الأيقونة.. صالح علي شرنوبي

الأيقونة.. صالح علي شرنوبي

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: على شاطئ بحيرة البرلس التي تدور حولها أساطير الخلق وبدء البشرية، نزل عبد الله بن محمد عبد اللطيف جحه سنجق سري قادمًا من منطقة بولاق الدكرور بشمال الجيزة، بعد أن عينه الوالي محمد علي ملتزمًا لبحيرة البرلس.

وبعد إلغاء نظام الالتزام، استوطن عبد الله وأولاده الأربعة أرض البرلس وعملوا بتجارة الأسماك ومعدات الصيد.

وبرز نجله شرنوبي كتاجر أسماك شهير، وعرف بكثرة زيجاته، إذ إنه كان يعمد إلى الزواج من كل منطقة يمر بها بهدف اتخاذ أصهار يساعدونه في تأمين قوافله التجارية، وأنجب ثلاث بنات وتسعة أبناء، من بينهم علي شرنوبي والد الشاعر صالح الشرنوبي.

امتهن علي كبقية أشقائه حرفة والده، وذاع صيته كتاجر ذي سمعة طيبة، ولما بلغ مبلغ الشباب تعرف في إحدى جولاته التجارية بمديريات الدلتا على الحاج إبراهيم الدسوقي الرمادي أحد وجهاء المحلة الكبرى، وكانت لديه ابنة جميلة من أم تركية، فزوجها لعلي.

ومضت أيام الزوجين الشابين سعيدة، زاد من بهجتها إنجابهما ولدًا أطلقوا عليه اسم جده «شرنوبي»، ثم مضت عشر سنوات كاملة دون أن يولد لهما آخر، وهو ما أرق الحاج علي.

وفي إحدى الليالي تحرى الرجل وقت السحر وتوضأ فأحسن الوضوء ثم صلى ركعتي رجاء لله تعالى، ودعا أن يرزقه ولدًا صالحًا، ونذر إن رزق بغلام أن يهبه للعلم وحمل كتاب الله.

ولم تمض سوى ليال معدودة حتى أحست الأم بأعراض الحمل.

كان المناخ السياسي حينئذ مبشرًا بالخير، فلم يكن مضى أكثر من عدة أسابيع على تشكيل سعد زغلول أول وزارة شعبية، بينما الناس في كل ربوع البلاد يترقبون ما ستسفر عنه سياسات حزب الوفد.

قبيل غروب شمس يوم الإثنين الموافق للسادس والعشرين من مايو عام ألف وتسعمئة وأربعة وعشرين كان الحاج «علي شرنوبي» يجلس على شاطئ البحيرة ككل وجهاء البرلس يترقب خبرًا من هنا أو نبأ من هناك يشفي غليل الشعب الذي يتوق للحرية والانفلات من بين براثن المحتل الإنجليزي وتقاعس القصر، ففوجئ بمن يهمس في أذنه ببضع كلمات، فهب من جلسته قاصدًا داره، وقبل أن يصعد الدرج تنامت إليه صرخات الطفل، واستقبلته الداية بقولها: رزقتم بصبي.

فسجد لله شكرًا، وقال: اللهم إني وهبته للعلم وسميته صالحًا.

وفي غرفة بالطابق الثالث من المنزل العريق، راحت الأم تهدهد صغيرها وتعاين ملامحه… تحسست جبينه لتجده:

«.. كصحراءَ مجهولةٍ مَشَىَ الصمتُ في جوفِها حالِما
وعينانِ تستغرقانِ الوجودَ سَجَى الليلُ فوقَ جُفونَيهِما
إلهيتانِ وشيطانتانِ تغشَّاهما ما تغشّاهما
ورَائَيْهِمَا تَجثمُ الكبرياءُ على جَدْولٍ يُسْكِرُ العَالَما»

فراودها إحساس الخوف من الحسد، فألبست طفلها قرطًا في أذنيه ودعته «يونس»، آملة أن ينجيه الله من أعين الحساد كما أنجى يونس من ظلمات ثلاث، بينما الأب يراه عبدًا صالحًا فأقام في يوم سبوعه احتفالًا كبيرًا ونذره للعلم.

أما صالح.. وسط كل هذا الضجيج، فقد «غفا بعد أن مرت الزوبعة يقاسم أحلامه مضجعه».

وعندما بلغ السادسة من عمره، عهد به أبوه إلى الشيخ أبي دعلة، ليحفظ على يديه القرآن الكريم ويتلقى مبادئ العلوم الشرعية.

