الثائر.. رزق الحنفي

الثائر.. رزق الحنفي

أدباتية- أحمد زكي شحاتة: في مدرسةِ كفر الشيخ الثانوية الصناعية، لمعَ نجمُ طالبٍ اسمه رزق عبد العليم الحنفي، شاب حالم قادم من أرضٍ تدورُ حولها أساطيرُ الخلق وبدء البشرية من على الضفةِ الجنوبية لبحيرة البرلس في قرية دمرو الحدادي، يحمل في كفِّه قصاصاتٍ سطّر فيها إبداعَه، وفي الأخرى أحلامًا راح يترجمها إلى واقع من خلالِ لافتاتٍ ورقيةٍ راح يرفعها على جدران شارع الحكر والمقاهي في حي كفر الشيخ القديمة، كتب عليها «دعوة لكل أصحاب المواهب من شعر وغناء وتمثيل للانضمام إلى جمعية الفن والأدب» وضَمَّنَ اللافتةَ عنوانَ الشقة التي اتخذ منها سكنًا خلال فترة دراسته وكانت تمثل -رغم ضيقها- مرفأ ومُستراحًا لكل القادمين من دمرو خصوصا ومن سيدي سالم بوجهٍ عام لقضاء مصالحَ لهم في كفر الشيخ، في وقتٍ كانت فيه ربوعُ المحافظة براريَ متفرقة تفصل بينها مساحاتٌ شاسعةٌ من الهيش والوحَشة ونُدرةِ المواصلات.

أعوامٌ طويلةٌ قضاها رزق الحنفي يجمعُ الناسَ في المقاهي الشعبية، يُنشدُ لهم وينشدونَ له، وتعرّف على الشاعر الشعبي عمِّ «عفيفي أبو الرُكَب» والد الشاعر الدكتور/ علي عفيفي، وعلى باب كل مقهى حين تنتهي الأمسية يعلّقُ واحدةً من لافتاتِه ثم يغادر.

محافظ كفر الشيخ حمدي عبيد، كانَ واحدًا من الضباطِ الأحرارِ، ومثقفًا واعيًا، لذلك أسندوا إليه مَهمةَ الإشرافِ على طباعةِ المنشوراتِ السرية، وبعد نجاح الثورة تم انتخابه نائبًا في البرلمان عن دائرةِ المحلةِ الكبرى، وعندما انفصلت كفر الشيخ عن مديرية الغربية أصبح أولَ محافظٍ لهذا الإقليم الوليد.

الرجلُ المثقفُ كان يعرفُ أنَّ من بين توجهاتِ الثورة تثقيف وتوعية الشعب، فوضع الإبداعَ والمبدعين في قائمةِ أولوياتِه.

خطرَ ببالِه ذات ليلة أن يتجولَ في شوارعِ كفر الشيخ، يتفقد أحوالَ أهلِها، فالتقطت عيناه لافتة رزق الحنفي المعلقة بأحد الجدران، وكلما مرَّ بشارعٍ وجدَ لافتةً أخرى، فطلب من مساعديه أن يأتوه بهذا الـ«رزق الحنفي».

العَسَسُ ينفذون التعليماتِ بطريقةٍ مختلفة دائمًا، المحافظُ طلب الشاب ليتعرفَ عليه، وعقيدةُ العسسِ تنصُّ على أنّ هذا الشاب مطلوبٌ حيًا أو ميتًا، وانتشر المخبرون بالشوارع حتى عثروا عليه وأسلموه إلى قائد عسسهم والذي اقتاده بدورِه إلى حمدي عبيد.

في مكتب رئيس جمهورية الإقليم ممثلِ ناصر وأحدِ أركانِ الثورة، أنشد رزق الحنفي شعرَه بِناءً على طلبِ المحافظ، فأعجب به، لكنه عاتبه على فكرة تأسيس جمعية دون سندٍ قانوني.

 ارتعدتُ فرائصُ الفتى اليافع وأُسقِطَ في يديه وأدركَ أنه لا محالةَ هالكٌ اليومَ أو معتَقل، لكن ما حدث في اللحظات التالية قلب كلَّ الموازين، إذ عاجَلَه المحافظُ بابتسامة رقيقة قائلًا: لدينا الحلُّ لشرعنةِ فكرتك ووضعها في إطار قانوني… وراح يسأله:

– هل تعرف محمد عفيفي مطر؟!.

* لا.

-هو شاعر من الوافدين يعمل مدرسًا في كفر الشيخ، وقدّم إلينا فكرة إصدار مجلةٍ اخترنا لها اسمًا معبرًا عن طبيعةِ المحافظة، دعوناها «سنابل»، الآن عليك أن تغادر شقتك هذه وتنتقل إلى إحدى شقتين خصصتهما المحافظة للمجلة، إحداهما سكن لعفيفي مطر والثانية مقر للمجلة.
ثم طلب منه المحافظُ أن يسمَعه بعضَ شعرِه ، فراح يقول:
أنا شاعر… ومن صغري أنا إنسان

باقول الشعر في الأجران
ويعرفني جميع الناس

ف كفرالشيخ وميت علوان

ولفّيت مصر شرق وغرب

ماليش ولا صوره ف الجُرنان

وباحلم يوم

أقول الشعر للثوار

وباحلم يوم أغني لمصر غنيوه

تصحي الحلم ف الإنسان

فأعجب به، وأرسلَ معه من يُوصِلَه إلى عفيفي مطر وانتقل رزق الحنفي إلى مقر سنابل، ولَزِمَ عفيفي مطر الذي لم يُفوِّتَ فرصة استثمار جماهيرية الحنفي ليحصدا معًا ثمار سنواتٍ من التجوال بالمقاهي وإلقاء الشعرِ في حضرة القاعدة الشعبية.

كان مقر سنابل يستقبل المبدعين من كل حدبٍ وصوب، مشبّعين بالثورة حالمين بتحقيق أهدافها فينشدون الشعرَ حتى الصباح قبل أن يغادرَ كلٌ منهم إلى سبيلِه ويعود في المساء ليلتفّوا جميعًا حول مائدةِ الشعر التي غالبًا ما كان يفاجئهم المحافظ بحضورها، وفي غمرة حماسِهم راحوا يعدّونَ العدةَ لإصدار المجلة، فيضيفون بابًا ويحذفون آخر، يمسك كل منهم بمقص وقصاصات صحف فيصنعون –على هيئة الديكوباج- مجلةً مستعارةً على سبيل التجريب، ثم يعودون فيمزقون ما صنعوا طمعًا في إخراج نسخة أخرى أكثر مثالية.

قضوا عدة أشهر يتعاملون مع «ماكيت» المجلة كـ«جالاتيا» وجميعهم «بجماليون».

ولأن الرياحَ تأتي دائمًا بما لا تشتهي السفن المبحرة في أمان، فقبل أن يستقرّ الرفاق على تصميم نهائي للمجلة صدرت حركة المحافظين في أول أكتوبر من عامِ ألفٍ وتسعمئةٍ وخمسةٍ وستين، فشعروا بأنهم تلقّوْا صفعة قاسية، لقد تم استبعادُ الرجل الذي شجعهم ووعدهم بتحقيق حلم إصدار المجلة، تُرى هل يتفهم المحافظ الجديد نُبلَ غايتهم، وهل سيخصص ميزانيةً لإصدار المجلة، أم سيقدّم ميزانية الصرف الصحي والرصف؟!

 بقي الرفاق حائرين لأسبوعين كاملين تعتمل في رؤوسهم عشراتُ الأسئلة حول مستقبل المجلة الذي لا يزال مجهولًا، وقبل تسمية جمال حماد محافظًا جديدًا لكفر الشيخ، كان حمدي عبيد يؤدي اليمين الدستورية وزيرَ دولةٍ للتنمية المحلية.

تنفس الشبان الحالمون الصعداء، واطمأنوا إلى أن حلمهم سيتحقق لا محالة، فمهما كانت أولويات المحافظ الجديد، لا بُدَّ أنه سيعتني بإنجاز وضع أساسه سلفه الذي أضحى على رأس وزارة تديرُ مجلسَ المحافظين جميعا، بجرة قلمٍ يعيّن هذا أو يستبعد ذاك.

لم يُضَيِّع الشبابُ وقتًا، توجهوا من فورهم إلى مكتب المحافظ الجديد وعرضوا عليه الأمر، وشددوا في طلبهم على ضرورة أن يواصل ما بدأه سلفه، فوافق الرجل، لكنهم اكتشفوا بمرور الوقت أنها موافقة سياسية لا تحمل تنفيذًا.

كانت الأحداث السياسية المتلاحقة مُسوِّغًا لتهرِّب المحافظ من وعده للشبان المتحمسين، هناك ما هو أخطر فلا تزال القيادة السياسية مشغولة بتفاصيل بناء السد العالي الذي بدأ مطلع العام، تَبذل محاولاتٍ مستميتةً للظهور قوية أمام كل التحديات العالمية، وعلى الجبهة الأخرى كانت خيوطُ المؤامرة تحاك للانقلاب على ناصر من سوريا وإنهاء الوحدة بين البلدين.

 مبعوثٌ إثر مبعوث وجولاتٌ مكوكية يوفد فيها نصار قائد جيشه إلى الإقليم الشمالي لمحاولة إصلاح ذات البين دون جدوى، انقلبوا على عبد الحميد السراج فتفككت الوحدة وانفصل الإقليمان..
بحلول العام التالي، كانت أصداء الانقلاب العسكري في سوريا تتردد في ربوع مصر، وحال الثقافة يسوء، وبعد أن كانوا على رأس أولويات القيادة السياسية تراجع الاهتمام بهم وهو ما لخصه الكبير محمد حسنين هيكل في كتابه «أزمة المثقفين» الصادر عن مؤسسة الأهرام في مايو من عامِ ألفٍ وتسعمئةٍ وواحدٍ وستين.

الحالُ يسوء، ولا عزاء لهم سوى التشبث بخيوط الأمل والقبض على حلمهم مخافةَ أن يتخطّفه الطير أو تهوي به الريح في مكانٍ سحيق.

مئةٌ وثلاثٌ وستون صفحةً من القطع المتوسط، هي كتابُ هيكل الذي حفظه الرفاق الطامحون عن ظهر قلب، بحثًا بين سطوره عن حلٍّ لـ«أزمة المثقفين» التي هي في الأساس أزمتهم، لكن دون جدوى، فالكاتب الكبير طرح المشكلة ولم يقدّم الحل.

«لقد وجدتُها».. كانت العبارة التي هتف بها الأسمر النحيل رزق الحنفي، التفت إليه الجميع واشرأبت أعناقهم، فراح يعرض عليهم الحل.

كان الحل مناسبًا، فليستثمر قاعدته الجماهيرية التي عمل على تكوينها خلال السنوات الماضية، وبدلًا من فرض أنفسهم على جمهور المقاهي، عليهم أن يوجهوا الدعوة للناس لحضور فعاليات ثقافية في مقر المجلة.

وبالفعل، بدأ الناس يتوافدون زرافاتٍ ووِحدانًا، يستمعون إلى الشعراء والفنانين، في كل ليلة، ولا تزال لافتة المجلة التي لم تصدر بعد تحتل واجهة المبنى.

في مقر المجلة انضم لعفيفي مطر، محمد الشهاوي وعبد المنعم مطاوع وعبد الوهاب عبد المحسن وعبد الدايم الشاذلي وعلي عفيفي وتاج الدين محمد، والسعيد قنديل، وآخرون.

فكتب عفيفي مطر «من ذاكرة الأرض»، وعبد الدايم الشاذلي «كتاب العشق» ومحمد الشهاوي «ثورة الشعر»، وهي كتبٌ ثلاثة تلخّص حالة اليأس التي تكتنفهم، لكنهم لم يكفروا بالثورة ولا يزالون على العهد باقين، مهما صادفتهم العثرات وتهتكت أستار الحلم يبقى جوهره محفوظًا في قلوبهم.

في كفر الشيخ، البلد البكر الطيب، لا أسواق للأشباحِ ولا حانات للسكارى، ورغم ذلك كان كل شيء يتجه إلى المجهول، الوضع السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي أيضًا، لكن ثمة أشياء كانت تتخلق في أعين الحالمين بمستقبلٍ مشرقٍ الآبقين من الأوضاع المؤلمة، فراحوا يفرون إلى الأمام مدفوعين بالأمل الذي لم يستطيعوا القبض عليه بعد، لكن مجرد إفلاتهم من شَرَك الجهلِ وبراثنِ اليأسِ في حدّ ذاته نجاح.

هم فقط الأشباح الخارجةُ من البراري والقفارِ همُ المردةُ المتشكلون بين ثنيات أوراقهم الشابة، حباتُ اللؤلؤ المكنونِ التي تشكل فيما بينها عقدًا اجتماعيًا وسياسيًا وإبداعيًا يزينُ جيدَ عروسِ الدلتا، أرضِ الأمل الذي لا ينقطع والمستقبل المشرق.

كما أنّ للانتصارات فوائد، فإن للخسارات الحربية والنكسات فوائد أيضًا، فعلى وقعِ هزيمةِ عامِ سبعةٍ وستين التي وَصمت نظامَ الثورةِ وشعبَه بالانتكاسة لخطأٍ في تقدير القيادةِ العسكريةِ، فطنت الدولةُ إلى أهميةِ العودة لتحقيق أهداف الثورة وإنقاذ ما تبقى من شعاراتها من السقوط الأخير، فتم تخفيف القبضة الأمنية وانفرجت أصابعُ الرقيبِ بعض الشيء وانطلقت جمعية الفيلم تعرضُ مالا يقل عن أربعة أفلامٍ أسبوعيًا وفتحت المسارحُ أبوابَها، وتمت الموافقة على إصدار مجلة «جاليري 68» بتمويل ذاتي من الأدباء، وأخيرًا أقيم المؤتمر الأول -والأخير بالطبع- للأدباء الشبان واختيرت مدينة الزقازيق بمحافظة الشرقية محلًا لانعقادِه، حضره نحو عشرينَ ألفًا من الجماهيرِ فضلًا عن المثقفين والنخبة، وبعض السياسيين الذين استغلّوا التجمع الكبير في الظهور لتلميع أنفسهم والقفز على نجاحات المبدعين…
وتمضي السنوات، ويلتحق رزق الحنفي بالقواتِ المسلحة كضابطِ مهندسٍ في سلاحِ الطيران، ويحظى بشرفِ المشاركةِ في ملحمة العبور العظيم، وينشد قائلًا:

إحنا كل الشقيانين

العرقانين العيانين

اللي بصلاهم يمسحوا تعب السنين

وانتوا شلة نصابين

تسرقو كل اللي مسروق من سنين
ويختتم بالقول:

أنا مش هاهاجر ياوطن

مع إني مش قدر أعيش

ولا نفسي أموت

مع إن موتي مالوهش صوت

ولا له تمن

واحد ومات

ما تعزونيش

ولا تبنوا قبر وتفرشوه

قطن وحرير

ولا ترموا فيه حتة حصير

أنا نفسي اموت زي البشر

إنسان فقير

ويغادر عالمنا إلى رحاب مولاه في يوم الثلاثاء الموافق للثامن والعشرين من سبتمبر عام ألفين وواحدٍ وعشرين بعد حياة حافلة بالعطاء.

About The Author

odbatya

لا تعليقات بعد على “الثائر.. رزق الحنفي

  1. طريقة حضرتك في الكتابه رائعه .. الف رحمه ونور الله يرحمه ويسامحه ويسكنه فسيح جناته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *