د. محمد محمد عيسى يكتب: الموشحات الأندلسية.. بنية فنية مركبة ونشأة عربية خالصة

د. محمد محمد عيسى يكتب: الموشحات الأندلسية.. بنية فنية مركبة ونشأة عربية خالصة

أدباتية: تبدو الموشحات الأندلسية واحدة من أكثر الظواهر الفنية التي تكشف عن قدرة العقل العربي على الابتكار حين تتسع له آفاق الحضارة وتتنوع المؤثرات الثقافية، فهي فن مركب يجمع بين الشعر والغناء والإيقاع، ويزاوج بين الصنعة الفنية والذوق الموسيقي، حتى غدت علامة فارقة في تاريخ الأدب العربي.
وقد نشأت الموشحات في بيئة أندلسية مشبعة بالتعدد اللغوي والتفاعل
الحضاري، فانعكس ذلك على بنيتها التي خرجت على نظام القصيدة الموحدة الوزن والقافية، لتقدم شكلا جديدا يقوم على الأقفال والأدوار والخرجة، ويستجيب لحاجات الغناء وتطور الموسيقى. ومن خلال هذا الفن المبتكر استطاع الأندلسيون أن يضيفوا إلى الشعر العربي بعدا جماليا جديدا، وأن يفتحوا بابا واسعا لحركات التجديد التي توالت في المشرق والمغرب على السواء.

الموشح: ماهيته وبنيته الفنية

يعرف ابن سناء الملك في كتابه (دار الطراز في عمل الموشحات)، الموشح، بأنه: «كلام منظوم على وزن مخصوص، وهو يتألف في الأكثر من ستة أقفال وخمسة أبيات، ويقال له: التام، وفي الأقل من خمسة أقفال، وخمسة أبيات، ويقال له: الأقرع. فالتام ما ابتدئ فيه بالأقفال، والأقرع ما ابتدئ فيه بالأبيات» (ابن سناء الملك الكاتب: دار الطراز في عمل الموشحات، تحقيق: جودت الركابي، دار الفكر، ط1، 1949م، ص: 32).

وفي تفريقه بين القفل والبيت، يقول: «الأقفال هي أجزاء مؤلفة يلزم أن يكون كل قفل منها متفقا مع بقيتها، في وزنها وقوافيها وعدد أجزائها. والأبيات هي أجزاء مؤلفة مفردة أو مركبة يلزم في كل بيت منها أن يكون متفقا مع بقية أبيات الموشح في وزنها، وعدد أجزائها لا في قوافيها، بل يحسن أن تكون قوافي كل بيت منها مخالفة لقوافي البيت الآخر» (ابن سناء الملك الكاتب: دار الطراز في عمل الموشحات، ص 33).

ويرتكز الموشح من أجزاء هي: المطلع، والقفل، والخرجة، والغصن، والدور، أو (البيت)، والسمط.

  • المطلع: فهو القفل الأول من الموشح (ويكون حينئذ تاما).

  • القفل: وهو يتكرر حتى ست مرات، وقد يزيد عدد أقفال الموشح فوق ذلك، وهي -أي الأقفال- تتفق مع المطلع (القفل الأول)، في وزنه وقوافيه وعدد أجزائه، مهما تعددت.

  • الخرجة: هي القفل الختامي في الموشح، وتعد ركنا بنيويا لا غنى عنه في تركيب الموشح، إذ يكتمل بها النسق الغنائي، ويمكن تجاوز القفل الأول في بعض الأنماط، كما في الموشح الأقرع الذي يستهل من غير مطلع، في حين تبقى الخرجة عنصرا لا يستغنى عنه.

  • الغصن: هو الشطر الواحد من المطلع أو القفل أو الخرجة. (عدنان خلف: مرجعيه الدراسي: التأثير الحضاري المتبادل بين الأندلس الإسلامية وإسبانيا النصرانية خلال عصر سلطنة غرناطة، كلية التربية – الجامعة المستنصرية، بغداد – العراق، ص 238).

  • الدور: هو المقطع الذي يلي المطلع في الموشح التام، ويستهل به الموشح الأقرع، ويتألف من ثلاثة أشطر فأكثر، تتحد قافيتها داخل الدور الواحد، ما يمنحه تماسكه الإيقاعي وتميزه البنائي.