وما لبث أن التحق بالمعهد الديني، ثم كلية دار العلوم، التي هجرها بعد عدة أشهر، وهناك.. في القاهرة:

«في غمرةٍ من شعاعِ الخَيلِ رأى كوكباً كَفّنته الليالي
تَزُفُّ حواليه من نورِه بقايا سنًى إلهيّ الجلالِ»

فراح:

«يعيشُ على حَرْقِ الذكرياتِ ويقتاتُ آمالَه الخادعه
كأنِّي به في جحيمِ الحياةِ نبيٌّ جفاه الذي أبدعه
تَراهُ فتقرأُ في وجهِه ملاحمَ أيامِه الضائعه»

فأعادته أسرته قسرًا إلى البرلس، وحاولوا إلحاقه بكلية أصول الدين فلم يفلحوا، فعينوه مدرسًا هناك، لكنه هجر الوظيفة أيضًا.

من نافذة غرفته يطالع النوارس وطيور البشروش التي تحلق في سماء البحيرة ثم تسقط كراجمات الصواريخ لتلتقط بمناقيرها المعقوفة ما تيسر من أسماك، ثم تعرج مجددًا إلى السماء قبل أن تعيد الكرة في روتين يومي يراه الناس عاديًا إلا هو، يراه بعين الشاعر، حيث ترتبط في مخيلته الحياة بالمعاناة، فيتساءل:

«أتُفّاحةٌ سرُّ هذا الشقاء ومن أجلها كلُّ هذا البلاء
تعاليت يا ربّ ماذا أقول وأنت القديرُ على ما تشاء
أنا ابن الطريدين أشكو إليك وملءُ دمي ثورة الأبرياء
ألم تكُ قدّرتَ أن يعصياك فلم يخرجا عن محيط القضاء
وإلا فلم صُغتَ هذا الوجود دحوتَ الثرى ورفعتَ السماء»

لاحظ الجميع شروده الدائم وميله إلى الوحدة، فاتهموه بالجنون وأدخلوه مستشفى الأمراض العقلية أكثر من مرة.

فيعود إلى هيامه بمشهد البحيرة من نافذة غرفته، ويواصل صمته الذي يكاد يقتلع حيطان الغرفة الكالحة ويفجر أرضيتها الرطبة كجليد المنافي، فتغلبه النزعة الصوفية، وتتراءى أمامه:

«طفاواتُ نورٍ ترى رُوحُه بها غيرَ ما قد ترى مقلتاه
أثيريةٌ غيرُ محدودةٍ وكَونٌ يَغيبُ المدى في مداه»

ولما أحس جحود المحيطين، انطلق مجددًا إلى القاهرة التي لم تلبث أن ضاقت عليه بما رحبت، فطرد من مسكنه لعجزه عن دفع الإيجار، فآوى إلى جبل المقطم ليعصمه من الغرق في زحام الحياة، فاستوطن مغارة في قلب الجبل المضياف بصخوره الحانية وكلابه العاوية وصمته الكئيب، ليصب جام غضبه على المترفين الكسالى الذين ينكرون عليه إيمانه بالألم وعبادته الدموع وإخلاصه للحزن.

ويحاول صديقه المخرج إبراهيم السيد، مساعدته فيعهد إليه بكتابة أغاني فيلم «فتنة» التي غناها كارم وعبد العزيز محمود ضمن أحداث الفيلم الذي تم إنتاجه عام ألف وتسعمئة وثمانية وأربعين، ويتقاضى أجرًا قدره خمسون جنيهًا، لم تكف سداد ديونه، ويتوسط له الأصدقاء عند الراحل كامل الشناوي ليعينه مصححًا لغويًا بصحيفة الأهرام لقاء اثني عشر جنيهًا شهريًا، لكنه لم يلبث أن هجر الوظيفة كما هجر التدريس والجامعة من قبل.

في اللحظة الفارقة التي تقرر فيها الروح التطهر من أدناس العالم والعروج إلى سدرة النقاء، تقوده قدماه إلى شريط قطار الدلتا بمدينة بلطيم، ويجلس غير آبه بما حوله مشغولًا بكتابة نص جديد، ليأتي القطار دون أن يشعر، يحاول قائده إطلاق «سارينة» التنبيه، دون جدوى، يتحول التنبيه إلى تحذير، لكن صالح لا يزال غارقًا في خيالاته يسطر نصًا أخيرًا لن يقرأه أحد، وفجأة تدهس العجلات الحديدية الشاب ذا السبعة والعشرين ربيعًا دون شفقة أو هوادة، لتصعد روحه في السابع عشر من سبتمبر عام ألف وتسعمئة وواحد وخمسين، إلى بارئها فتحلق في عالم أكثر رحابة، ويبقى شعره شاهدًا على لحظة النهاية:

الحمدُ لله على ما قَضى … والشكرُ له على ما أمر
فما أظنُّ الأرضَ تَحوِي فتىً … وجودُه كان إحدى الكُبَر
مِثلَ فتًى يدعونَه شاعرا … وما بغيرِ الموتِ يوما شَعَر
يبكي بلا دمعٍ وفي قلبِه … ما يُغرِقُ الدنيا إذا ما انفجر
لا يعرفُ الصبرَ لكنه … لمَّا رأى طولَ الظلامِ اصطبر.

About The Author

odbatya

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *