نظر إلى الناس وهم يتحركون في مجاميع، كأن على رؤوسهم الطير؛ لا يلتفتون، وعيونهم صوب بيتٍ علت أسواره، وتراصف الحرس بباِبه. لا يعرف ماذا يجري؛ فهو القادم من مكان بعيد، باحثًا عن عمل. سأل أحدهم علّه يرشده، فلم يلقَ جوابًا، والناس ما زالت تخرج من الأزقة تباعًا نحو ذلك البيت. قرر المضي معهم؛ فقد أُغلقت الأسواق، وكل شيء بات يشير إلى البيت ذاته. تزاحم الجمع حول البناء، ينظرون إلى شرفة عالية تطل عليهم لم تُفتح بعد. وقفوا صفوفًا كأنهم تدربوا على هذه الوقفة، حتى شعر أنه الوحيد الذي لا يعرف أين يقف. شيئًا فشيئًا، ابتعد عنهم وصار ينظر من بعيد. لا كلام ولا همس، فقط عيون تتجه صوب الشرفة. رفع أحد الحراس يده، فتحرك بعض الجمع كأنهم يصححون ما اعوجّ من صفوفهم. وما هي إلا لحظات حتى ركض بعض الحرس نحو رجل تعثر ولم يقف في الصف، فانهالوا عليه ضربًا مبرحًا، يسيل الدم من أنفه وفمه. وقف مشدوهًا؛ لم يحرك أحد ساكنًا. سحلوا الرجل نحو البيت، واختفى داخله. رفع الحارس يده مرة أخرى، ثم أشار نحو الشرفة. زادت الرقاب تطلعًا نحو الشباك وهو يفتح عليهم. أطل رجل ضخم الجثة، يرتدي بدلة سوداء. لم يحيّهم، بل أشار إليهم بعصاه، ثم أُغلقت الشرفة وغادر الجمع. لم يفهم شيئًا من هذا الرجل، ولا ما بال المدينة لا تتكلم. ذهب إلى مقهى، هناك عاد الناس إلى أعمالهم، لكن بلا أصوات؛ فقط إشارات بالأيدي. اقترب من صاحب المقهى وبادره بالتحية، فالتفتت إليه العيون، وهرب بعضهم، وسارع صاحب المقهى إلى وضع يده على فم الغريب. كتب له على ورقة أخرجها من جيبه: «لا كلام مباح هنا، هل فهمت؟» أخذ الورقة منه، وكتب أنه يبحث عن عمل. قاده صاحب المقهى نحو البيت. وصل باب البيت، فخرج الحرس نحوهما بعيون شزر. دفعه صاحب المقهى إليهم، ثم غادر. أدخلوه، فجردوه من كل شيء إلا من غطاء يستر عورته، ثم أخذوا الورقة وغابوا طويلًا. أراد المغادرة، فوكزه الواقف خلفه بعصا كانت بيده، حتى شعر أن كتفه قد خُلع. جاء أحد الحرس يحمل ورقة، وفي يده شيء صغير يميل إلى البياض. قرأ الرجل الكتابة: «أريدك أن تعلم أطفال المدينة الحساب فقط.» وختم ذيل الورقة باسم الرجل الأسود. فتح الحارس فم الرجل، ووضع تلك القطعة الكروية البيضاء فيه، وأغلقه بقوة، ثم رموه خارجًا، وألقوا ملابسه خلفه. مزق الورقة أمامهم، ثم ركض هاربًا. أحاط به الحرس، وأشبعوه ضربًا حتى خرّ جسده، وسلموه ورقة كتب فيها: «لن تغادر بعد اليوم. من يدخل مدينتي لا يخرج منها. الرجل الأسود.» قادوه نحو بيت صغير وسط المدينة، ليعلم الأطفال الحساب فيه. دخل البيت، ورمى نفسه على الأرض، وغطّ في نوم عميق. فتح عينيه بعد أن سمع طرقًا على الباب. شعر أن جسده قد تكسر من ضربات الحراس، وحاول جاهدًا الوقوف ليفتح. ما إن فتحه حتى تدافع الأطفال للدخول، ولكن بصمت لم يعهده من أطفال في أعمارهم. كيف له أن يعلم الأطفال بلا كلام؟ اشمأزت نفسه من المدينة، فرمق الأطفال بشزر، ولوّح لهم بعصا وجدها مركونة في زاوية الغرفة. انتبه لنفسه؛ كأنه صار الرجل الأسود عليهم! اصطف الأطفال وكأنهم آباؤهم. شعر بنشوة غريبة، كأنه ينتقم من الرجل الأسود في هؤلاء الأطفال، لكنه سرعان ما ثاب إلى رشده، فراحت يده تضربه بالعصا، ثم رماها وجلس يبكي أمامهم. وقف بعد ذلك، وتحدث بصوته الذي خاف أن يفقده هنا. تلفت الأطفال نحو بعضهم. أسرع إلى غلق الباب، وراح يصرخ في وجوههم، مرددًا هجاء الحروف والكلمات، علهم يعرفوا ما لا يعرفه الآباء. قرر حينها: سيعلمهم الحساب مرة، والكلام مرات. لا أوراق ولا أقلام. مرت ساعات، ثم فتح لهم الباب. فروا هاربين، إلا طفلًا صغيرًا راح يحدق فيه كثيرًا، ثم خرج ماشيًا بمفرده. شعر المعلم بشيء يتحرك ببطء في فمه، فلم يعره اهتمامًا. في صباح اليوم التالي، حضر نصف الأطفال، ولم يحضر البقية. خاطبهم، فلم يلقَ جوابًا، فأكمل درس اليوم. في المساء، أُطرق الباب، وما إن فتحه حتى تكالبت عليه أيدي الحرس بالضرب، وسلموه ورقة، ثم غادروا، وقد كتب فيها: «التزم بما كتبناه لك، ولا تقتل نفسك بيدك.» والختم ذاته في أسفل الورقة. في صباح اليوم التالي، زاد عدد طلابه على النصف. عاد إلى تعليم الحساب، لكنه قرر أن يسمع أصوات طلابه ولو همسًا. أخذ يقترب منهم واحدًا واحدًا، يسألهم عما حدث لهم. أراد أحدهم فتح فمه، فأخذه مباشرة إلى الغرفة الأخرى حتى لا يسمعه أحد. فتح الطفل فمه، وأشار إليه بإصبعة. حدق المعلم، فلم يرَ سوى بقايا قطع بيضاء التصقت بأسنانه، فظنها بقايا طعام. حاول الطفل إخراج الكلمة، فلم تخرج إلا أصوات خرساء. عاد المعلم لطلابه، فوجد عددهم قد تلاشى. شعر بشيء في فمه يتحرك أكثر من ذي قبل. اقترب من القلة المتبقية، فركض نحوه ذلك الطفل الصغير، مشيرًا إلى فم زميله، وألح عليه كثيرًا. حاول المعلم فتح فم الطالب، فسقط رعبًا وقد تراءت له خيوط عنكبوت تُنسج في فم الطفل. راح يفتح أفواه بقية الأطفال، فرأى المشهد نفسه؛ كانت الشبكة تكبر كلما تقدم العمر، حتى وصل إلى أكبرهم، فرأى عنكبوتًا أسود كبيرًا رابضًا في مؤخرة فمه. راح يبصق ويصرخ عاليًا، حتى ظن أنه يبصق قطعًا بيضاء تكسرت أمامه كبيوض، فهاله المنظر. خرج مهرولًا، لا يعرف أين يفر. رأى الناس مجتمعين حول الحرس، وهم يضربون رجلًا أمام محله ويعبثون بأغراضه، ثم حملوه واختفوا خلف بيوت قديمة مهجورة. انتظر حتى ابتعدوا، ثم اقترب من الجثة؛ كان الدم يسيح من فمها. تذكر أفواه الأطفال، فرأى العناكب تخرج مع الدم من فم الضحية. ركض هاربًا نحو بيته. أغلق بابه بقوة، وحاول النوم دون جدوى؛ فكل طرق الهرب باتت مسدودة. «المدينة سجن مؤبد.» جاءه الطلاب صباحًا، ولم يحضر سوى سبعة. كتب في ورقة وأعطاها لهم. تبادلوا النظرات بلا كلام، لكنه رأى شيئًا من الثقة في عيونهم. أكملوا الدرس بشغف أكبر، والحراس يراقبون عن كثب؛ فموعد الاجتماع السنوي قد اقترب، وعرف أنه الاجتماع نفسه الذي رآه يوم جاء إلى المدينة. صباح اليوم التالي، دخل الطلاب على معلمهم وهم يرتدون زيًا واحدًا أخضر، وقد رأوا معلمهم يرتدي اللون ذاته. تبادلوا النظرات، وشعر المعلم أن شيئًا في داخلهم بدأ يتحرك من سباته. شرع في تعليمهم الكلمات والحروف، وملأ السبورة باللام والألف. كانوا يحاولون النطق فلم يفلحوا، وراحوا يكررون المحاولات بلا ملل. اشتد التحشيد للاجتماع، فامتلأت الشوارع بصور الرجل الأسود، وعصاه مرفوعة في يده. كان الحرس يجمعون الأموال من الناس، فراح أحد الطلاب يرمقهم بعين غاضبة. لمحه أحدهم، فتعجب من نظرته؛ فلم يعتد الحرس مثل هذه النظرات. أشبعوه ضربًا حتى أسقطوه أرضًا، ثم أكمل الحارس عمله، والطالب مرمي على الأرض لا يلتفت إليه أحد. في الصباح التالي، رأى المعلم ما بان على ملامح طالبه، وشعر أن الضربات سُددت إليه هو، فانفجر غاضبًا: «كفى، كفى!» غادر طلابه الصف، وفي عيونهم نظرة مختلفة. جلس المعلم واضعًا رأسه بين ركبتيه. ظل طويلًا على حاله، ثم قفز: «سأفعلها، ففي الحالتين الموت واحد.» اجتمع الناس صفوفًا أمام باب الرجل الأسود. السوط يلوح فوق رؤوسهم، والعيون ترنو نحو الشرفة. تراصفوا كقطع الشطرنج في أماكنهم. جاء المعلم هذه المرة، واختار مكانًا قريبًا من الشرفة. رفع الحارس يده، فانفتحت الشرفة. ظهر الرجل الأسود بطلته المعهودة، وعصاه تهتز بيده. ما إن رفعها حتى قفز المعلم من الصف، صارخًا: «كفى، كفى!» لحظات، وإذا بالحرس يبرحونه ضربًا أمام مرأى الناس، حتى غدا جثة هامدة. أكمل الرجل الأسود طلعته وتلويحاته بالعصا، فأذن للناس بالانصراف. بقيت جثة المعلم في مكانها، وقد اقتربت منها ظلال سبعة حتى أحاطت بها، وفي أيديها عصيّ تهتز، وقطع كروية بيضاء تتساقط من أفواهها.