  • البيت: هو –في أرجح التعريفات– اجتماع الدور مع القفل اللاحق له.

  • السمط: فهو كل شطر من أشطر الدور، يشترط ألا يقل عدد الأسماط في الدور الواحد عن ثلاثة، مع إمكانية زيادتها بحسب رغبة الوشاح. ويعد الدور الأول معيارا يقاس عليه عدد الأسماط وفقراتها في بقية الأدوار. وتتحد قافية أسماط الدور الواحد، غير أنه لا يلزم توحيد قافية أسماط جميع الأدوار. وقد يكون السمط مفردا أو مركبا من فقرتين فأكثر.

ويتجلى هذا التمييز بين أجزاء الموشح بوضوح في موشح لسان الدين بن الخطيب؛ حيث يقول: (لسان الدين بن الخطيب: موشحات لسان الدين بن الخطيب، دراسة وجمع: عبد الحليم حسين الهروط، دار جرير، ط2، عمان – الأردن، 2012م.)

يَا حَادِيَ الجَمَالِ *** عَرِّجْ عَلَى سَلَا

قَدْ هَامَ بِالجَمَالِ *** قَلْبِي وَمَا سَلَا

مُقَدَّسَ المَوَاطِي *** جَمَّ العَوَارِفِ

كَمْ مِنْ سَنَا هِلَالِ *** بِأُفْقِهِ انْجَلَى

أَنْحَى عَلَى الضَّلَالِ *** فَانْجَابَ وَانْجَلَى

عَرِّجْ عَلَى الخَلِيجِ *** وَالرَّمْلِ وَالحِمَى

فِي المَنْظَرِ البَهِيجِ *** بِالبِيضِ كَالدُّمَى

وَالأَبْطَحِ النَّسِيجِ *** مِنْ صَنْعَةِ السَّمَا

لِلَّهِ مِنْ جَلَالِ *** تَخْتَالُ فِي حُلَا

لَمْ تَلْفِ فِي اعْتِدَالِ *** عَنْهُنَّ مَعْدِلَا

جَنَى النَّعِيمِ دَانِ *** وَالبَحْرُ وَالغَدِيرُ

أَهِلَّةُ الشَّوَانِي *** فِي أُفْقِهِ تَسِيرُ

وَقَهْوَةُ الدِّنَانِ *** يُدِيرُهَا مُدِيرُ

أَغَرُّ كَالغَزَالِ *** مُقَلَّدُ الطِّلَا

يَسْطُو وَلَا يُبَالِي *** بِالأُسْدِ فِي الفَلَا

وَطْفٌ مِنَ الرِّيَاطِ *** بِرُكْنِ طَائِفِ

بِمَنْزِلِ اغْتِبَاطِ *** دَارِ الخَلَائِفِ

أَوْلَى إِلَيْكَ أَوْلَى *** مِنْ ذِكْرِ مَعْهَدِ

أَكْثَرْتُ فِيهِ قَوْلًا *** فِي كُلِّ مَشْهَدِ

خُذْ فِي امْتِدَاحِ مَوْلَى *** نَدْبٍ مُؤَيَّدِ

مُمَجَّدِ الجَلَالِ *** مُشَهَّرِ العُلَا

قَدْ فَاقَ فِي كَمَالِ *** وَرَاقَ مُجْتَلَى

مَوَافِقِ الخَلِيلِ *** فِي الاسْمِ وَالسِّمَاتِ

ذِي المَنْظَرِ الجَمِيلِ *** الرَّائِقِ الصِّفَاتِ

مُكْرِمِ الدَّخِيلِ *** وَمُجْزِلِ الهِبَاتِ

وَمُخْصِبِ النَّوَالِ *** لِمَنْ تَوَسَّلَا

وَرَافِعِ المَعَالِي *** سُحْبًا مُظَلَّلَا

يَا مَنْ عُلَاهُ دَرَّتْ *** بِكُلِّ نَائِلِ

خُذْهَا إِلَيْكَ جَرَّتْ *** ذَيْلَ الخَمَائِلِ

وَفِي حُلَاكَ أزْرَتْ *** بِقَوْلِ قَائِلِ:

يَا مَنْزِلَ الغَزَالِ *** حُيِّيتَ مَنْزِلَا

فَمَا أَرَى بِسَالِ *** عَنْهُ وَإِنْ سَلَا

إذ يفتتح موشحه التام بقفل، هو قوله: (يَا حَادِيَ الجَمَالِ / عَرِّجْ عَلَى سَلَا / قَدْ هَامَ بِالجَمَالِ / قَلْبِي وَمَا سَلَا)، وهو متسق في وزنه وقافيته وأجزائه (مع غيره من أقفال الموشح)، (وهو هنا مكون من أربعة أغصان). ثم تتتابع الأدوار بأجزائها المتعددة التي تلتزم الوزن وعدد المقاطع، مع تنوع مقصود في القوافي، ما يضفي على الموشح حيوية صوتية واتساعا إيقاعيا:

عَرِّجْ عَلَى الخَلِيجِ *** وَالرَّمْلِ وَالحِمَى

فِي المَنْظَرِ البَهِيجِ *** بِالبِيضِ كَالدُّمَى

وَالأَبْطَحِ النَّسِيجِ *** مِنْ صَنْعَةِ السَّمَا

فكل شطر من هذا الدور يسمى (سمطا)، ويسمى هذا الدور (بيتا) بإضافة القفل اللاحق إليه: (لِلَّهِ مِنْ جَلَالِ / تَخْتَالُ فِي حُلَا / لَمْ تَلْفِ فِي اعْتِدَالِ / عَنْهُنَّ مَعْدِلَا). وكل شطر من هذه الأشطر المكونة للقفل أيضا تسمى (غصنا)، كما سبقت الإشارة إليه.

أما الخرجة فتبدو في قوله: (يَا مَنْزِلَ الغَزَالِ / حُيِّيتَ مَنْزِلَا / فَمَا أَرَى بِسَالِ / عَنْهُ وَإِنْ سَلَا)، وهي القفل الأخير من الموشح. وكل شطر منها أيضا يسمى (غصنا)؛ لتكون الأغصان في المطلع (القفل الأول) وكذا في (كل قفل) وفي الخرجة (القفل الأخير).

ومن خلال هذا الموشح يتجلى الفرق البنيوي بين القفل الذي يلتزم وحدة القافية، والدور الذي يجيء أكثر تحررا في قافيته، مع بقاء الانسجام الإيقاعي رابطا بينهما. ويعد هذا النموذج مثالا تطبيقيا دقيقا لما ذكرته كتب الموشحات من أن التام يبدأ بالأقفال، وأن كل قفل يتكرر على نسق واحد، في حين تتنوع قوافي الأدوار اللاحقة من دون إخلال بالبنية الوزنية العامة.

ومثال الموشح الأقرع، وهو ما ابتدئ بالبيت: المكون من الدور والقفل اللاحق له، وهو لابن هريرة العبسي التطيلي الضرير:

سَطْوَةُ الحَبِيبِ *** أَشْهَى مِنْ جَنَى النَّحْلِ

وَعَلَى الكَئِيبِ *** أَنْ يَخْضَعَ لِلذُّلِّ

أَنَا فِي حُرُوبِ *** مَعَ الحَدَقِ النُّجْلِ

لَيْسَ لِي يَدَانِ *** بِأَحْوَرَ فَتَّانِ

مَنْ رَأَى جُفُونَهُ *** فَقَدْ أَفْسَدَتْ دِينَهُ

وبحسب ابن سناء الملك فإن القفل «يتردد في الموشح ست مرات في التام، وخمس مرات في الأقرع. وأقل ما يتركب القفل من جزأين فصاعدا إلى ثمانية أجزاء، وقد يوجد في النادر ما قفله تسعة أجزاء وعشرة أجزاء» (ابن سناء الملك الكاتب: دار الطراز في عمل الموشحات، ص: 33).

نشأة الموشحات وتطورها في الأندلس

يرى ابن سناء الملك أن الموشحات فن استثنائي تجاوز به المتأخرون المتقدمين، واستطاع به أهل المغرب أن يتفوقوا على أهل المشرق، لما فيه من طرافة، وجمال، وابتكار. فهو يعد الموشح (ملحة الدهر) و(بابل السحر) و(لباب الألباب)، يجمع بين الجد والهزل، ويزاوج بين النثر والنظم حتى يشهد البصر أنه نثر، ويشهد الذوق أنه شعر. وقد جعل هذا الفن المغرب مشرقا بإشراقه، وأغنى أهله بما ظفروا به من كنز فني ثمين أهدته إليهم الأيام [ينظر: ابن سناء الملك الكاتب: دار الطراز في عمل الموشحات، ص: 29–30].

وجاء في (كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس) أنه ينسب الفضل في اختراع الموشحات إلى «مقدم بن معافى القبري، من شعراء عصر عبد الله بن محمد، وعبد الرحمن الناصر، ذكره ابن فرج في كتاب الحدائق» [ينظر: أبو عبد الله محمد بن الحسن الكتاني الطبيب: كتاب التشبيهات من أشعار أهل الأندلس، تحقيق: إحسان عباس، دار الشروق، ط2، بيروت – القاهرة، 1981م، ص: 312]. ويرى ابن بسام في (الذخيرة) أن بدايات أوزان الموشحات ترجع إلى محمد بن محمود القبري الضرير الذي ابتكر طريقتها على أشطار الأشعار، معتمدا الأعاريض المهملة واللفظ العامي والعجمي فيما يسمى «المركز»، من دون تضمين أو أغصان. كما ينسب إلى ابن عبد ربه السبق في هذا الفن [ينظر: ابن بسام الشنتريني: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق: إحسان عباس، الدار العربية للكتاب، ليبيا – تونس، 1981م، 1/469].

وتقول نازك الملائكة (1923 – 2007م) في كتابها (قضايا الشعر المعاصر)، في إطار حديثها عن آية التجديد المتوالي في فن الشعر: «شهدت الأندلس حركة تجديد في شكل الشعر تميزت في ظهور الموشحات، حيث خرج الشعراء على نهج القصيدة القديمة وابتكروا تنويع الأوزان والقوافي. ويعد مقدم بن معافى مبتدع هذا الفن في أواخر القرن الثالث الهجري، ثم ازداد انتشارا وقوة على يد أبي بكر عبادة القزاز، المتوفى سنة 422 هـ» [نازك صادق الملائكة: قضايا الشعر المعاصر، دار العلم للملايين، ط5، (د.ت) ص: 345–344].

ويرى شوقي ضيف (1919 – 2005م) أن الأندلس اشتهرت «بأنها هي التي ابتكرت فن الموشحة، ويظن أنه كان لاتساع موجة الغناء والموسيقى منذ زرياب في عهد عبد الرحمن الأوسط» [شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي، دار المعارف، ط1، مصر، 1995–1960م، 8/146]، أو «نتيجة لامتزاج العرب بالإسبان ثانيا» [خليل إبراهيم السامرائي، عبد الواحد ذنون طه، ناطق صالح مطلوب: تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس، دار الكتاب الجديد المتحدة، ط1، بيروت – لبنان، 2000م، ص: 326].

“يجمع الباحثون على أن الموشحات من ابتكار الأندلسيين، وأنهم سبقوا بها المشارقة.”

أعلام الوشاحين وبدايات الصناعة

بعد تطور الموشحة تزايدت أعداد الوشاحين، وكان أبو بكر عبادة بن ماء السماء (ت 422هـ) من أعلام قرطبة في العصرين العامري والحمودي، -بحسب ابن بسام- قد برز في التوشيح، حتى عد شيخ الصناعة وإمامها، إذ نهض ببنيتها وقوم اعوجاجها، حتى بدا كأن الموشحات لم تعرف إلا على يديه [ينظر: ابن بسام الشنتريني: الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، 1/468–469]، وجاء في كتاب (تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس) أنه «إذا كان مقدم بن معافى القبري (ت: 299 هـ) قد ابتكر الموشحات الأندلسية، فإنها تطورت في عصر الطوائف على يد الشاعر أبي بكر عبادة بن ماء السماء» [خليل إبراهيم السامرائي، عبد الواحد ذنون طه، ناطق صالح مطلوب: تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس، ص: 345].

«وقد قدم المؤرخون عبادة القزاز على سائر الوشاحين في عصر الطوائف» [إحسان عباس: تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين)، دار الثقافة، ط5، بيروت – لبنان، 1978م، ص: 232] (428 – 484هـ).

«وفي أيام المرابطين ظهرت مجموعة من أعاظم الوشاحين، في مقدمتهم الأعمى التطيلي وابن بقي وأبو عبد الله بن أبي الفضل بن شرف والأبيض وعلي بن مهلهل الجياني وابن باجة» [إحسان عباس: تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين)، ص: 233]، كما ذكر إحسان عباس في كتابه (تاريخ الأدب الأندلسي – عصر الطوائف والمرابطين)، ويكمل: و«استفاض عدد الوشاحين في عصر الموحدين خاصة وكان في مقدمتهم شهرة أبو بكر بن زهر الحفيد… واستمر الإقبال على التوشح شائعا، فكان من مشاهير الوشاحين: لسان الدين بن الخطيب وابن زمرك» [إحسان عباس: تاريخ الأدب الأندلسي (عصر الطوائف والمرابطين)، ص: 250].

الموشحات فن عربي خالص تطور عن المسمطات

الموشحات فن عربي خالص، وتدل بنيتها على أنها تطورت عن المسمطات العباسية حتى استقلت بصورتها المعروفة. وقد رفض شوقي ضيف ما ذهب إليه بعض المستشرقين الإسبان من عدها فنا أندلسيا محضا ذا جذور رومانسية، مؤيدا غياب أي دليل على ذلك، في حين يقدم التراث العربي أنموذجا مبكرا للمسمط عند ديك الجن الحمصي (ت 235هـ)، وهو -في الرأي الراجح- الأصل الذي انبثقت عنه الموشحات [ينظر: شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي، 6/130]، كما أن ما يسمى بالأعاريض المهملة -في الموشحات- ليس ذا أصل أوروبي، بل هو أوزان عربية مهملة في دوائر الخليل، نظم عليها شعراء كابن السميدع ورزين العروضي وأبي العتاهية [ينظر: شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي، 8/147]، ما يثبت أن ما أشار إليه ابن بسام عربي الجذور [شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي، 8/147–148].

والمسمط هو بناء شعري يتكون من أدوار، يضم كل دور منها أربعة شطور أو أكثر. وتتوحد شطور الدور الواحد في قافية مشتركة، في حين ينفرد الشطر الأخير بقافية خاصة، تتوافق مع قوافي الأشطر الأخيرة في سائر الأدوار. وقال الليث: «الشعر المسمط الذي يكون في صدر البيت أبيات مشطورة أو منهوكة مقفاة، ويجمعها قافية مخالفة لازمة للقصيدة حتى تنقضي» [ابن منظور: لسان العرب، دار صادر – بيروت، ط3 – 1414هـ 1993م، 7 / 323]، ومثاله ما أورده ابن بري، وذكره ابن منظور في لسان العرب [ابن منظور: لسان العرب، 7 / 323]:

خَيَالٌ هَاجَ لِي شَجَنَا *** فَبِتُّ مُكَابِدًا حَزَنَا

عَمِيدَ القَلْبِ مُرْتَهَنَا *** بِذِكْرِ اللَّهْوِ وَالطَّرَبِ

سَبَتْنِي ظَبْيَةٌ عُطُلُ *** كَأَنَّ رُضَابَهَا عَسَلُ

يَنُوءُ بِخِصْرِهَا كَفَلُ *** بِنَيْلِ رَوَادِفِ الحَقَبِ

يَجُولُ وِشَاحُهَا قَلَقَا *** إِذَا مَا أُلْبِسَتْ، شَفَقَا

رِقَاقَ العَصْبِ، أَوْ سَرَقَا *** مِنَ المُوَشَّيَةِ القُشُبِ

يَمُجُّ المِسْكُ مَفْرِقَهَا *** وَيَصْبِي العَقْلَ مَنْطِقُهَا

وَتُمْسِي مَا يُؤَرِّقُهَا *** سَقَامُ العَاشِقِ الوَصِبِ

وتظهر المقارنة بين الموشحات والمسمطات أن كليهما يقوم على أدوار تنتهي بشطر مستقل؛ فعمود المسمط يقابل قفل الموشح، مع اختلاف عدد الأقفال. وقد أدرك الأندلسيون هذا التشابه، فاشتقوا اسم الموشح من الوشاح، كما اشتق العباسيون المسمط من السمط، للدلالة على انتظام الأجزاء في مركز واحد. واعتماد الوشاح الأول على لفظ عامي أو أعجمي تبنى عليه الأشطار يؤكد بدايات المحاكاة للمسمط [ينظر: شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي، 8/149]، قبل أن يوسع الأندلسيون هذا الفن ويصبغوه بصبغتهم الخاصة، ثم ينتقل إلى المشرق منذ القرن السادس الهجري، ومن أقدم أمثلته موشحة علي بن عياد الإسكندري (ت 526هـ). [ينظر: شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي، 7/176]

انتشار الموشحات في المشرق ودور ابن سناء الملك في تقعيدها

شهد القرن السادس الهجري انتقال فن الموشحات من الأندلس إلى المشرق على يد ابن سناء الملك، الذي ولد بالقاهرة سنة 550هـ ونشأ في بيئة ميسورة مكنته من الجمع بين القضاء والشعر. (ابن سناء الملك الكاتب: دار الطراز في عمل الموشحات، 1947م، ص: 9)، وبرغم تنوع إنتاجه، فإن عبقريته تجلت في موشحاته ومدائحه لصلاح الدين، إذ وجد في هذا الفن مجاله الأصيل (ابن سناء الملك الكاتب: دار الطراز في عمل الموشحات، ص: 12)، وقد أدرك أن الوشاحين الأندلسيين لم يضعوا قواعد واضحة للموشح، فنهض بهذه المهمة في كتابه (دار الطراز)، محددا خصائص الموشح وأنواعه وأوزانه، ليصبح أول من قعد هذا الفن تنظيرا في المشرق كما في المغرب (ابن سناء الملك الكاتب: دار الطراز في عمل الموشحات، ص: 13).

وقد لاحظ ابن سناء الملك أن قسما واسعا من الموشحات يخرج عن أوزان العرب، وأن بنيته لا تقوم على الأوتاد والأسباب بل على الإيقاع والتلحين، ما يجعل ضبطه بالعروض التقليدي متعذرا. ورأى أن كثيرا من هذه الموشحات مبني على تأليف الأرغن، حتى إن الغناء بغيره يعد مجازا. (ابن سناء الملك الكاتب: دار الطراز في عمل الموشحات، ص: 13–14).
ويؤكد جودت الركابي -معلقا على ابن سناء الملك- أن امتناع العرب عن وضع عروض صارم للموشح لم يكن عجزًا، بل انسجاما مع طبيعته الغنائية الحرة، منتقدا محاولة هارتمان رد أوزانه إلى 146 وزنا عربيا. وتبرز قيمة (دار الطراز) في جمعه عددا كبيرا من الموشحات الأندلسية النادرة، إلى جانب موشحات ابن سناء الملك نفسه، لتكون شواهد تطبيقية على نظريته (ابن سناء الملك الكاتب: دار الطراز في عمل الموشحات، ص: 14).

وساعد على انتشار الموشحات في مصر وفود الأندلسيين إلى الإسكندرية والقاهرة، ومنهم أبو الصلت أمية (ت: 529هـ)، واليسع بن عيسى وعبد المنعم الجلياني، كما حفظ معجم السلفي نماذج من إنشادهم (ينظر: شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي، 7/177)، ويرى شوقي ضيف أن البيئة المصرية كانت مهيأة لظهور ابن سناء الملك الذي جمع بين الإبداع والتنظير، فمهد لنهضة موشحية واصلها مظفر الأعمى (ت: 623هـ)، ثم ازدهرت في العصر المملوكي مع العزازي وابن الوكيل وابن نباتة، وانتشرت بين المتصوفة. ورغم ما أصابها لاحقا من تكلف، ظل هذا الفن حيا حتى العصر العثماني، كما تشهد به تراجم الشهاب الخفاجي وموشحة قاسم بن عطاء الله (شوقي ضيف: تاريخ الأدب العربي، 7/ 177-178).

وتؤكد الموشحات الأندلسية، بما تمتاز به من بناء فني مركب وروح غنائية متجددة، قدرة الشعر العربي على الابتكار حين تتفاعل الثقافة مع الموسيقى والبيئة الحضارية. وقد أثبتت نشأتها وتطورها في الأندلس، ثم انتقالها إلى المشرق وتقعيدها على يد ابن سناء الملك، أنها فن عربي أصيل تطور عن المسمطات، ونجح في تجاوز حدود القصيدة التقليدية من دون أن ينفصل عن جذور التراث. وهكذا غدت الموشحات علامة على حيوية الإبداع العربي واتساع آفاقه كلما تلاقت المؤثرات وتجدد الذوق الفني.

About The Author

odbatya

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *