30 أغسطس، 2026

الأصيل.. د. إبراهيم منصور

0
الشاعر إبراهيم منصور - أدباتية - بورتريه - معجم أدباتية

أدباتيةأحمد زكي شحاتة: في التاسع من ديسمبر عام ألف وتسعمئة واثنين وسبعين، أطلق إبراهيم عبداللطيف منصور، صرخته الأولى، في كنف أسرة ريفية بسيطة، بقرية أبو غنيمة التابعة لمركز سيدي سالم بمحافظة كفر الشيخ.
وحين شب عن الطوق ألحقاه أبواه بكتاب القرية المجاورة، حيث عهد به أخواله إلى الشيخ حسن وهو ابن ثلاث سنوات فقط.
هناك، طرقت مسامعه حروف لم تألفها أذناه قط، وفي مساء كل جمعة كانت قصائد «دلائل الخيرات» تنشد في جماعة داخل باحة المسجد الكبير، ليکتشف الطفل لاحقا أن هذا المسجد لم يكن سوى صورة مصغرة من الجامع الأزهر، وأن ذلك الإنشاد كان يحلق به في عوالم تختلف جذريا عن واقع الأرض وصخبها.
في مكتبه خاله الأصغر، بدأت ملامح شخصيته تتشكل حيث فتح أمامه أبواب المعرفة على مصراعيها، وأطلعه على عوالم مختلفة من السرد والرواية.
يحدث التحول المفصلي حين يشجعه معلما اللغة العربية والمواد الاجتماعية على إلقاء الشعر في الإذاعة المدرسية.. ومن هنا تحديدا، اتسعت مداركه وعرف صوته نغما آخر مختلفا راح يحلق به في سماوات الإبداع، لتتوالى المحطات، ومن تدريس اللغة العربية في قريته، ينتقل إلى القاهرة للعمل في إحدى المدارس الخاصة، حتى يحين موعد السفر ليكتب فصلا جديدا في سيرته المهنية.
أحلام المراهقة الوردية، تتحطم في كثير من الأحيان، على صخرة الواقع، فبعد حصوله على الثانوية العامة، أراد الالتحاق بكلية دار العلوم، لكن مجموعه الكبير –على عكس ما توقعه المحيطون– قاده إلى كلية التربية، لأنها كانت تضمن تعيينا فوريا يؤمن حياة صاحبه، وأمام حالة الأسرة التي تنتظر من الابن الأكبر أن يحمل معهم ثقل الحياة، رضخ لهذه الفكرة، فاختار قسم اللغة العربية ليحتفظ بوميض من حلمه القديم.
يصبح خيار إكمال الدراسات العليا معضلة قاسية، فخريج التربية ملزم بالالتحاق بإحدى الكليات النظرية، وأمامه أربع سنوات كاملة ليعادل مساره في تخصصه، لكن تشاء الأقدار أن يكمل دراسته في كلية التربية بجامعة عين شمس تحت إشراف أستاذه الدكتور أحمد سعد، ويتحول السفر إلى تحد قاس، تتخلله قسوة الحضور وتعنت بعض الأساتذة، حتى ينتزع درجة الماجستير في شعر الدكتور «يوسف نوفل».
وفي مرحلة الدكتوراه، يغدو حضور الدكتور علي عفيفي علامة فارقة حين يوجهه إلى السرد الأبرز في التراث: «ألف ليلة وليلة»، فيتذكر بداياته مع مكتبة خاله وينكب على البحث الجديد لتأتي لحظات الفرح الكبرى، ويطبع بحثه في سلسلة «دراسات نقدية» التي تصدرها الهيئة المصرية العامة للكتاب بعد أشهر قليلة من مناقشته، ليترافق كتابه النقدي الأول، مع ثلاثة دواوين شعرية، هي «للنوارس موت آخر»، و«ضياع النهر»، و«آخر أزهار الربيع».
في مسكنه الملحق بمقر عمله في المملكة العربية السعودية، يخصص إبراهيم منصور لحظات للتأمل واسترجاع الماضي، فيمر أمام عينيه شريط الذكريات، يطالع من خلاله وجوه العابرين في مسيرته، يبدأ من أبويه، ويمر بالزوجة والأبناء، ولا ينتهي عند الشيخ حسن، ومعلميه الأوائل، وزملاء الدراسة وأصدقاء الطفولة، لكن أناسا آخرين حفروا في القلب مكانا أبديا يستعرض ذكرياته معهم في كل لية، منهم: الراحل العظيم الدكتور محمد يحيى عقل ، والراحل الكبير الدكتور سليمان البوطي، والراحل المتفرد ممدوح المتولي، وصديق رحلته الراحل إبراهيم عبد المقصود الرفاعي، بالإضافة إلى المجدد الكبير الدكتور عبد المرضي زكريا خالد، والشعراء د. علي عفيفي وعلي الرفاعي، وعبد الجليل الحافظ وغيرهم الكثيرون.
وفي كل مساء، يسترجع شريط الذكريات حريصا ألا يسقط أحد منه، بل يضيف إليه في كل يوما جديدا، ليستقر على الحقيقة الأصفى بعد رحلة طويلة بين الشعر والسرد، بأن الإنسان سيبقى هو القيمة الكبرى التي تعلو فوق كل اعتبار، بغض النظر عن المكانة الاجتماعية أو المادية أو العلمية.
وهكذا.. يبقى إبراهيم عبد اللطيف منصور، انسانا حافظا لتراثه وأصالته محافظا عليها يحمل في صوته حنين الكتاب، وفي قلبه براءة القرية، وفي عقله صرامة الباحث الرصين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *