطلق على الشخص الذي تقتصر وظيفته أو مهنته على تربية الماشية، والاعتناء بها، وتوفير العلف لها. وهي بحسب هذا المعنى وظيفة متواضعة، أو هي أقل وظيفة في الدرجة الوظيفية للعاملين في القطاع الزراعي. والعنوان كدالة سيميائية بهذا المضمون تدل على أقل وظيفة ممكنة، ولما كانت الوظيفة تحدد مكانة الشخصية التي تتبوأها، فنحن أمام أقل إنسان في القرية مهنياً، وبالتالي مالياً واجتماعياً، والناس تتخلق بأخلاق وظائفها، وهذا الشخص يخالط الماشية فيتخلق بأخلاقها، ويصير مع الوقت ملازماً لها وتبهت طبيعة الماشية عليه، فلا يقيم أحد له وزناً. وهذا ما أراده الكاتب من اختيار هذا العنوان بتلك الدلالة الموضوعية المألوفة في القرية المصرية. ثانياً: الغلاف: غلاف الرواية عبارة عن لوحة تكنولوجية لشاب عفي وتبدو عليه آثار الفقر، وبجواره أمه تحمل بعض الأشياء وهما يغادران، وعلى وجهيهما عبوس ونظرة خوف من القادم غير المعروف، وهذه اللوحة مأخوذة من مشهد في الرواية، حين قرر زناتي أخذ أمه والهروب من قرية كفر أبو سالم إلى غير وجهة محددة. فالغلاف يتعاضد في دلالة سيميائية مع العنوان ليرشدا المتلقي للمضمون الروائي. ثالثاً: الإهداء: يشير الإهداء إلى التقدير من المهدِي إلى المهدَى إليه، ومدى صدق المشاعر تجاه الآخر، سواء أكان هذا الإهداء مطبوعاً على الصفحة أو منْ يقوم المُهدِى بكتابته على ما يهدى به من كتاب ونحوه، وهنا أيضاً يشير إلى الارتباط بين المُهدِي والمُهدَى إليه، وقد درج بعضُ الروائيين على تصدير رواياتهم بالإهداء المعنوي إلى أحب الناس إليهم، أو لمن قدَّم لهم معروفا.
أما عن وظيفة الإهداء فقد يكون ردَّ الجميل إلى ما قُدِّمَ للكاتب من قِبل الآخرين، وحين يكون الإهداء مقصوراً على أفراد، نحو: الأب، الأم، الزوج، الزوجة، الأولاد، فإنه يعبر عن حالة حب ورؤية شخصية. فالإهداء بهذا كله يكون موجهاً فاعلاً للنص الروائي، وهو تقليد قديم من العصور الأولى للتأليف. وقد يكون الإهداء ذاتياً وهو قليل، وقد يكون الإهداء غيرياً، وفيه يقول الكاتب: “إلى الأحفاد.. لتعلموا حين تكبروا أنه كان لكم جدٌّ يحبُكم”، وهذا الإهداء يخالف ما طرحناه منذ قليل، بل يتوجه للمستقبل، وكأنه يستودع الأحفاد هذه الحكايات كتاريخ مرَّ به جدهم؛ لئلا ينسوه في مستقبل الأيام بسبب هيمنة التكنولوجيا على جيل المستقبل، بحيث تفصلهم عن الماضي القريب والبعيد.