2026-06-21

نعيم الأسيوطي يكتب: أربعون عاما في أروقة «ثقافة أسيوط».. كفى عبثا بأندية الأدب!

منذ أكثر من أربعين عاماً وأنا شاهدٌ على جدران نادي أدب قصر ثقافة أسيوط؛ عشت فيها عصوراً من الازدهار، وأرى اليوم انحداراً لا يمكن السكوت عليه. أقولها بكل صدق وبقلب يملؤه الحزن: لقد حان وقت الحساب والمراجعة. إن منظومة أندية الأدب بالهيئة العامة لقصور الثقافة لم تعد تشبهنا، بل تحولت إلى أطلالٍ تسكنها الشللية، وتنهشها المحسوبية، وتكبلها اللوائح العقيمة.

*​ أين زمن العمالقة؟

​أتذكر بكل فخر سنوات الثمانينات، حين كنا نعمل “بالحب” لا بـ “المنصب”. أتذكر رفقاء الدرب والوعي، أعمامي العظماء:  درويش الأسيوطي الأسيوطي ، والمثقف الموسوعي الراحل سعد عبد الرحمن، والأديب المخلص زكريا عبد الغني. كنا نقيم أنشطة ضخمة، ونستضيف قامات من خارج المحافظة بمبالغ زهيدة، ورغم ذلك كانت القاعة تمتلئ بالحضور حتى تضيق بهم. لم يكن بيننا نزاع على كراسي؛ كان همنا الوحيد هو صقل المواهب وتقديم أدب حقيقي للناس.

*​ واقع مرير: “ادعيني وأدعيك

​أما اليوم، فقد سقطت الأقنعة وحلت “المصلحة” محل “الإبداع”. تحولت أندية الأدب إلى جزر معزولة تديرها سياسة١ “ادعيني وأدعيك”. لقد صار الفشل عنواناً صارخاً حين تُقام أمسية شعرية أو أدبية لا يحضرها سوى الضيوف المتحدثين!

​أي فشل هذا؟ وأي مأساة أن تتحول الندوة إلى “لقاء مغلق” بين المحاسيب لتسويد التقارير الورقية فقط؟ لقد هجر المبدعون الحقيقيون هذه الأروقة بعدما وجدوا أبوابها موصدة إلا أمام “المريدين”، وتحولت الممارسة الأدبية إلى “وظيفة” بيروقراطية خالية من الروح.

*​ المصيبة الكبرى: لجان العضوية والنشر “المعلب

​إن ما نعيشه اليوم هو “انتحار ثقافي” معلن، والمصيبة تبدأ من لجان منح العضوية التي أصبحت بوابة عبور للمحاسيب؛ فهي لم تعد تفرز المبدع بل تفرز “التابع” الذي يضمن الأصوات الانتخابية. أما عن المسابقات العقيمة، والنشر الإقليمي، ومجلات الأقاليم والفروع، فهي ليست سوى إهدار للورق والجهد في مجاملات متبادلة لا تصنع أدباً.

* نادي الأدب المركزي:

ويمتد هذا العبث ليشمل “نادي الأدب المركزي” بكل فرع ثقافي؛ فما هي وظيفته الحقيقية اليوم سوى حضور الأمسيات والبت في نشر أعمال الفروع العقيمة؟ إن هذا الكيان لا يطبق ما هو منوط به في لائحة النادي المركزي، بل اختزل وجوده في جلسة لانتخاب رئيس النادي ومجلس إدارته، وجلسة أخرى للبت في نشر أعمال الأعضاء بالفرع، والتي تتم في أغلبها بنسبة كبيرة جداً بالمجاملات الواضحة التي تقتل أي فرصة لإبداع حقيقي.

*​ نحن المسؤولون.. لا الدولة وحدها

​يجب أن نمتلك الشجاعة لنعترف: نحن المبدعين مسؤولون عن هذا التردي بصمتنا أو بمشاركتنا فيه، وليست الدولة وحدها. إن تحويل الثقافة إلى “دفاتر حضور وانصراف” هو خيانة للأمانة. ما نحتاجه ليس مجرد كلام على الورق، بل ثورة شاملة تقتلع جذور هذا الركود.

* ​روشتة الإنقاذ: خارطة الطريق للمستقبل

1 – ​تعديل اللوائح وغربلة الجمعيات العمومية:

 أشدد على ضرورة التعديل الجذري للائحة أندية الأدب، والعمل فوراً على غربلة الجمعيات العمومية لتنقيتها من “أعضاء الورق”، وذلك لضمان تقديم منتج ثقافي حقيقي يليق باسم مصر ومبدعيها.

2 – ​إصلاح منظومة النشر والعضوية:

 إعادة هيكلة لجان منح العضوية والنشر الإقليمي بمعايير فنية صارمة ولجان “محايدة“.

3 – ​رفع الحوافز المادية:

لجذب القامات الأدبية والخبرات الحقيقية للعمل العام بدلاً من ترك الساحة للهواة.

4 – ​تفعيل “البروتوكول الرباعي“:

تعاون حقيقي مع الجامعات والتعليم والشباب والرياضة للبحث عن المواهب من المنبع.

5 – ​الخروج من سجن الجدران:

 تفعيل الأنشطة في الشوارع، المقاهي، والقرى، والاشتباك مع الجمهور الحقيقي.

6 – “الرقمنة” كأداة للشفافية:

لماذا لا يتم إنشاء منصة رقمية موحدة لأندية الأدب؟ تُنشر عليها الأعمال المقدمة للنشر الإقليمي قبل إجازتها، وتكون لجان التقييم من محافظات أخرى (تبادلية) لضمان عدم وجود “مجاملات” محلية. الشفافية الإلكترونية تقتل “الشللية” في الغرف المغلقة.

* ​كلمة أخيرة..

​لقد عشنا عصرنا الذهبي بالإخلاص، ولن أصمت وأنا أرى هذا الكيان ينهار. إما أن تعود أندية الأدب منارة للتنوير، أو فليُعلن إفلاسها الثقافي صراحة. المسألة لم تعد تحتمل “تجميلاً”، بل تحتاج إلى بتر وإعادة بناء جذري.

​هذا رأيي الشخصي أطرحه بكل تجرد، بحكم أنني كنت رئيساً لنادي الأدب لدورتين، وعضواً بمجلس إدارته لأكثر من عشرين سنة، قد يتفق معي البعض أو يختلف من أجل المصلحة العامة، ولكن يبقى الهدف هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه.

راهب المسرح

نعيم الأسيوطي

About The Author