حارس الضاد.. إسماعيل الضنين

أدباتية – أحمد زكي شحاتة: في قرية شباس الشهداء، التابعة لمدينة العارف بالله سيدي إبراهيم الدسوقي، أشرقت شمس الخامس من يونيو عام ثلاثة وستين على الصرخة الأولى، إيذانًا بميلاد الطفل إسماعيل عبد العزيز الضنين، الذي لم يكن جسدًا يمشي على الأرض بقدر ما كان نواة لعاشق يحمل سفر الضاد على كاهله لعقود من الزمن.
لم يتخذ من تدريس اللغة العربية مهمة عمل ينتهي بصوت جرس الحصة، بل اتخذها عقيدة ومنهاجًا، فلم يقنع بليسانس اللغة العربية فالتحق بالدراسات العليا كي يشبع نهمه في الارتواء من فنون العربية ومساربها.
تدرج في السلم الوظيفي من معلم يبني العقول بشغف، إلى موجه حصيف يحرس معايير البيان، حتى اعتلى سدة التوجيه الأول، فما أضافت له المراتب إلا تواضعًا، وما زادته المناصب إلا تبتلًا في محراب العربية.

ولأن الآثار الصادقة تبث نورها رغم الزحام، فقد كانت سيرته وشعره موضوعًا لرسالة علمية لنيل الماجستير في جامعة الأزهر للدكتور محمد الصاوي، كما أفرد له الشاعر الكبير إسماعيل بريك صفحات مهمة في كتابه «أضواء على أحزان الشعراء».
وانطلق بالتوازي مع عمله في التدريس يبث خلاصة فكره عبر قناته «الإسماعيليات» على موقع يوتيوب، كي لا يبقى الحرف حبيس الأدراج.
الكلمات في شعر إسماعيل الضنين، حبات لؤلؤ رصت بعناية في عقد من الشجن تدلى من قلادة فخمة تزين جيد القصيدة، حين يكتب عن أبيه، يستعيد الرحم الأول للوجود، فيقول:
«ما عشتُ حزنًا كفقدي للحبيبِ أبي
وما رأيتُ يدًا تحنو كمثلِ أبي
وما شممتُ عبيرًا كنتُ أعشقُهُ
إلا وكانَ رحيقًا من زفيرِ أبي
وما قرأتُ كتاباً أو خططتُ بِهِ
سطرًا جميلًا فهذا السطرُ بِرُّ أبي».

ومن نفس النبع الروحي الذي استمد منه بر الأب، يسكب سحره حيث يتحول الشاعر إلى حكيم يسلم الأمانة لابنه، فيوصيه بالمكارم قائلًا:
«يا نبضَ قلبي قد بلغتُ الآنَ من عمري عتيا

لكنّ قلبي يا بُنَيَّ من الرضا أمسَى فتيّا
إنِّي أريدُك سيِّدا سمحَ الشمائلِ والمُحيّا
ومِنَ المكارمِ تَرتدي ثوبا يُبَلِّغُك الثُّريّا
ووصيَّتِي أن تحفظَ الأختَّ الصغيرةَ في الصمام
وتَحَفّها بغِشاءِ قلبِك في حنانٍ في وِئَام».
القافية عند الضنين لا يستقيم سطرها ولا تكتمل دائرتها إلا حين تأوي إلى الجناب الأعظم.. هناك، في محبة النبي المصطفى تسقط كل الألقاب، ويبقى الشاعر مأخوذًا بالجلال لينشد في حضرة النور البهي: «عَظُمتَ يا خيرَ الورى تعظيما
وغدا عبيرُكَ للوجودِ نسيما
صلّى عليكَ اللهُ يا علمَ الهدى
أبقاكَ ربُّكَ في الجِنانِ مقيما
يا سيدي ومُعَلِّمي ومُؤَدِّبي
ومُقَوِّمِي في سِيرتَي تَقويما
سأظلُّ أهتفُ ذاكرًا ومُذَكّرا
صَلّوا عليهِ وسَلِّموا تسليما».
وحين طوى إسماعيل عبد العزيز الضنين صفحة العمل الوظيفي في يونيو من عام ألفين وثلاثة وعشرين، يتفرغ للإبحار في لجج الأدب ليستخرج في كل يوم درة بهية، لا يلبث أن يعرضها لمريديه عبر صفحته على موقع فيسبوك، أو قناته «الإسماعيليات» على موقع يوتيوب، ليبقى في وجدان تلاميذه ومحبيه قامة تربي بالحرف وتخلّد بالأثر.

About The Author