أدباتية- أحمد زكي شحاتة: في قلب الفيافي الشاسعة، وحيث تصنع الصحراء قوانينها الخاصة، برز «الدربيل» (المنظار البصري) كعينٍ ثانية لابن البادية، ورادارٍ تقليدي يصوغ تفاصيل البقاء والترحال في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور التكنولوجيا واستفحال الأدوات الرقمية.
عين الصحراء الحارسة
لم تكن وظيفة «الدربيل» محصورة في تأمين مسارات الرحلات الطويلة وحمايتها من التيه فحسب، بل تغلغلت هذه الأداة البصرية لعمق تفاصيل الحكاية اليومية واليوميات المعيشية لأهل البادية، متحولة إلى عصب رئيسي يديرون به شؤون حياتهم في بيئة صحراوية قاسية لا ترحم الخطأ. في المقام الأول، مثّل «الدربيل» الذراع اليمنى للرعاة في عملية «قص الأثر»، حيث منحهم القدرة على تتبع حركة إبلهم وماشيتهم الشاردة بدقة فائقة ومن مسافات شاسعة، فبدلاً من هدر الوقت والجهد في السير العشوائي تحت هجير الشمس، كان المنظار يختصر المسافات ويكشف اتجاهات الحلال بدقة، ما يضمن استعادته سريعًا وحمايته من الضياع أو الضواري.
وفي المقام الثاني، تحول «الدربيل» إلى أداة سحرية لـ«فك شفرات الأرض» وقراءة جغرافيتها المعقدة، إذ مكّن البدو من سبر أغوار التضاريس الوعرة، والتعرف عن بُعد على «الرجوم»، وهي تلك الركامات الحجرية القديمة التي وضعها الأسلاف كعلامات مرشدة ومنارات برية تهدي الحيارى وتَسم الطرق والمسارات الآمنة وسط المتاهات الرملية والمنحدرات الجبلية، كما شكّل «الدربيل» عصب الرحلات ومفتاح الأمان لقوافل البادية والمسافرين، إذ اختصرت عدساته المحكمة — لا سيما «درابيل العيون» الشهيرة تاريخيًا — أبعاد المسافات المترامية، لتكشف لهم مواقع الآبار («القلبان») ومصادر المياه التي تعتمد عليها حياتهم.
ذاكرة معتقة برائحة الأصالة
وسط «رفحاء» في أقصى شمال المملكة العربية السعودية، كان اقتناء «الدربيل» ضرورة لا غنى عنها في رحلات البر والصيد ورعي الإبل. ويشير الخبراء والمخضرمون إلى أن القيمة العالية لهذه المناظير ارتبطت تاريخيًا بإصداراتها العسكرية المتينة وجودة صناعتها، ما جعلها تصمد في وجه قسوة المناخ، وتتحول اليوم إلى أيقونة حية في الذاكرة الشعبية، وتحفة يتنافس عليها هواة التراث في المزادات المتخصصة.
من فيافي الماضي إلى متاحف الحاضر
ومع بزوغ فجر أنظمة الملاحة الحديثة (GPS) التي تسيدت مشهد العصر، تحول «الدربيل» من أداة حيوية إلى جسر تراثي يربط جيل اليوم بأصالة الماضي.
يختزل الدربيل فلسفة الاعتماد على الذات في بيئة لا ترحم، ويقدم قراءة حية لذكاء الإنسان القديم في تطويع المتاح من الأدوات البصرية لصالح بقائه.
وفي لفتة توثيقية، يحتضن متحف «للماضي أثر» في محافظة رفحاء بمنطقة الحدود الشمالية، نماذج متنوعة ونادرة من هذه «الدرابيل» التاريخية، لتظل شاهدًا حيًا على التطور البصري، وتحفة تروي للزوار كيف كان المستحيل الصحراوي يقترب بلمسة عدسة.